
النجار طلع مظروف أسود مغلق بختم شمع أحمر قديم، وناوله لدنيا: “الست كريمة الله يرحمها سابت المظروف ده معايا، وقالتلي ما يسلمش ليكي إلا يوم ما تحسمي قضية التركة وتاخدي حقك بيدك.. مش بالرضا ولا بالشفاعة.”
دنيا خدت المظروف. إيدها كانت بتترعش لأول مرة طول اليوم. فتحت الشمع الأحمر بالبطء وطلعت ورقة فلوسكاب مكتوبة بخط يد الجدة كريمة، خط قديم، متزن، وثابت.
“بنتي وحبيبتي دنيا،
لو بتأتري القافلة دي دلوقتي، يبقى أنا مت، ويبقى راضي وفتحية عملوا اللي كنت خايفة منه. دنيا.. فتحية مش أمك الحقيقية.
أنا بنتي فتحية كانت عقيم، وقبل 36 سنة، لما ولدت أختها الصغيرة زينات في مستشفى القصر العيني وماتت وهي بتولدك، فتحية خبينا الخبر وسجلتك باسمها عشان تجبر خاطرها وعشان راضي ما يتجوزش عليها. أنا نسجت الكدبة دي عشان أحمي بيت بنتي.. بس اكتشفت إن أنا ظلمت جوهرة وحطيتها تحت جزمة ناس ما يرحموش.
أنتي بنت زينات.. بنت أنضف وأرجل ست عرفتها. الفيوم والشركة مش ورث.. ده حقك الصريح من أمك زينات اللي كانت شريكتي في كل حاجة. أنا سبتك للزمان يعلمك عشان تبقي شديدة، بس كنت عارفة إن اليوم ده هيجي. ما ترحميهمش يا دنيا.. لأنهم عمرهم ما رحموكي.”
الورقة وقعت من إيد دنيا.
كل نفس اتنفسته في الـ 36 سنة اللي فاتوا مر قدام عينها زي شريط سينما سريع. السخرية، التقليل، المعاملة كإنها “بنت الخدامة”، التضحيات اللي كانت بتقدمها لفتحية عشان تاخد منها كلمة رضا أو حضن دافي.. كل ده كان لمين؟ لست حتى مش أمها! لست قبلت تأجر رحم ذكراها وتبيع بنت أختها المتوفية عشان ترضي راجل معفن وزيادة عليه تستخدمها كشغالة وبديل مجاني!
دنيا بصت لفتحية اللي كانت لسة قاعدة على الأرض بتعيط وبتبصلها بعيون مكسورة.
دنيا قربت منها، مسكت الورقة ورزعتها قدامها على الأرض.
فتحية بصت للورقة، وشهق سكت في حرقها. عينها اتسعت برعب أشد من رعب السجن: “أنتي.. أنتي قريتي الجواب؟”
“أنا مش بنتك؟” دنيا سألتها، وصوتها كان واطي جداً بس أثقل من الجبال.
فتحية بدأت تتراجع على ضهرها زي المجنونة: “دنيا.. اسمعيني.. أنا ربيتك! أنا اللي كبرتك! زينات ماتت وسابتك لحمة حمرا! أنا اللي..”
“أنتي اللي بعتيني!” دنيا صرخت فيها، صرخة طلعت من جواه هزت أركان الفيلا، صرخة 36 سنة من القهر، والتعب، والخدمة، والإهانة: “أنتي اللي سبتيني أكون خدامة لراجل غريب وابنه! أنتي اللي خليتيني أصدق إن أنا أقل منهم! أنتي اللي بصيتي في الأرض والكلب بتاعك بيرميلي طبق الفل ويقولي كلي برة!! أنتي مش أمي.. أنتي أكبر كدبة وأقذر حاجة عدت في حياتي!”
دنيا لفت للمحامي كامل النجار، وقالت بنبرة حسم لا تقبل النقاش: “يا متر.. ارفع قضية تنازع نسب وفك تسجيل. وحرك البلاغ التاني ضد فتحية بصفتها شريكة في التزوير والاستيلاء على أموال القصر والتركة. مش عايزة رحمة.. مش عايزة تنازل.. مش عايزة أسيب فتلة واحدة تسترهم.”
النجار انحنى باحترام: “أوامرك يا أستاذة دنيا. الصبح كل حاجة حتكون في النيابة.”
دنيا سابت الفيلا وطلعت. الجو برة كان بيمطر مطرة خفيفة، مية الفيوم الساقعة بتغسل وشها. مشت ناحية عربيتها الجيب المعتمة، فتحت الباب وقعدت ورا الدركسيون. بصت في المراية.. شافتك نفسها لأول مرة.. مش “الصنايعي بتاع العيلة”، ولا “الخدّامة”، شافتك دنيا الورداني.. صاحبة الملك، والاسم، والقوة.
دورّت العربية، ودست بنزين، وسابت الفيلا وراها بتولع في نار الفضايح والمحاكم.
بعد ستة أشهر…
في قاعة محكمة جنايات الجيزة.
الحكم صدر بوضوح: السجن المشدد 7 سنوات لراضي عبد الجواد بتهم التزوير والاستيلاء على أموال التركة، 5 سنوات لهيثم راضي عبد الجواد للتآمر والاستفادة من أموال مسروقة مع العلم بمصدرها، و3 سنوات مع الشغل لفتحية عبد السلام بالمشاركة في التزوير.
دنيا كانت واقفة في أخر القاعة، لابسة بدلة سودا أنيقة، شاردة وبتبص عليهم وهما بيلبسوا الكلبشات رايحين السجن. راضي كان شكله عجوز ومكسور، هيثم كان بيبكي زي الأطفال، وفتحية بصت لدنيا بقلة حيلة وهي بتتسحب.
دنيا ما حسيتش بنصر ولا بشماتة.. حسيت بس بنظافة. المكان حوليها بقى نضيف.
خرجت من باب المحكمة، كامل النجار وعفاف كانوا مستنيينها برة.
“كل حاجة تمت يا أستاذة دنيا،” النجار قالها وهو بيسلمها ملف القضية المغلق. “الفيوم اتمسحت من أي رهونات، والمول شغال وبيجيب أرباح ممتازة، وشركتك في القاهرة خدت مناقصة صيانة أبراج العاصمة الإدارية الجديدة.”
دنيا ابتسمت ابتسامة خفيفة: “شكراً يا متر. شكراً يا خالة عفاف.”
عفاف حضنتها بقوة: “أمك زينات الله يرحمها كانت حتبقى فخورة بيكي أوي النهاردة يا دنيا.”
دنيا مشت في الشارع الشمسي، الهواء كان نقياً والشارع زحمة بحياة جديدة بتستناها. فتحت شنطتها، طلعت الموبايل وقفلته، وقررت تبدأ أول يوم في حياتها الحقيقية.
بس وهي بتركب عربيتها، جيلها إشعار مفاجئ على الإيميل الخاص بشركتها، إيميل مش من العمال ولا من البنك.
الإيميل كان معنون بـ: “من مكتب التوثيق العقاري – إخطار بوجود عقار آخر باسم زينات الورداني.”
دنيا فتحت الرسالة بذهول، وقرت السطور الأولى:
“السيدة دنيا.. نفيدكم علماً بأنه أثناء مراجعة سجلات الأملاك العقارية المتروكة باسم والدتكم المتوفاة زينات الورداني، تبين وجود قطعة أرض بمساحة 20 فدانًا في منطقة الساحل الشمالي، مسجلة برقم بعيد عن التركة، ومقيدة برهن عقاري لصالح رجل أعمال يدعى ‘توفيق الألفي’.. وبحسب الأوراق، فإن عقد الرهن تم تجديده وتوقيعه الشهر الماضي فقط.. باستخدام نفس توقيع والدتك المتوفاة منذ 36 سنة!”
دنيا جمدت مكانها..
التوقيع اتجدد الشهر اللي فات؟
مين اللي بيستخدم اسم أمها الميتة من 36 سنة؟ وليه التركة اللي هي افتكرت إنها قفلتها بضربة القاضية.. طلعت مجرد القشرة الخارجية للعبة أكبر بكتير.. لعبة لسة بتبدأ؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




