
صوت السرينة كان بيلف الداير كله، والأضواء الحمرا والزرقا بتاعت عربيات البوليس غطت على نور الكشافات القاطعة في الصوان. الناس في الشارع اتطربقت، صراخ الحريم شق السكوت، والمقريء ساب الميكروفون والمايك عمل صفارة وجيعة طيرت حمام الدواير اللي مستخبي فوق الأسطح.
شريف كان واقف وزي ما يكون اتكهرب. عينيه كانت بتتنقل بيني وبين الجثة، وبين عساكر المباحث اللي نازلين من العربيات زي السيل. وشه اللي كان من شوية راسم عليه دور الزوج المكسور، اتقلب لوش مسخ.. وش واحد اتمسك متلبس والجريمة بتصرخ من تحت إيديه.
المقدم هشام نزل من عربية البوليس بثبات، بدلته الميري وكاب المباحث ومظهره الجاد يرعبوا. وراه أربعة مخبرين بطول وعرض الباب.
— “حد يفضل مكانه! محدش يتحرك خطوة واحدة!” بصوت المقدم هشام اللي رن في الشارع، الناس كلها اتسمرت في أرضها.
قرب مني بخطوات سريعة، عينيه جت على رقبة مريم المفضوحة تحت النور. العلامات الزرقا والغامقة كانت واضحة زي الشمس، صوابع غرزت في الرقبة لحد ما خنقت الأنفاس الأخيره.
— “إيه ده يا تيسير هانم؟” هشام بيه سأل وهو بينزل على ركبة واحدة قبال النعش، وشاور للمخبر اللي معاه يصور الجثة بالفون فوراً.
— “دي بصمات إيديه يا هشام بيه.. بنتي ماماتتش سكتة قلبية، بنتي اتخنقت!” صرخت بصوت طلع من أعمق نقطة في قلبي، صوت أم بتتنهد دم.
شريف حاول يرجع لورا، يدخل وسط زحمة قرايبه اللي كانوا واقفين مصدومين، بس في ثواني كان أربعة من رجال المباحث حصروا الداير حواليه.
— “والله العظيم كدابين! دي ست خرفانة ومصدومة من موت بنتها!” شريف كان بيصرخ وصوته بيتعبى بالخوف، “الدكتور كشف عليها في البيت وقال سكتة قلبية! التصريح معايا! تصريح الدفن رسمي!”
المقدم هشام بصل له بنظرة احتقار، وقرب منه ومسك التصريح من إيده ورماه للمخبر اللي جنبه: “التصريح ده يتحفظ.. وتتحفظ أنت كمان يا شريف. النيابة هي اللي هتقول مين الخرفان ومين القاتل. هاتوه!”
في اللحظة دي، الكلبشات اتقفلت على إيدين شريف بصوت تكّة مسموعة للكل. الناس اللي كانت من شوية بتبوسه وبتعزيه، بقت تبص له بقرف وذهول. بس قبل ما ياخدوه على عربية البوليس، بصلي وبص لفريدة.. نظرة غل وتوعد كفيلة تحرق بلد.
— “مش هسيبكم.. والله ما هسيبكم يا تيسير!” قالها وهو بيتسحب بالكتف والرقبة لعربية البوليس.
الجثة اتنقلت للمشرحة بقرار عاجل من النيابة لمعاينة الطب الشرعي. وفي نفس الليلة، كنت قاعدة في مكتب المقدم هشام في قاسم الشرطة، ماسكة كباية شاي بتترعش في إيدي، وفريدة نايمة على الكنبة الجلد القاتمة اللي في ركن المكتب، مكلبشة في عروسة قماش صغيرة ومغمضة عينيها.. بس شفايفها كانت لسة بتتحرك بوشوشة مش مفهومة.
— “تيسير هانم..” المقدم هشام قعد قدامي على المكتب وشرب بق مية، “تقرير الطب الشرعي المبدئي جالي من نص ساعة. مريم الله يرحمها اتخنقت يدويًا.. الخانق استخدم إيديه الاتنين وقوة ضغط عالية كسرت العظم اللامي في الرقبة. وتاريخ الوفاة يرجع لقبل الإبلاغ بساعات طويلة.”
غمضت عيني والدموع نزلت حامية: “يعني قعد جنب جثتها ساعات ينظم مسرحيته؟”
— “بالظبط.. والأنكح من كدة، إن الدكتور اللي كتب تقرير الوفاة المبدئي في البيت، ات قبض عليه حالاً واعترف إن شريف إدا له خمسين ألف جنيه عشان يكتب ‘سكتة قلبية’ ويعدي الموضوع من غير autopsie أو تشريح.”
— “المجرم..” زمجرت من بين أسناني، “طب ليه؟ ليه يعمل في بنتي كدة؟ مريم كانت بتصرف عليه، كانت شايالة البيت كله!”
— “ده اللي بنحاول نعرفه.. بس في حاجة غريبة يا تيسير هانم.” هشام بيه مال عليا بصوت واطي وهو بيبص لفريدة النايمة، “فريدة.. البنت دي عرفت منين إن في علامات تحت الرقبة؟ التقرير بيقول إن الياقة كانت متثبتة بدبابيس خياطة مخفية ومغفلة بميكياج سينمائي ثقيل لدرجة إن المعاين العادي مايلاحظهاش إلا لو شد القماش بالقوة دي.”
بلعت ريقي وبصيت لحفيدتي. قلبي اتقبض.
— “فريدة طول عمرها.. مش طبيعية يا هشام. بس أنا طول عمري بضحك على نفسي وأقول خيال أطفال.”
— “النيابة طلبت عرض شريف بكره الصبح للمواجهة، وأنتي ولازم تحضري ومعاكي البنت لو الدكتورة النفسية التابعة للنيابة سمحت بكدة.”
رجعت البيت الساعة 4 الفجر. البيت كان ضلمة وتقيل. ريحة مريم كانت لسة في الشقة.. ريحة برفانها اللافندر، طرحتها المرمية على الكنبة. فريدة دخلت أوضتها ونامت على السرير فوراً من التعب، بس أنا مقدرتش أغمد عين.
قعدت في الصالة، وسحبت شنطة مريم الخاصة اللي جبتها من بيت زوجها لما المباحث قفلت الشقة بالشمع الأحمر. فتحت الشنطة وأنا بدور على أي خيط.. أجندة، فواتير، أي حاجة توضح سبب الخلاف اللي يوصل للقتل.
وفجأة لقيت كارت ميموري صغير ملفوف في بلاستر ومستخبي في بطانة الشنطة الداخلية من جوة.
قلبي دق بسرعة. أخدت الكارت وحطيته في تليفوني.
فتحت مقاطع الفيديو.. وكان في تسجيل صوتي واحد مدته 10 دقائق. شغلت الصوت..
صوت مريم بنتي طلع يرن في الأوضة، بس ماكانش صوتها العادي.. كان صوتها مرعوب وبتبكي:
— “أنت مجنون يا شريف! أنت فاكر إنك لو عملت كدة محدش هيعرف؟ الفلوس دي مش بتاعتك! دي أمانة الناس في الشركة!”
صوت شريف جه رد بعنف وصوت خبط طربيزة: “اسكتي خالص! الورق ده لو وصل للنيابة أنا هروح في داهية! والورق ده أنتي اللي هتمضيه بإيدك إنك المستلمة الوحيدة للسيولة!”
— “مش همضي يا شريف! مش هغش أبويا وأمي ومش هسيبك تلبسني قضية اختلاس بملايين! أنا هبلغ البوليس بكره الصبح!”
صوت نفَس عالي.. كركبة.. صوت حاجة بتتكسر.. وبعدها صوت مريم وهي بتشهق خنقة مرعبة: “شريف.. لأ.. فريدة.. فريدة لا تـ…”
الصوت اتقطع.
كنت بقوم من على الكرسي وأنا بصصرخ والدموع مغمية عينيا، لما سمعت حركة ورايا في الصالة.
لفيت بسرعة.
فريدة كانت واقفة في الضلمة عند باب الأوضة. حافية، عينيها مفتوحة على الآخر بس مش باصة ليا.. باصة في الهواء اللي جنبي.
— “فريدة؟” قلت بصوت بيترعش، “أنتي صحيتي يا حبيبتي؟”




