روايات وقص

م حكايه مهران وحوريه

حوريّة ومهران.. جوازة بدأت بالظلم وانتهت بكشف الحقيقة

لم تكن حوريّة تتخيل أن ليلة زفافها ستكون بهذه القسوة. فقد وجدت نفسها مضطرة للزواج من ابن عمها مهران بعدما انتشرت عنها شائعة ظالمة، وقررت عائلتها أن تكون الزيجة وسيلة لإسكات كلام أهل القرية.

لكن حوريّة كانت متمسكة بحقيقتها، ورفضت أن تعتبر نفسها مذنبة لمجرد أن الآخرين صدقوا كلامًا لم يحدث.

وفي ليلة الزواج، قالت لأمها بحزن:

“افتكري اللحظة دي كويس يا أمي… عشان لما تيجي الحقيقة، تعرفي إن بنتك كانت بريئة.”

خرجت حوريّة من غرفتها وقلبها مثقل بالخوف، بينما كان الفرح في الأسفل مستمرًا وكأن شيئًا لم يحدث.

بعد انتهاء مراسم الزواج، دخلت حوريّة غرفتها وهي لا تعرف ماذا ينتظرها. كانت تتعامل مع مهران بحذر، فهو أيضًا لم يكن طرفًا في الظلم الذي له، لكنه قبل بالزواج وسط ضغوط العائلة وكلام الناس.

وفي إحدى الليالي، خرجت حوريّة من الحمام بعدما نسيت ملابسها بالداخل، لتجد مهران مستيقظًا على الأريكة.

ارتبكت بشدة، لكنه أدرك خجلها وأدار وجهه فورًا، وقال بهدوء:

“خدي راحتك… أنا مش باصص.”

كانت جملة بسيطة، لكنها تركت أثرًا كبيرًا داخلها.

وبعد أن ارتدت ملابسها، اعتذرت له، فأجابها:

“إنتِ ما عملتيش حاجة غلط يا حوريّة.”

توقفت للحظة، وشعرت لأول مرة أن هناك شخصًا داخل هذا البيت لا يحكم عليها بسبب كلام الآخرين.

مرت الأيام، وبدأت علاقتها بمهران تتغير تدريجيًا.

اكتشفت أنه لم يكن يريد السيطرة عليها أو إذلالها كما كانت تخشى، بل كان يحترمها ويترك لها مساحتها. ومع مرور الوقت، بدأ هو الآخر يرى شخصيتها بعيدًا عن الشائعات التي أحاطت بها.

عرف أنها قوية رغم خوفها، وصادقة رغم الظلم الذي تعرضت له، وأنها لم تكن بحاجة إلى من “يستر عليها”، بل إلى من يصدقها ويحترمها.

وفي أحد الأيام، جلس مهران بجوارها، وظل صامتًا للحظات قبل أن يقول:

“حوريّة… أنا بحبك.”

نظرت إليه بدهشة، فلم يكن هذا الاعتراف في حساباتها.

أكمل مهران:

“بحبك بجد، ومفيش يوم عدى من غير ما أفكر فيك. وكل يوم بيعدي بتأكد إنك أحسن إنسانة ممكن تكون في حياتي.”

لم تستطع حوريّة منع دموعها، لكنها كانت هذه المرة دموع راحة، وليست دموع خوف.

قالت بصوت متردد:

“مهران… أنا كمان بحبك. وكل يوم بتأكد إنك راجل محترم، وإنك ما صدقتش الكلام اللي اتقال عليا.”

أمسك مهران يدها وقال:

“الحب مش مجرد كلام. أنا عايزك تعرفي إنك من النهارده مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك بريئة. اللي ظلمك هو اللي لازم يثبت كلامه.”

كانت تلك الكلمات بداية جديدة لحوريّة.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ إلا بعد أيام.

وصل إلى البيت رجل غريب وسأل عن والد حوريّة، ثم أخرج هاتفه وقال:

“أنا كنت موجود يوم اللي حصل، وعندي حاجة ممكن تنهي كل الكلام اللي اتقال عن بنتك.”

ساد الصمت.

تجمع أفراد العائلة حوله، بينما شعرت حوريّة أن قلبها يخبرها بأن الحقيقة اقتربت أخيرًا.

فتح الرجل تسجيلًا قديمًا، وبدأت الأصوات تتضح أمام الجميع.

لم يكن التسجيل يثبت فقط براءة حوريّة، بل كشف أن الشخص الذي نشر الشائعة كان قريبًا من العائلة، وأنه تعمد تشويه سمعتها بسبب خلاف قديم.

ساد الذهول المكان.

والدة حوريّة وضعت يدها على فمها، بينما لم تستطع مرات عمها النظر في وجهها.

أما والدها، فظل صامتًا للحظات، ثم اقترب من ابنته وقال:

“سامحيني يا بنتي… إحنا ظلمناكي لما صدقنا كلام الناس.”

نظرت حوريّة إلى أمها، وتذكرت الليلة التي خرجت فيها من .

ثم قالت بهدوء:

“أنا مش عايزة اعتذار قد ما كنت عايزة حد يصدقني من الأول.”

مهران وقف بجانبها وقال أمام الجميع:

“وأنا مصدقتهاش بس… أنا عرفت قيمتها، والحمد لله إني بقيت زوجها.”

ابتسمت حوريّة وسط دموعها.

فقد بدأت حكايتها بزواج فرضته الشائعة والخوف، لكنها انتهت باكتشاف أن الإنسان الذي ظنته جزءًا من محنتها أصبح الشخص الذي وقف بجانبها عندما ظهرت الحقيقة.

ومن يومها، لم تعد حوريّة تهتم بما يقوله الناس.

فقد تعلمت أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع.

وأن الزواج الحقيقي لا يقوم على كلام الآخرين، بل على الثقة والاحترام والأمان.

أما مهران، فلم يعد بالنسبة لها مجرد ابن عم تزوجته تحت ضغط الظروف، بل أصبح شريك حياتها الذي اختار أن يعرفها بنفسه، لا من خلال الحكايات التي رواها الآخرون عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى