
دنيا وقفت مكانها، الأرض بتلف بيها والصالة اللي كانت مليانة ضحك وزيطة من شوية تحولت لمقبرة حية. الإمضاء إمضتها؟ التوقيع اللي بقالها سنين بتحميه وبتصون بيه اسمها وشركتها اتزور في ورقة تحويل بنكي عشان ينقذ معرض هيثم من الإفلاس؟ والأنكح من كده، إن أمها هي اللي سلمت بصمتها أو خدت ختمها وهي مش فاهمة، أو الفاجعة الأكبر.. إن أمها كانت دارية!
راضية، اللي كانت عيونها دايماً مليانة خوف من راضي، بقت تبص لدنيا بنظرات متوسلة، شفايفها بترتعش ومش قادرة تطلع جملة مفيدة: “يا دنيا.. يا بنتي تفهمي بس.. هيثم كان حيتحبس.. وراضي قال إن المحكمة كدة كدة حتحكم لينا بالفيوم.. قلنا تسليك حسابات عقبال ما القرار يطلع…”
دنيا ما نزلتش دمعة واحدة. الوجع لما بيعدي حد معين بيبقى ساقط تماماً زي الموت. بصت لهيثم اللي كان واقف ورا أبوه، وشه بقا لون السبورة، إيده بترتعش وهو بيحاول يمسك الموبايل يسجل أو يكلم حد. وبصت لراضي اللي بصلابة عين وبلاجة حاول ياخد خطوة لقدام ويفرض سيطرته كالعادة.
“بصي بقى يا دنيا من غير شو إعلامي!” راضي قالها ونبرة صوته المبحوحة بتحاول تسترجع الهيبة اللي اتعجنت تحت جزمة الحقيقة. “أمك هي اللي وافقت، وهيثم أخوكي في النهاية، الفلوس راحت لستر البيت مش للغريب! وانتي بسم الله ما شاء الله شركتك شغال والملايين تحت إيديكي، كبر مخك وامضي على عقد البيع للشركة عشان المليون وتمنمية ألف الباقية تخش الحساب ونقفل المولد ده ونطلع من غير فضايح!”
دنيا قربت منه خطوات بطيئة. صوت كعب جزمتها على الباركية كان زي دقات الساعة في أوضة الإعدام. وقفت قدامه بالظبط، كان أطول منها بطول شبر، بس هي في اللحظة دي كانت أطول من الفيلا باللي فيها.
“أخويا؟” دنيا نطقتها بهدوء يرعب. “أخويا اللي كان بيضحك من قلبه وأنت بترميلة طبق الفل وتقولي كلي برة؟ أخويا اللي بقاله خمس سنين بياخد من مصروف البيت اللي أنا بدفعه عشان يصرف على عربياته ومظاهره؟ ولا أمي؟ أمي اللي قعدت أطلع دين أمي من الصبح عشان أعملها عيد ميلاد يشرفها، عشان في الآخر تبص في الأرض وتسلّمني للكلاب؟”
“بت!!” راضي اتعصب ورفع إصبعه في وشها: “الزمي حدودك! أنتي هنا في بيتي!”
“ده بيتي أنا يا راضي!” الصوت المرة دي جه من عند الباب، بس مش من عفاف.. جه من ورا عفاف.
ثلاثة رجال ببدل رسمية داكنة دخلوا الصالة. واحد منهم معاه شنطة مستندات سامسونايت سودا، والتاني معاه محضر شرطة برتبة مقدم، والتالت كان المحامي الشهير كامل النجار، الراجل اللي اسمه لوحده بيزلزل أعتى القضايا في مصر.
المقدم خطى خطوة وشاور بأمر نيابة: “السيد راضي عبد الجواد؟ الأستاذ هيثم راضي عبد الجواد؟”
راضي اتراجع خطوة ووشه بقا أصفر زي الليمونة المطبوقة: “إيه ده؟ في إيه؟ أنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟”
عفاف ابتسمت ابتسامة ساطعة فيها كل أنواع الشماتة المشروعة، وقالت وهي بتبص لدنيا: “أنا مكنتش جاية لوحدي يا دنيا. أنا كنت مستنية قرار النيابة بالقبض المباشر بتهمة التزوير واستعمال محررات مزورة والاستيلاء على أموال تركة تحت الحراسة.”
كامل النجار المحامي فتح الشنطة وطلع أصل التقرير الجنائي: “تزوير التوقيع اتثبت سلفاً يا أستاذ راضي. البنك أول ما أخطرتهم الأستاذة دنيا بشبهة التزوير من ثلاثة أيام لما لاحظت حركة غريبة على حساب التركة، بلغوا النيابة العامة، والطب الشرعي والتزييف والتزوير فحصوا العينة المقارنة وأثبتوا إن التوقيع اللي على أمر التحويل البنكي مزور عن طريق البصمة الضوئية، مش توقيع حي.”
المقدم شاور للعساكر اللي كانوا واقفين برة: “هاتوهم.”
الهرج والمرج ملا الصالة. هيثم بدأ يصرخ ويستغيث بأمه: “يا ماما!! قوليلي حاجة يا ماما! أنا حتحبس! المعرض حيروح وأنا حتحبس!” ومراته ‘الهانم’ بدأت تصرخ وتصوت وتشد في شعرها وسط المعازيم اللي كانوا بيحاولوا يتسحبوا واحد ورا التاني من الفيلا زي الفران اللي بتهرب من مركب بتغرق.
فتحية رمت نفسها تحت رجين دنيا، مسكت في ذيل فستانها وهي بتبكي بحرقة: “يا دنيا!! أبوس إيديكي يا بنتي!! يبوس رجلك! بلاش أخوكي! بلاش راضي! ابوسي إيديكي يا دنيا ما تخربيش البيت!! أنا اللي قلت لراضي يعمل كده! أنا اللي ترجيته ينقذ هيثم! ارميني أنا في السجن وسيبيهم هما!!”
دنيا بصت لأمها وهي تحت رجليها. المنظر كان كفيل يكسر أي قلب، بس القلب اللي اتفرم في طبق فل أبيض قدام الناس خلاص مابقى يكسرش.
دنيا وُطت بهدوء، رفعت إيد أمها من على رجلها، وقالت بصوت ملوش أي نبرة انفعال: “أنتي مش رايحة السجن يا فتحية.. أنتي رايحة المكان اللي اخترتيه بنفسك من زمان.. قاع القذارة اللي هما فيه. أنتي تنازلتي عن بنتك عشان جوزك وابنه.. ودلوقتي خليهم ينفعوكي.”
راضي وهو بيتقيد بالكلابشات صرخ بجلخ وغضب: “مش حتسلمي يا دنيا! فاكرة إنك كسبتي؟ الفيوم دي مش حتشوفيها! والشركة دي حأهدها على دماغك! أنتي ولا حاجة من غيرنا! أنتي حتفضلي طول عمرك الخدامة اللي بتصلح خراباتنا!”
دنيا ما ردتش. بصت للظابط وقالت بهدوء: “اتفضل حضرتك نفذ القانون.”
اتسحب راضي وهيثم في الكلبشات وسط فضيحة مجوية هزت كل عائلات طنطا والفيوم والقاهرة اللي كانوا حاضرين العيد ميلاد. الصالة فضيت تماماً في ظرف عشر دقايق. المظاهر الكدابة، الضحكات المستفزة، الكاسات المرفوعة.. كلها اختفت. ما فاضلش غير التورتة أبو ثلاث أدوار وهي بتسيح تحت إضاءة اللمبات اللي دنيا بنفسها صلحتها الصبح، وفتحية القاعدة على الأرض بتنوح وتدق على صدرها.
عفاف قربت من دنيا وحطت إيدها على كتفها: “أنتِ صح يا دنيا. لو كنتي سامحتي المرة دي، كانوا حياكلوا لحمك ويرموا عضمك للكلاب.”
دنيا بصت للورق اللي مع المحامي كامل النجار: “كل حاجة بقت باسمي قانونياً يا متر؟”
النجار هز راسه بجدية: “الفيوم، الـ 5 فدادين، المول التجاري في طنطا، وأسهم شركة ‘الورداني للمقاولات’. التركة بالكامل اتنقلت لملكيتك المباشرة بناءً على الوصية المسجلة برقم 402 توثيق عقاري، وبعد رفض طعن راضي نهائياً. بس في حاجة تانية يا أستاذة دنيا.. حاجة الملفات أظهرتها ومكنش حد يعرفها غير المرحومة ستك والأستاذة عفاف.”
دنيا رفعت حواجبها بتعب: “إيه تاني؟”




