روايات وقص

د شوارع القاهره

“حسين..”

“أمرك يا حسن بيه!”

“الحفلة بتاعة المؤسسة تبدأ في ميعادها.. كل رجال الأعمال، الصحافة، والوزراء يكونوا موجودين. وعيلة الفيومي بالذات.. أضمن لي إنهم يدخلوا القاعة الرئيسية وما يخرجوش منها إلا بإذني.”

“تم يا فندم.. القروض أتقفلت، والأوراق بقيت على مكتب النيابة العامة، والشركات التابعة ليهم الأسهم بتاعتها نزلت للضيضاض في البورصة من ربع ساعة بس.”

أبويا بصلي وقال بصوت حاسم:

“ادخلي غيري هدومك يا بنت المنشاوي.. الليلة دي، الناس كلها هتعرف مين هي إيمان المنشاوي، ومين اللي يتداس تحت جزمتها.”

الساعة كانت تسعة بالليل.

فندق الفورسيزونز كان مشتعل بالأضواء، الكاميرات بتلمع في كل مكان، والسجاد الأحمر مفروش من البوابة لحد القاعة الملكية. أرقى عائلات مصر، رجال الأعمال، وزراء، وسفراء.. كلهم متجمعين في الحفلة السنوية لـ “مؤسسة المنشاوي للتنمية”.

طارق الفيومي دخل القاعة وهو رافع رأسه، ماشية جنب منه رانيا اللي كانت بتتلوى بفستانها ودهبها، ومن وراهم سميرة وهي بتحاول تداري الخد المورم بوشاح حرير.

“شايف يا طارق؟” رانيا وشوشته وهي بتبص على النجف الكريستال والشخصيات الهامة: “هنا مكاننا الحقيقي.. مش مع المعفنة اللي كانت عندك.”

طارق ابتسم بانتصار:

“اصبري بس لما أقابل المدير التنفيذي للمجموعة، الصفقة دي هتخليني أشتري نص الزمالك.”

في اللحظة دي، جرس صغير رن في القاعة، والأضواء المباشرة اتسلطت على المسرح الكبير. المذيع الداخلي اتكلم وصوته كان يرن في كل زاوية:

“سيداتي سادتي.. أهلاً بكم في الحفل السنوي لمؤسسة المنشاوي. نتشرف الآن بدعوة رئيس مجلس الإدارة، رجل الأعمال السيد حسن المنشاوي.. ووريثته الوحيدة، ونائبة رئيس المجموعة.. الأستاذة إيمان المنشاوي!”

الموسيقى التصويرية الملكية اشتغلت، والستارة الحرير اتفتحت ببطء.

طارق كان واقف ماسك كاس في إيده، الضحكة كانت على وشها.. بس الكاس وقع من إيده فاتكسر على السجادة مليون حتة.

أمه سميرة شهقت شهقة طيرت العقل، ورانيا وقفت مكانها كأنها اتجمدت!

على المسرح.. كانت واقفة إيمان!

ما كانتش إيمان بتاعة الصبح.. ما كانتش الست المكسورة اللي لابسة عباية بيتي دبلانة وشعرها مربوط بالمطبخ.

كانت واقفة زي الملكة! لابسة فستان أسود من أحدث صيحات الهوت كوتور في باريس، مرصع بماس حر نقي يلمع تحت الأضواء. شعرها الأسود نازل على ظهرها زي الحريرة، وفي إيدها ساعة مرصعة بالزمرد قيمتها تبني عمارات. وفي عينيها.. نظرة كبرياء وشموخ تخلي أي راجل يركع قدامها!

“إيـ… إيمان؟!” طارق طلع الصوت منه بالعافية، وشه بقى أصفر زي الليمونة المطبوشة.

سميرة مسكت في دراع ابنها وهي بتترعش زي الفراخ المبلولة:

“طارق.. الحقني يا طارق.. دي.. دي هي! إيمان هي بنت المنشاوي?!”

رانيا كانت بتبص بذهول ورعب:

“أنت مجنون؟ دي صدفة! أكيد دي واحدة شبهها! إيمان شحاتة يا طارق!”

إيمان مسكت الميكروفون الدهبي، وبصت للقاعة كلها. عينيه جابت طارق ورانيا وسميرة اللي كانوا واقفين في نص القاعة زي الأتوبيس العطلان.

