
زينب كانت قاعدة على الأرض، إيديها بتترعش وصوت سنانها بتخبط في بعضها عامل زي كتاكتة في صمت الصالة. السكوت اللي نزل على الفيللا بعد الخبطة التقيلة بتاعة طارق كان أتقل من حديد المقاولات اللي فريدة بتبيعه. فريدة ما تحركتش من مكانها، كانت واقفة ساندا ظهرها على عمود الرخام، مسكة التليفون في إيدها بثبات يوجع البطن، وباصة لحماتها ببرود أصعب من أي صريخ.
صوت سرينة الإسعاف والشرطة بدأ يظهر من بعيد، يقطع هدوء شارع التجمع الراقي. زينب زحفت على أربع زحف لحد جزمة فريدة، ودموعها نازلة تغرق سجاد الصالة: “الحقيه يا فريدة! امسكي حاجة.. اطلعي شوفيه! طارق جوزك يا فريدة! طارق حبيبك!”
فريدة بصت لها من فوق لتحت، ونزلت بمستواها ببطء لحد ما بقت عينها في عين زينب، ووشوشت بصوت واطي يطفش العقل: “ما أنتِ اللي قلتيلي ادخلي نامي.. الملاية كانت مفروشة حلو أوي يا حجة زينب.. يظهر الكبرا كانت مستنية صاحب النصيب.”
الشرطة والمسعفين اقتحموا الفيللا في ثواني. الضابط ونزلوا المسعفين بسرعة ومعاهم مصل الثعابين ومعدات الطوارئ، طلعت الفرقة على فوق وهي حاطة إيدها على . بعد خمس دقايق، نزلوا بطارق وهو متمدد على التروللي، وش أصفر زي الليمونة، شفايفه زرقا، وفي رقابته علامتين زرق صغار.. نكزة الكبرا.
زينب صرخت صرخة شقت السقف وهي بترمى على التروللي: “ابني! طارق! لا يا رب لا! خدني أنا وسيبه!”
الضابط زقها ببراعة وهدوء: “يا حاجّة ادعي له، السم سريع وشغال على الجهاز العصبي، إحنا رايحين مركز السموم بسرعة.”
فريدة راحت مع الإسعاف بمشاعر متجمدة، بينما زينب كانت بتموت في السكة، مش بس من الخوف على ابنها، لكن من الرعب إن سرها ينكشف. بس الحقيقة، السر الكبير مكانش الشكارة ولا الكبرا اللي الضابط مسكها بشبكة خاصة وطلعها في قفص.. السر كان جوه الموبايل بتاع طارق اللي وقع على السجاد جنب السرير، وفريدة حطته في شنطتها بمهارة من غير ما حد ياخد باله.
في المستشفى، الأطباء دخلوا طارق العناية المركزة على جهاز تنفس صناعي بين الحياة والموت. زينب كانت قاعدة على كراسي الانتظار بتندب، وفريدة قاعدة في ركن هادي، فتحت موبايل طارق ببصمة صباعه اللي خدتها منه وهو غايب عن الوعي في عربية الإسعاف.
أول ما الشاشة فتحت، فريدة دخلت على الواتساب. المحادثة الأولى فوق مكانتش باسم شيماء.. كانت باسم “المهندس كامل”.. لكن صورة البروفايل كانت لشيماء، البنت اللي كانت شغالة محاسبة تحت إيد فريدة في الشركة وطردتها من ست شهور بسبب اختلاسات بسيطة.
فتحت الرسائل.. والدم في عروق فريدة اتجمد، مش عشان الخيانة، لكن عشان الخطة اللي كانت ألعن وأوسخ من فكرة الثعبان بمراحل.
شيماء كانت كاتبة لطارق الساعة 8 بالليل:
(الورقة بتاعة بوليسة التأمين اللي أمك شافتها دي هي طوق النجاة. التعبان اللي أمك هتشتريه من سوق الجمعة مجرد تمويه.. لو فريدة ماتت بالسم، الحكومة هتقول قضاء وقدر وتعبان طلع من المزرعة اللي جنب الفيللا، ونستلم الـ 25 مليون جنيه ونقفل قضية اختلاس الشركة اللي عليّا، ونكتب الكتاب ونسافر المانيا فوراً.. المواعيد مضبوطة، أوعى تضعف يا طارق).
وطارق كان رادد عليها:
(أمي خلاص حطت البتاع تحت المخادة.. فريدة راجعة ميتة من التعب وهتنام على طول. الصبح هنكون بنقبض.. بحبك يا أم أولي) .
فريدة غمضت عينها وفتحتها، وابتسامة مكسورة ظهرت على شفايفها. الخيانة مكنتش مجرد غدر زوجي، دي كانت مؤامرة قتل مكتملة الأركان، وحماتها زينب مكانتش المخطط الأكبر، دي كانت مجرد أداة غبية في إيد ابنها وعشيقته!
بس المفاجأة اللي خلت قلب فريدة يثبت زي الصخر، هي الرسالة الأخيرة اللي بعتتها شيماء قبل ما طارق يوصل الفيللا بساعة:
(طارق.. البت فريدة لو عاشت أو شكت في حاجة، الملفات اللي في الخزنة السرية بتاعة الشركة في مقطم هتودينا كلنا في داهية.. المحاسب القانوني بتاعها بدأ يفتش في العกود القديمة، لو عرف إنك أنت اللي كنت بتسرب أوراق المناقصات لشركة أبويا.. مش بس التأمين هيضيع، إحنا هنسجن باقي عمرنا).
فريدة قفلت الموبايل وحطته في شنطتها. طارق مكانش بس طمعان في فلوس تأمينها.. طارق كان بيسرق شركتها وبيبيع سر أكل عيشها للمنافسين من ورا ظهرها بقاله ثلاث سنين!
بعد ساعتين، خرج الدكتور من العناية المركزة، وش زينب اتعلق بشفايفه.
“الحمد لله، قلبه استجاب للمصل، بس السم أثر على العصب البصري وبعض مراكز الحركة.. هو عدى مرحلة الخطر والموت، بس محتاج علاج طبيعي طويل.. وممكن يفضل مش حاسس برجله الشمال لفترة.”
زينب اتنفست الصعداء وقامت تجري على فريدة وهي بتبكي وتتمسكن: “الحمد لله يا بنتي! ربنا سترها.. طارق عاش! يارب يسلمك يا فريدة يا أصيلة.. أنا عارفة إنك زعلانة مني عشان التعبان، بس والله يا بنتي أنا شفته في الجنينة وكنت فاكراه حبل.. ومسكوته بعصاية عشان أرميه بره وخفت…”
فريدة قطعت كلامها بنظرة حادة زي الموس، وقربت من ودنها وقالت بصوت هادي يقطع الخلف: “وفاتورة سوق الجمعة بتاعة التعبان اللي مدفوعة بفيزتك يا حجة زينب؟ والمسجات اللي بين ابنك وشيماء على الموبايل اللي معايا دلوقتي؟”




