روايات وقص

د زينب كانت قاعده على الارض

زينب وِقف الدم في عروقها، عينيها برقت وبقت تبص لفريدة وركبتها بتخبط في بعضها: “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟”

“بقولك إنك كنتِ هتموتيني عشان 25 مليون جنيه، وتجوزي ابنك الحرامي للبنت اللي سرقت شركتي.. بس ربنا رد كيدكم في نحوركم. ابنك مش هيموت يا زينب.. ابنك حيعيش، بس هيعيش ومش هيشوف الشارع إلا من ورا القضبان.”

في اللحظة دي، فريدة طلعت موبايلها وطلبت رقم المحامي بتاعها ورئيس مباحث التجمع.

خلال 48 ساعة، كانت الدنيا اتقلبت رأسًا على عقب.

فريدة ما بكتش ولا دمعة. راحت للنيابة ودمجت البلاغين ببعض: محاولة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد بالاشتراك بين زينب وطارق وشيماء، وبلاغ التزوير والتآمر واختلاس أموال الشركة ضد طارق وشيماء.

الشرطة داهمت شقة شيماء في المقطم، ولقوا الخزنة السرية والأوراق المزوّرة بالكامل، وبصمات طارق على عقود بيع السر التجاري لشركة المنافسين. شيماء اتقبض عليها وهي بتحاول تهرب بالمطار، واعترفت على كل حاجة وعلى دور زينب وطارق عشان تخفف الحكم على نفسها.

في المستشفى، طارق فتح عينيه عشان يلاقي كلبشات الحديد ماسكة إيده في طرف السرير، وضابط الشرطة قاعد جنبه. أمه زينب كانت مقبوض عليها وقاعده في ركن الأوضة مع حراسة، بتبكي وتتحسر.

فريدة دخلت الأوضة، كانت لابسة بدلة سودا أنيقة، شايلا شنطتها الجلد، وواقفة بمنتهى الهيبة.

طارق حاول يتكلم، صوته كان طالع مكسور ومبحوح من أثر السم والتنبيب الطبي: “فريدة.. سامحيني.. أمي هي اللي…”

“أوششش”، فريدة حطت صباعها على شفايفها وابتسمت ابتسامة هادية ترعب: “متتعبش نفسك يا طارق. الدكتور قالك بلاش مجهود. أنا بس جيت أقولك كلمتين قبل ما أتحرك على الشهر العقاري.”

رمت قدامه على السرير ورقة طلاقها، ومستندات تنازل كامل عن كل مستحقاته، وإقرار بدينه لشركتها بـ 15 مليون جنيه قيمة الاختلاسات.

“البوليسة اللي أنت وأمك كنتم مستنيين تاخدوها.. أنا غيّرت المستفيد فيها أمس. بقيت أجمعية الأيتام اللي أنت وأمك كنتم بتقولوا إنني مش هعرف أجيب زيهم.”

طارق بدأ يبكي بعجز، يبص لأمه اللي بتلطم على وشها بالكلبشات، ويبص لفريدة اللي كانت بالنسبة له مجرد فرخة بتبيد دهب.

فريدة قربت منه، وبصت في عينيه وقالت: “أنت فاكر إن القصة خلصت هنا؟ فاكر إن التعبان والبوليسة وشيماء هما بس السر؟”

طارق بص لها باستغراب وخوف.

فريدة مالت عليه، وقالت بصوت واطي جداً مش سامعه غيره هو وأمه: “أنا ما رجعتش البيت بدري عشان الصداع النصفي يا طارق.. أنا رجعت عشان كنت عند الدكتور بتاع تحاليل الدم.. التحاليل اللي أثبتت إن العيب في الخلفات مكانش مني أنا من الأساس.. العيب كان منك أنت من عشر سنين، وأنا كنت مدارية عليك وحامية رجولتك قدام أمك والناس كلها، وجايبة التقارير المزورة على نفسي عشان ما أكسرش قلبك.”

طارق عيونه اتسعت من الصدمة، وزينب شهقت شهقة كأن حد ضربها بسكينة في قلبها: “إيه؟! أنتِ بتقولي إيه؟!”

فريدة كملت وهي بتبتسم بثقة: “يعني شيماء اللي ابنك كان هيتجوزها عشان تجيب له الولد اللي يحمل اسمه.. حامل في الشهر الثالث من صاحب شركة المقاولات المنافسة اللي أنت كنت بتبيع له أسراري! الولد مش ابنك يا طارق.. والتحاليل كلها في ملف القضية.”

طارق صرخ صرخة مكتومة من ألم النفس والسم، ودموعه نزلت كأنها دم، بينما زينب اترمى جسمها على الأرض وفقدت الوعي من كثرة الصدمة.

فريدة لفت ظهرها، وقفت عند باب الأوضة، وبصت لطارق للمرة الأخيرة وهي بتعدل نظارتها الشمسية: “أنا بنيت حياتي بعرقي، وأنت وأمك حاولتوا تهدموها بسمكوا.. دلوقتي السم ركبكم، والقصة يلا بالسلامة.”

خرجت فريدة من باب المستشفى، الشمس كانت ساطعة في السماء، والهواء نقي. مشيت بخطوات ثابتة ناحية عربيتها، فتحت الباب وقعدت، بس قبل ما تدور العربية.. موبايلها رن برقم غريب.

ردت بصوت هادي: “ألو؟”

جالها صوت راجل غريب، هادي وعميق، وقال جملة واحدة خلت فريدة تجمد إيدها على الدركسيون والابتسامة تختفي من وشها:

“أهلاً يا مدام فريدة.. مبروك خروجك من فخ العيلة.. بس يا ترى، المليون دولار اللي تحولوا لحسابك في سويسرا باسمك من أسبوعين قبل موضوع التعبان.. هتقولي للنيابة إنهم بتوع إيه لما يتفتش حسابك بكرة الصبح؟”

سكت الصوت، والخط قطع!

فريدة بصت للموبايل، وعينيها اتسعت.. عرفت إن الكبرا اللي كانت تحت مخادتها، مكانتِش إلا مجرد بداية للعبة أكبر وأخطر بكثير، وإن في أفعى ثانية، أكبر وأخبث، كانت مستنية دورها في الضلمة!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى