
المقدم أحمد قال بحسم: “إحنا طالعين بقوة حالا عشان نداهم الفيلا ونقبض عليها بتهمة انتحال صفة والهروب من أحكام، وطبعاً محاولة قتل بنتك. أنت هتيجي معايا بس هتفضل في العربية برة.. مش عايز شوشرة تبوظ الكمين.”
وصلنا شبرا الخيمة على الساعة واحدة بالليل. المنطقة كانت مقطوعة والفيلا كانت شبه ضلمة، حواليها شجر دبلان وسور عالي مهدد بالوقوع. القوة نزلت في صمت، وأنا قعدت في العربية، قلبي بيدق زي طبول الحرب. كنت شايف العساكر وهم بيلفوا حوالين السور، والمقدم أحمد بيقرب من الباب الخصي للفيلا.
فجأة، سمعت صوت صرخة مكتومة جاية من جوة الفيلا. صرخة طفل!
المقدم أحمد مأستناش، وداهموا الباب فوراً بضربة رجل قوية ودخلوا والأسلحة مشدودة. أنا مقدرتش أمسك نفسي، نزلت من العربية وجريت وراهم وعيوني مش شايفة غير دم بنتي ونور اللي انطفت في عينها.
دخلت الصالة الكبيرة.. كانت واسعة ومتربة، وفيها نجفة قديمة منورة بنور ضعيف بيتهز. لقيت راجل عجوز على كرسي متحرك، وشه شاحب وعيونه مليانة رعب، وهو الحاج عبد الستار. وعلى الأرض.. كان فيه طفل صغير وشه أزرق، وبيتشنج بنفس الطريقة اللي لقيت بيها نور!
ومنة.. أو شيماء.. كانت واقفة في زاوية الأوضة، ماسكة سرنجة في إيدها، ووشها خالي من أي تعبير بشرى. لما شافت الظباط وشافتني، ملامحها متقرتش، مفيش خوف، مفيش توتر.
المقدم أحمد زعق: “ارمي السرنجة دي وارفعي إيدك لفوق! أنتي مقبوض عليكي يا شيماء رضوان!”
شيماء بصت للسرنجة وبعدين بصتلي وضحكت.. ضحكة رفعت شعر جاف مفيش فيها أي أدمية: “شيماء؟ منة؟ فريدة؟ مش مهم الاسم يا شريف.. المهم إنكم جيتوا متأخرين.”
الدكتور المسعف اللي كان مع القوة جري على الولد الصغير وبدأ يعمل له إسعافات أولية عشان يلحقه. في الوقت ده، العساكر قربوا من شيماء وكلبشوا إيدها. وأنا بقرب منها وعيني بتطق شرار، كنت عايز أهجم عليها وأخلص حقي وحق بنتي بإيدي، بس المقدم أحمد مسكني: “اهدأ يا شريف، القانون هيجيب حقك.”
وقفت قدامها بالكلابشات، وبصيت في عينها وقولت بصوت مخنوق: “ليه؟ بنتي عملتلك إيه؟ والأطفال التانيين عملوا إيه؟ أنتي إيه يا شيخة؟ شيطان؟”
شيماء قربت وشها مني وهي بتتبسم وسمعتني بصوت واطي ومستفز: “بنتك؟ بنتك كانت عقبة.. زي كل العيال دول. أنتوا كرجالة مغفلين، بتجروا ورا الوش الحلو عشان يشيل عنكم هم عيالكم، ومبتعرفوش إن العيال دول هما اللي بيورثوا كل حاجة. أنا مكنتش بموتهم يا شريف.. أنا كنت بربيهم، واللقطة اللي بتشوفوها دي بتبقى لما يضايقوني. بس الحقيقة.. الحقيقة أكبر منك ومن الظابط ده.”
المقدم أحمد شدها: “قدامي على البوكس، الكلام ده هتقوليه في النيابة.”
أخدوا شيماء، والمسعفين أخدوا الطفل الصغير على المستشفى ولحسن الحظ لحقوه في آخر لحظة لأن الجرعة مكنتش كملت في دمه. الحاج عبد الستار، الراجل العجوز، كان بيبكي بحرقة وبيقول: “كانت هتموت ابني.. دخلت بيتي على إنها ممرضة ورحيمة بالاطفال، وقالتلي إنها مقطوعة من شجرة.. أنا كنت هكتبلها الفيلا بكرا!”
رجعنا القسم، وبدأت التحقيقات الرسمية. كنت فاكر إن كابوسنا انتهى، وإن الست دي هتاخد إعدام أو مؤبد والقصة هتقفل. قعدت في الطرقة مستني المقدم أحمد يخلص استجوابها.
بعد تلات ساعات، الباب اتفتح. طلع المقدم أحمد، بس وشه مكنش مطمن، كان باين عليه الذهول التام والغموض. قرب مني وقعد على الكرسي اللي جنبي، ونفخ بضيق.
“في إيه يا أحمد بيه؟ اعترفت؟” سألته بلهفة.
أحمد بيه بص للأرض وقال: “الست دي مش طبيعية يا شريف. اعترفت بكل حاجة ببرود غريب. اعترفت بإنها انتحلت أسماء خمس ستات ماتوا فعلاً في حوادث أو اختفوا، وطلعت بطاقات مزورة بمساعدة شبكة تزوير كبيرة في العتبة وجبناهم خلاص. واعترفت إنها اتجوزت أو دخلت بيوت أربع رجالة غيرك، وكلهم أغنيا وعندهم أطفال، وكانت بتسمم الأطفال بجرعات بطيئة عشان يظهر إنهم عيا طبيعي، ولما الأب ييأس، كانت بتخليه يكتبلها أملاكه بحجة إنها بتراعي الولد، وبعدين تختفي والطفل يموت بعد ما تمشي بشهور بسبب الفشل الكلوي الناتح عن الأدوية!”
جسمي سقع: “يعني الأطفال التانيين.. ماتوا؟”
أحمد بيه هز راسه: “تلاتة منهم ماتوا فعلاً واندفنوا على إنه موت طبيعي، وإحنا بنطلع قرارات حالا لنيابة الأموال العامة والطب الشرعي عشان يستخرجوا الجثث. والطفل بتاع طنطا عايش بس عنده عاهة مستديمة وفشل كلوي. وبنتك نور لولا إنك جيت فجأة ولحقتها، كانت هتبقى الضحية الخامسة.”
غمضت عيني وحمدت ربنا تريليون مرة إني رجعت من السفر بدري.
لكن المقدم أحمد كمل بصوت أربك كل حساباتي: “بس مش ده اللغز يا شريف.. اللغز في اللي قالته في آخر خمس دقايق في التحقيق.”
“قالت إيه؟”
أحمد بيه طلع ورقة مكتوبة بخط إيد شيماء، كانت عبارة عن رسالة سابتها موجهة ليا أنا بالذات في المحضر. أحمد بيه قراها بصوت واطي:
“‘شريف.. أنت فاكر إنك أنقذت نور؟ وفاكر إنك عرفت كل حاجة؟ افتكر كويس الحادثة بتاعة طريق السخنة من أربع سنين.. الحادثة اللي ماتت فيها مراتك الأولانية سارة.. أنت لسه فاكر إنها كانت مجرد حادثة عربية عادية؟ اسأل نفسك.. مين اللي كان راكب معاها في العربية ويومها نزل قبل الحادثة بمحطة واحدة؟ افتح الصندوق الأسود بتاع سارة يا شريف.. هتلاقي إنك من أربع سنين، أنت اللي فتحتلي الباب بإيدك من غير ما تحس.. واللعبة بدأت من زمان قوي، ومش هتنتهي بوجودي في السجن.'”
المقدم أحمد سكت، وبصلي وعيونه كلها تساؤلات: “شريف.. مراتك الله يرحمها سارة.. كانت تعرف شيماء من قبل ما أنت تقابلها في الزمالك؟”
الدنيا لفت بيا، والشريط رجع بيا لأربع سنين ورا. يوم الحادثة.. سارة كانت مسافرة السخنة مع صاحبتها الجديدة اللي اتعرفت عليها في النادي.. صاحبتها اللي سارة كانت بتقولي عليها إنها “أختها اللي مجبتهاش أمها” واللي مكنش ليها صور معاها لأنها م بتحبش التصوير.. صاحبتها اللي كانت مسمية نفسها وقتها “هالة”!
حسيت إن الهوا اتقطع عن الأوضة. شيماء مكنتش مجرد غريبة دخلت حياتي بالصدفة في كافيه في الزمالك من سنة.. الست دي كانت بتخطط لتدمير حياتي وحياة سارة ونور من أربع سنين! هي اللي قتلت سارة؟ وليه؟ وإيه العلاقة القديمة اللي تربطها بعيلتي؟
قمت من مكاني زي المجنون، وقولت للمقدم أحمد: “عايز أشوفها.. لازم أدخلها حالا!”
أحمد بيه وقف ومنعني: “مش هينفع يا شريف، هي اترحت على السجن المركزي حالا العرض على النيابة الصبح.”
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. شفت الشاشة.. كان رقم غريب. فتحت الخط وإيدي بـتـتـرعش، وجالي صوت من الطرف التاني.. صوت راجل، نبرته هادية وجامدة ومخيفة جداً، قال جملة واحدة وقفلت الدنيا في وشي:
“شريف بيه.. شيماء عملت اللي عليها وزيادة، والورق اللي في شقتك القديمة اللي أنت لسه ملقيتوش.. فيه توقيع سارة بالتنازل عن نصيبها في شركتك لشركتنا. شيماء مش هتقعد في السجن كتير.. بس بنتك نور.. لسه معانا في نفس البلد، والدور عليها لو فكرت تفتح بؤك مع النيابة بكرا.. سلام يا شريف.”
الخط قطع.
بصيت للمقدم أحمد وأنا مش قادر أنطق، التليفون وقع من إيدي واتدشدش مية حتة على الأرض. الكابوس مكنش مجرد ست مريضة.. الكابوس كان شبكة مرعبة، وأنا وبنتي واقفين في نص السكينة.. ومش عارف الخطوة الجاية هتيجي منين!




