
الليل كان نازل على شوارع القاهرة زي الستارة السودة، والمطر خفيف بيخبط على قزاز العربية اللي بعتها عم حسين فوراً أول ما نزلت من فيلا الفيومي. ملك كانت نايمة في حضني، حاطة إيدها الصغيرة على صدري بتترعش كل ما تفتكر الصوت العالي، وشفايفها متورمة ودموعها جافة على خدها الناعم.
“يا هانم.. الحكيم مستنينا في المستشفى الخاص بـ ‘حسن بيه’، وكل الأطقم الطبية جاهزة.”
صوت عم حسين كان جاي من الكرسي القدامي، صوت راجل عاصر أبويا من أربعين سنة، وعارف إني لما باخد قرار، مفيش قوة في الأرض بتقف قدامي.
“مش عاوزة دوشة يا عم حسين.. مش عاوزة الصحافة تحس بحاجة دلوقتي. ملك كفاية عليها اللي شافته.”
“أمرك يا فندم.. بس حسن بيه طالع من الاجتماع ومستني حضرتك في السرايا، ووشه ما يتفسرش من ساعة ما جاله التليفون.”
غمضت عيني ودمعة سخنة نزلت من عيني، بس مسحتها في ساعتها. السكسكة والضعف خلاص، دفنتهم تحت الرخام اللي بنتي نزفت عليه. ست سنين أتحمل القرف والقلة والأدب، عشان فاكرة إني بضحي عشان بيت وهادئ، وأتاري كنت بفرش الشوك لبنتي بإيدي.
في نفس الوقت، في فيلا الفيومي بالزمالك، كان الجو يغلي.
طارق واقف قدام المراية الكبيرة في أوضة النوم، بيلبس البطلة التوكسيدو التفصيل اللي جايبها من لندن، وبيعدل القماشة بعنجهية. أمه الحجة سميرة كانت قاعدة على حرف السرير، ماسكة كيس ثلج حطاه على خدها اللي بقى أحمر ومورم، وعينيها بتاكل الأرض من الغل.
“أنا بقولك يا طارق البت دي مش مظبوطة! البصيرة اللي كانت في عينيها النهارده مش بصيرة واحدة شحاتة خايفة تترص في الشارع! دي دخلت في عيني وقالت اسم ‘المنشاوي’ بقلب ميت!”
طارق لف لها وهو بيضحك بتهكم، وبيرش من أثمن أزازه برفان عنده:
“يا أمه كفاية هبل بقى! المنشاوي إيه وزفت إيه؟ أنتِ نسيتي هي جت منين؟ دي كانت شغالّة في ملجأ أيتام لما أبوها وأمها ماتوا وما حلتهاش اللقمة! تلاقيها سمعت الاسم في التلفزيون أو قرته في الجرائد وجات تثبتنا بيه عشان تمشي بقرشين! إنتِ نسيتي إنها كانت بتبوس إيدك عشان أزودلها المصروف ألف جنيه؟”
رانيا دخلت الأوضة وهي لابسة فستان سواريه ضيق جداً ولونه دهبي يفقع العين، ومغطية وشها ببدل مكياج تقيل، وعلى وشها ابتسامة نصر:
“طارق معاه حق يا طنط.. دي مجرد حيلة رخيصة عشان تصعب عليكم وتخليكم ترجعوها. بس على مين؟ الحفلة بتاعة النهاردة دي هي فرصتنا.. لو قدرنا نتفق مع المندوب بتاع ‘مؤسسة المنشاوي’ على أرض السادس من أكتوبر، الشركة هتعدي الأزمة المالية، ونبقى رمينا إيمان وبنتها في الزبالة رسمي.”
سميرة هزت رأسها بالرفض، بس الخوف كان بياكل في قلبها:
“ربنا يستر.. قلبي حاسس إن الحفلة دي مش معدية على خير. والبت ملك اللي كانت هتسندنا قدام الكاميرات أهي مشيت!”
طارق كشر وضرب على الترابيزة بضيق:
“مش مهم البت! المخرج قاللي هيصورنا وأنا ورانيا داخلين، وهنقول إن إيمان تعبانة وبنتي مع داية، والإعلام بيصدق أي حاجة! يلا بينا عشان ما نتأخرش على الأكابر.”
العربية الرولز رويس السودة وقفت قدام بوابة سرايا “حسن المنشاوي” في القطامية. البوابة الحديدية الضخمة اتفتحت ببطء زي أبواب القلاع القديمة.
أول ما نزلنا، الحراس وقفوا انتباه، والخدم اتصفت على الجانبين. أبويا، الراجل اللي هز سوق العقارات في الشرق الأوسط، كان واقف على رأس السلم، شعره الأبيض وهيبته يتعدوا بقوانين، بس عينيه كانت مليانة دموع لما شافني شايلا ملك.
“إيمان…”
صوته طلع مخنوق، نزل السلم بسرعة ما تتناسبش مع سنه، ومد إيديه خد ملك مني بالراحة، كأنه شايل جوهرة مكسورة.
“مين عمل كده في حفيدتي؟” صوته كان هادي.. والهدوء ده عند حسن المنشاوي معناه إن فيه أرواح هتتقطع.
“طارق.. وأمه.. وعشيقته يا بابا.”
أبويا بص لملك اللي كانت نايمة على كتفه، وطبطب على ظهرها بشويش، وبعدين بصلي بعينين زي الصلب:
“ست سنين يا إيمان؟ ست سنين سايبانا ومستحملة الأشكال دي عشان جرح قديم؟ عشان قادرة تثبتي لنفسك إنك تقدري تعيشي من غير فلوس أبوكي؟”
“كنت غبية يا بابا.. فاكرة إن الجواز ستر ومودة، طلع سجن وإهانة. بس خلاص.. العهد اتكسر، والحظاظة اترمت تحت رجليهم.”