“مساء الخير على حضراتكم جميعاً..” صوتها كان ناعم، بس قوي وواضح بيخترق القاعة:

“اليوم.. مش بس احتفال بالخير اللي بنقدمه.. اليوم هو إعادة ترتيب للأوراق. فيه ناس كتير في السوق فاكرين إن الطيبة ضعف.. وإن السكوت معناه العجز.”

الجمهور كان بيسمع بنهم، والتليفزيونات بتبث البث المباشر لكل بيوت مصر.

كملت إيمان وهي بتبتسم ابتسامة ساحرة بس مسمومة:

“على مدار ست سنين.. اختارت أعيش تجربة صعبة. أعيش بين ناس.. فاكرين إن الفلوس بتسوى البشر، ناس بيضربوا الأطفال الصغار عشان نقطة عصير جت على فستان رخيص.. ناس بيقفوا يتفرجوا وبنتهم بتنزف عشان يرضوا نزواتهم!”

الهمس بدأ يعلى في القاعة. رجال الأعمال بدأوا يبصوا لبعض.

طارق حس إن الأرض بتميد بيه، العرق كان نازل من جبهته زي المطر، بيحاول يتحرك ناحية الباب، بس وجد أربعة من حراس السرايا الضخام واقفين وراه قافلين عليه السكة.

إيمان شاورت بإيدها على الشاشة الكبيرة اللي وراها على المسرح:

“وعشان مؤسسة المنشاوي مبنية على الشرف والنزاهة.. نحب نعلن قدامكم جميعاً.. إلغاء كافة العقود والشركات اللي بتجمعنا بـ ‘مؤسسة الفيومي جروب’.. وإشهار إفلاسها رسمياً بدءاً من هذه اللحظة!”

على الشاشة الضخمة.. اتعرضت وثائق رسمية! أوراق سحب القروض من جميع البنوك، وبلاغات للنيابة العامة بتهم التهرب الضريبي وغسيل الأموال، وفيديوهات تسجيلية لكاميرات المراقبة بتاعة الفيلا.. ظهرت فيها رانيا وهي بتضرب بنتها ملك على وشها، وطارق واقف يتفرج، وسميرة بتضحك!

القاعة كلها اتكهربت!

أصوات الشهقات والهمهمات زادت. الصحفيين وبصات الكاميرات أتحولت فوراً من المسرح وضربت في وش طارق ورانيا وسميرة!

الفلاشات كانت بتضرب في وشهم زي الرصاص!

“يا فندم! هل الكلام ده صحيح؟”

“استاذ طارق! إزاي تضربوا طفلة بريئة؟”

“هل ده حقيقي إنك بعت مرتك وابنتك عشان عشيقتك؟”

الصحفيين هجموا عليهم بالميكروفونات، ورانيا بدأت تصرخ وتغطي وشها من الكاميرات وهي بتزق الناس:

“إوعوا كده! مالكوش دعوة بيا! طارق هو اللي قاللي! طارق هو اللي كان عاوز يخلص منها!”

طارق مسك رانيا من شعرها في نص القاعة وصرخ فيها:

“أنتِ السبب يا فاجرة! أنتِ اللي دمرتيني ودمرتي عيلتي!”

سميرة وقعت على الأرض في نص السجاد الأحمر وهي بتصرخ وتولول:

“يا فضيحتنا وسط الهوانم! يا خراب بيتك يا طارق! يا لهوي يا ناس!”

القاعة تحولت لمسرحية درامية حقيرة، والكل بيتفرج عليهم بقرف واشمئزاز.

إيمان نزلت من على المسرح ببطء، والدها حسن المنشاوي كان ماشي جنبها، والحراس فتحولهم طريق وسط الناس. وقفت إيمان قدام طارق اللي كان راكع على الأرض بين حطام كاسه والميكروفونات بتاعة الصحافة.

طارق رفع وشه ليها، دموعه نازلة مغرقة التوكسيدو، مسك في حرف فستانها بقلة حيلة:

“إيمان.. إيمان سامحيني! أنا اتخدعت! رانيا هي اللي وزتني! أنا بحبك وبحب ملك! ارجعي معايا ونبدأ من جديد.. أنا جوزك وأبو بنتك!”

إيمان بصلته بمنتهى البرود، ومدت رجلها اللي لابسة فيها جزمة كعب عالي حمراء فاخرة، وبط طرف جزمتها زقت إيده بعيد عن فستانها.

“أنت مش جوزي.. أنت كنت الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتي، والنهارده مسحتها.”

قربت منه ووشوشته بصوت واطي جداً عشان هو بس اللي يسمع:

“فاكر لما قلتلي الصبح أمضي على ورقة التنازل؟”

طارق هز رأسه وهو بيترعش.

“الورقة اللي أنا أمضيت عليها.. ما كانتش ورقة تنازل.. دي كانت أمر استدعاء من النيابة العامة بتهمة النصب والتزوير في أوراق الشركة.. والشرطة واقفة برة الفندق مستنياك.”

في اللحظة دي.. الباب الرئيسي للقاعة اتفتح، ودخل منه ضابط شرطة معاه قوة كبيرة، واتقدموا بخطوات ثابته ناحية طارق ورانيا.

“أستاذ طارق الفيومي؟ والآنسة رانيا؟ مطلوب القبض عليكم فوراً بناءً على أمر النائب العام.”

الكلابشات الحديدية لمعت تحت النجف الكريستال، واتحطت في إيد طارق وإيد رانيا اللي كانت بتصرخ وتلوي جثتها زي الحية المكسورة.

طارق اتسحب قدام كل رجال الأعمال، الصحافة، والشخصيات المرموقة.. شرفه، فلوسه، اسمه، ومستقبله اتسحقوا تحت جزمة إيمان في ليلة واحدة.

بعد ساعة..

الهدوء رجع للجناح الملكي في الفندق.

إيمان كانت واقفة قدام الشباك الكبير المطل على نيل القاهرة الساحر. النيل كان بيلمع تحت أضواء المدينة، والنسيم البارد بيخبط في وشها.

ملك كانت نايمة على السرير الضخم، وجنبها عروسة جديدة جابها لها جدها، وشكلها كان هادي ومطمن لأول مرة من سنين.

أبويا دخل الأوضة، وحط إيده على كتفي:

“كل حاجة انتهت يا إيمان.. طارق ورانيا في التخشيبة، وأمه اتنقلت المستشفى بعد ما جيلها شلل نصفي من الصدمة.. أسهمهم انهارت، والبيت والفيلا هيتباعوا في المزاد العلني بكرة الصبح لسداد الديون.”

تنفسيت بعمق.. نفس طويل ونظيف، كأن الصدر كان مقفول بحديد واتفتح.

“الحمد لله يا بابا.. حق بنتي رجع.”

“بس يا إيمان..” صوته غير نبرته فجأة، وبقى فيه حيرة.

فتحت عيني وبصلت له: “فيه إيه يا بابا؟”

أبويا طلع ملف أسود صغير من جيب جاكيته، وحطه على الترابيزة قدامي:

“عمت حسين وهو بيراجع الحسابات القديمة لشركة الفيومي.. وجد حاجة غريبة جداً. حاجة طارق نفسه ما كانش يعرفها.”

حواحبي اتعقدت: “حاجة إيه؟”

أبويا فتح الملف:

“طارق ما كانش بيخونك مع رانيا عشان عاجباه بس.. رانيا كانت مبعوثة من شخص ثاني. شخص كبير أوي في السوق.. شخص كان بيستخدم طارق عشان يوصل لسر من أسرار عائلة المنشاوي القديمة.. السر اللي أمك الله يرحمها ماتت بسببه!”

قلبي ضرب ضربة قوية كادت تخرم صدري!

“سر إيه يا بابا؟! وأمي ماتت بسببه إزاي؟!”

أبويا بص في عيني وهو بيترعش، وقال كلمتين نزلوا عليا زي الصاعقة:

“السر اللي مستخبى في الحظاظة الحمراء اللي إنتِ قطعتيها بسنانك النهاردة الصبح في فيلا الفيومي.. الحظاظة دي كان فيها الميموري كارد الاصلي لصفقة القرن.. والشخص ده.. خد الخيط ونزل يجيبه من على الرخام قبل ما تخرجي!”

إيمان وقفت مكانها مش قادرة تتنفس.. افتكرت النقطة السودة اللي كانت في الحظاظة والتي افتكرتها مجرد خيط عقدة.. وافتكرت رانيا لما وطت على الأرض بعد ما طارق ضربها!

الهاتف المشفر في إيد إيمان رن فجأة..

رقم مجهول.

فتحت الخط ووحطت التليفون على أذنها وهي بتترعش.

صوت رجالي غريب، عميق ومخيف، ضحك ضحكة هادية على الطرف الثاني وقال:

“شكراً يا إيمان هانم المنشاوي.. أدبتي طارق، وخدمتيني وفرتي عليا وقت كبير.. الميموري كارد أهو في إيدي.. واللعبة الحقيقية.. لسة بتبدأ دلوقتي!”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى