
الدكاترة علقوا لنور محاليل وغسلوا معدتها، وأنا كنت قاعد على الكرسي الخشب اللي جنب سريرها في المستشفى، حاطط راسي بين إيديا، دموعي بتنزل في صمت وبتحرق وشي. كل شهقة طالعة من بنتي وهي نايمة كانت بتدبحني. ازاي كنت أعمى للدرجة دي؟ ازاي سافرت إسكندرية وسبت حتة من قلبي مع ديب في شقة واحدة؟
على الساعة أربعة الفجر، الباب خبط ودخل طارق، المسعف اللي أنقذ بنتي، ومعاه أمين شرطة وراجل تالت لابس بدلة، ملامحه جادة وعينه حادة. الراجل ده قرب مني ومد إيده: “المقدم أحمد رأفت، رئيس مباحث القسم. أستاذ شريف، إحنا فتحنا محضر رسمي بالواقعة بناءً على تقرير المستشفى وكلام المسعف طارق.”
قمت وقفت، جسمي كله بيترعش من التعب والقهر: “يا فندم، الست دي مش منة نصار.. دي شيماء رضوان، دي كانت هتموت طفل قبل كده في طنطا وهربت!”
المقدم أحمد بصلي بنظرة فيها أسى، وطلع نوتة صغيرة من جيبه: “أنا كلمت زمايلي في مديرية أمن الغربية، وفعلاً كلام طارق صح. شيماء رضوان صادر ضدها حكم غيابي بالسجن المشدد عشر سنين في قضية الشروع في قتل الطفل ‘عمر’، ابن طليقها السابق. بس القضية هناك اتقفلت بعد ما الأب غير أقواله فجأة وباع حق ابنه، وهي اختفت تماماً من أربع سنين. المشكلة دلوقتي يا أستاذ شريف.. إننا لما بعتنا القوة على شقتك في مصر الجديدة عشان نقبض عليها.. ملقيناهاش.”
حسيت بركب لفت ومقدرتش أقف: “يعني إيه ملقيتوهاش؟ هربت؟”
المقدم أحمد هز راسه: “البواب قال إنها نزلت بعد ما عربية الإسعاف مشيت بربع ساعة، كانت شايلة شنطة هدوم صغيرة وركبت عربية تاكسي ومشت. بس متقلقش، إحنا عممنا اسمها وصورتها الحقيقية على كل الأكمنة والمطارات. لكن الغريب في الموضوع.. إننا فتشنا الشقة.”
سكت المقدم أحمد لحظة، وبص لطارق اللي كان واقف وشه جايب ألوان، وبعدين كمل: “لقينا في أوضة النوم بتاعتكم، تحت السرير، صندوق حديد صغير مقفول بقفل. لما فتحناه، ملقيناش فيه دهب ولا فلوس.. لقينا فيه شهادات ميلاد وصور لثلاث أطفال تانيين، غير بنتك وغير طفل طنطا. أطفال من محافظات مختلفة، وكل طفل معاه تذكرة دخول مستشفى باسم مختلف لشيماء! الست دي مش مجرد ست سيكوباتية بتكره الأطفال يا شريف.. الست دي وراها شبكة أو لغز كبير إحنا لسه مش فاهمينه. الأطفال دول راحوا فين؟ وأبو كل طفل كان بيتنازل عن القضية ليه؟”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. أنا مكنتش متجوز واحدة مجرمة عادية، أنا كنت عايش مع لغز متحرك، شيطانة بتدخل البيوت اللي فيها أطفال مامتهم ميتة، تفرغ غلها فيهم، وبعدين تختفي!
مرت الأيام ونور بدأت تتحسن جسدياً، بس نفسياً كانت مدمرة. كانت بتصحى من النوم تصرخ وتقول: “الست الكبيرة هتحطلي المية المرّة في بقري يا بابا! متسبنيش!” كنت باخدها في حضني وأبكي، وأقولها إن طنط منة مش هترجع تاني أبدًا. نقلت نور عند أختي في التجمع، شقة مأمنة وفيها حراسة، وسبت شغلي وكل حياتي وبقيت عايش بس مع المقدم أحمد في القسم، بنحاول نتتبع أي خيط يوصلنا لشيماء.
بعد أسبوعين، التليفون رن. كان المقدم أحمد: “شريف.. تعالى فوراً على المديرية. قبضنا على سواق التاكسي اللي وصلها ليلة الحادثة، وعرفنا هي نزلت فين.”
طيرت بالعربية على هناك. دخلت مكتب المقدم أحمد، لقيت راجل أربعيني غلبان قاعد بيترعش وبيشرب سيجارة. أحمد بيه بصلي وقال: “السواق اعترف إنه نزلها قدام فيلا قديمة ومهجورة في أطراف منطقة شبرا الخيمة. الفيلا دي ملك لواحد اسمه ‘الحاج عبد الستار’، وده راجل أعمال عجوز ومقعد، وعايش لوحده مع ابنه الصغير اللي عنده سبع سنين بعد ما مراته ماتت من سنة!”




