
الليلة دي ما كانتش ليلة عادية في بيت العيلة الكبير.. كانت ليلة الحساب.
الهدوء كان بيخنق المكان، صوت الريح بره بيهز شبابيك الصالة المذهبة، وجوه.. كان الجشع بيرقص على عين أمه وأخته. أمي، الحاجة كرمة، قاعدالك على الكنبة الفرنساوي كأنها ملكة زمانها، بتشرب الشاي بالنعناع في طقم صيني جديد، والغوايش الدهب بتشخشش في إيدها مع كل حركة. وشيماء أختي ماسكة الورقة والقلم، عينيها بتلمع بشرارة طمع أرخص من التراب، وعمالة تحسب الملايين.
“بقولك إيه يا إبراهيم..” شيماء قربت مني وصوتها زي حية بتوشوش: “الأربعة مليون جنيه دول مش لازم يتحطوا في البنك كده وخلاص! خطيبي رودي قال إن فيه قطعة أرض على الصحراوي ممتازة، نشتريها، ونعمل عليها سنتر تجميل وبوتيك باسمي، والربح النص بالنص!”
أمي هزت رأسها بالرضا وقالت وهي بتمص شفايفها: “وأهم حاجة يا ابني تكتب البيت ده باسمك الأول عشان تعرف تقدمه في أوراق الضرائب، طبعًا ما يصحش الفلوس تضيع عشان حتة ورقة! احنا نسجل كل حاجة باسمك، وانت بقى تسجل لينا نصيبنا في الشريكة الجديدة.”
كنت قاعد على الكرسي، ضاغط بقوة على قبضة إيدي لحد ما أظافري غرزت في لحمي وتركت علامات زرقا. الدم كان بيغلي في عروقي. قدامي ستين كانوا بيسلخوا في جثة مراتي أمل وهي حية، ودلوقتي جايين يلحسوا الباقي من قصعة الشقى اللي طفحت فيها الدم في خليج الموت!
“ما تقلقيش يا أمي..” قولت بصوت هادي وميت، خالي من أي نبرة انفعال: “كل حاجة هتترتب.. بس الشركة طالبة شرط واحد غريب، ودا اللي معطل التحويل.”
أمي اتعدلت في قعدتها، الشاي اندلق على جلبابها الحرير بس ما اهتمتش، وعينيها اتسعت برعب الطماعين: “شرط إيه يا ابني؟! هما هيستهبلوا ولا إيه؟!”
“الشركة عاملة التأمين والمكافأة للزوجة أولًا وللعيلة ثانيًا..” كملت بتصنع لئيم وأنا بصلهم بثبات: “يعني الأوراق لازم تنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري من أمل.. إنها بتتنازل عن كل حقوقها المالية والممتلكات ليكم وليا، وتثبت إنها غير كاملة الأهلية بسبب مرضها، عشان التحويل ينزل في حسابي أنا الشخصي باسم العيلة، من غير ما تاخد هي مليم واحد ولا تدخل محاكم وتطالب بالنصيب!”
شيماء صقفت بأيديها بلهفة وقالت بصوت عالي: “بس كده؟! دي أسهل حاجة! القرعة دي أصلًا ما تقدرش تقول لأ.. دي عايشة هنا بلقمتها، ومسحورة بيك يا إبراهيم، خليه يتختم وهي ساكتة، وإلا وربنا أرميها في الشارع بدومها!”
أمي قامت وقفت، ونهدت بقلة صبر: “البت دي جلب للمشاكل من يوم ما دخلت البيت.. بكره الصبح نطلع على الشهر العقاري، ونخليها تبصم وتوقع وهي جزمة في رجلنا.. أهم حاجة الأربعة مليون يا إبراهيم!”
ابتسمت ابتسامة سودا، ابتسامة واحد بيحفر القبر وبيستنى جثث أعدائه. “تمام يا أمي.. بكره الصبح.. اللعبة تنتهي.”
دخلت الأوضة المكتومة على أمل. الأوضة كان ريحتها جير ورطوبة، شباكها صغير ومقفول بسلك مصدي. أمل كانت قاعدة على طرف السرير المكسور، ضامة ركبها لصدرها وبتترعش من الوجع. الشيموثيرابي المضروب أو العجز اللي عاشته كان باين على كل حتة في جسمها.
قعدت جنبها على الأرض، حطيت رأسي على ركبتها. أمل حطت إيدها النحيفة المتشققة على شعري، ودمعة سخنة نزلت من عينها المجهدة على قفايا.
“إبراهيم..” همست بصوت رايح: “ما تتخانقش معاهم عشاني.. أنا خلاص، جسمي ما بقاش يستحمل، أنا حاسة إن أيامي معدودة.. بس كنت عايزة أشوفك قبل ما أموت عشان أقولك إني ما خنتش أمانتك.. أنا صنت بيتك يا إبراهيم.”
الكلمة نزلت على قلبي زي السيخ المحمي. رفعت رأسي ومسكت إيدها، وبستها ونقط دموعي نزلت على الجروح اللي في فروة رأسها.
“حقك هيرجع يا أمل..” قولت بصوت واطي بس يخوف: “ورحمة كل نقطة دم نزلت منك، وكل كدمة في جسمك، وكل قرش سرقوه من عرقنا.. لأخليهم يتمنوا الموت وما يلاقوهوش. بكره الصبح يا أمل.. هتشوفي القصاص بيمشي على رجليه.”
طلعت من جيبي التليفون، وفتحت تسجيل صوتي كنت شغلتُه من ساعة ما دخلت البيت. التسجيل كان فيه كل كلمة أمي وشيماء قالوها.. شتيمتهم، اعترافهم ببيع شعرها، حرمانها من العلاج، ومؤامرة السرقة. وبعدها عملت مكالمة سينمائية.. مكالمة مع المحامي الكبير “الأستاذ فاروق”، ومع أخصائي العلاج الأورام في أكبر مستشفى في القاهرة، ومع ضابط مباحث في مديرية أمن أمن الجيزة كان صاحبي القديم.
التدبير كان محبوك زي الثوب الأسود.




