
الهواء جوه الكوخ بقى أتقل من الرصاص. كشافات العربيات الدفع الرباعي كانت بتخترق الشبابيك الخشبية المكسورة، بتنور الضلمة في خطوط بيضا حادة زي . صوت اللواء مصطفى الزيني في التليفون كان بيهسس في ودني ببرود يرعب، وهسيس نبرته كان أصعب عليا من صوت الضرب الحي.
“اسأليه يا فريدة.. اسأليه مين اللي جابك المزرعة دي وأنتِ حتة ، ومين اللي مسح اسم أمك الحقيقية من الدفاتر.”
نزلت التليفون بطيء. أيدي كانت بتهتز، والسلاح في أيدي التانية بدا يتقل، كأنه سبائك حديد. بصيت لأبويا — أو الراجل اللي عشت ٢٨ سنة فاكراه أبويا. الحاج سمير، الراجل اللي علمني إزاي أقف ثابتة في قلب العاصفة، كان واقف قدامي ضهره منحني، وعينيه مثبتة في الأرض كأنه مستني الرصاصة تجيله من جواه مش من بره.
“الكلام ده صح؟” صوتي طلع واطي، بس حاد زي . “اتكلم يا سمير! اللواء الزيني بيقول إيه؟”
وفاء مرات أبويا اتكمشت في زاوية الأوضة، حاطة إيدها على بؤها عشان تمنع صرخاتها، والكارت الميموري على الترابيزة الخشب بيننا كان بيلمع تحت أضواء الكشافات الخارجية زي عين تعبان مستني اللحظة المناسبة.
أبويا رفعت عينيه بالعافية. كان فيهم كسرة عمرها ما كانت فيه. “فريدة.. أنا ربيتك. أنا اللي سهرت جنبك وأنتِ سخنة، أنا اللي شلتك يوم ما دخلتي الكلية الحربية.. أنا أباكي!”
“أمي مين؟” زعقت فيه، والصوت خرج من حنجرتي مكسور، ممتزج بصوت مكبرات الصوت اللي بره الكوخ وهي بتذيع أمر إخلاء فوري من قوات الصاعقة والعمليات الخاصة.
“الكوخ محاصر! النقيب فريدة سمير.. اخرجي بيدك فاضية فوراً!”
أبويا مسك إيدي بجنون، إيده كانت متلجة. “الزيني مش جاي ينقذك يا فريدة.. الزيني هو رأس ‘المريديان’. الشبكة دي مش مجرد عصابة تهريب.. دي المنظمة اللي أمك الحقيقية كانت حاطة إيدها على ملفاتها قبل ما يقتلوها من ٢٨ سنة!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. عقلي العسكري بدأ يربط الخيوط بسرعة مرعبة. المأمورية السرية في سينا.. القطع التام عن العالم.. عدم وصول خبر وفاة أبويا.. وفاء وإسلام والتزوير.. كل ده ما كانش عشان أبويا، كل ده كان مصيدة عشان يرجعوني أنا!
“أمي الحقيقية مين؟” سألته وأنا بتراجع خطوة لورا، موجهة السلاح بينه وبين الباب.
“الدكتورة مريم العادلي..” أبويا قال الاسم بنبرة محشورة بالدموع. “عالمة الشفرات اللي اختفت في ظروف غامضة سنة ٩٨.. أمك ما ماتتش في حادثة زي ما فهمتك. أمك قتلوها لأنها كشفت إن قيادات كبيرة في أجهزة حساسة هي اللي بتدير عمليات التهريب والتجسس لحساب منظمة دولية.. الزيني كان ظابط صغير وقتها، وهو اللي صفى الخلية كلها.. وأنا.. أنا كنت السواق اللي هربك من وسط النار وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة!”
أنفاسي اتجمدت. العالم كله حوليا انهار في ثانية. طفولتي، ذكرياتي، اسمي، رتبتي العسكرية على كتفي.. كل حاجة كانت مبنية على كدبة كبيرة.




