
فتح أحمد باب المكتب الملحق بالجناح وهو حاسس إن رجله أتقل من الجبل. خرج والهدوء المرعب كاسي وشه، هدوء ما قبل العاصفة اللي بتهد كل حاجة. داليا كانت واقفة قدام المراية بتحط لمسات الروج الأخيرة، ولما سمعت صوت الباب اتلفتت له وبابتسامة متكلفة وقالت:
– ايه يا أحمد؟ طارق قالك ايه؟ المصور بيكلمني وبيقولي إن المعازيم تحت بقوا فوق الـ 200 واحد، والنائب العام وحرمه وصلوا، وأمك الحاجة فاطمة نازلة توزيع شربات على الناس. يلا بقى عشان نلحق السيشن!
أحمد بص لها بثبات يجنن. عينيه كانت متثبتة على عينيها زي اللي بيشرح جثة. قرب منها خطوات هادية، وقف قصادها مباشرة، وقال ينطق كل حرف ببطء شديد:
– داليا… هو سليم شبه مين؟
داليا اتجمت ثانية، والروج في إيدها اتهز، بس سرعان ما استرجعت قناع البراءة اللي متعودة تلبسه، وضحكت بصوت عالي:
– ايه السؤال العجيب ده يا حبيبي؟ سليم شبهك أنت طبعاً! نفس عينيك ونفس تدويرة الوش… أنت بتسأل ليه دلوقتي؟ هو ده وقته؟
– يعني مش شبه الشاب اللي كنتِ بتكلميه في التليفون من عشر دقائق؟ اللي بتقوليله إن أحمد الشناوي سبوبة وراجل مغفل وهيلبس الولد ورجله فوق رقبته؟
الكلمات نزلت على داليا زي المية المغلية. وشها اتقلب في لحظة، الشفايف اللي كانت مبتسمة اتقبضت، واللون الأبيض اختفى من خدودها. سابت قلم الروج يقع على الأرض ويرن صوته في الهدوء المرعب.
– أ… أنت بتقول ايه؟ أنت اتجننت يا أحمد؟ مين ده اللي بكلمه؟ أنت بتتصنت عليا؟
في اللحظة دي، خبط باب الجناح خبطات سريعة وقوية. أحمد راح فتح الباب بنفسه. كان طارق المحرزي واقف، بيتنفس بصعوبة وكأنه كان بيكرّس السلم كَري، وفي إيده شنطة جلد سوداء. دخل طارق وقفل الباب وراه بالمفتاح، وبص لداليا بنظرة احتقار صريحة قبل ما يبص لأحمد.
– طارق! – داليا صرخت بصوت هيستيري – شفت صاحبك بيتهمني بإيه؟ بيتهمني في شرفي قبل فرحنا بساعة! ده الجنان بعينه!
طارق ما ردش عليها، فتح الشنطة وطلع منها ملف أبيض ورمى الملف على الترابيزة اللي في وسط الصالة.
– وفرّي الصريخ ده يا داليا عشان حنجرتك هتحتاجيها في النيابة.
داليا بصلت للملف برعب:
– ملف ايه ده؟ أنت بتهددني في فندق الزمالك؟ أنت فاكر نفسك مين؟
طارق اتكلم بكل برود وهو بيبص لأحمد:
– أحمد… لما كلمتني من عشر دقائق، أنا ما جيتش إيدي فاضية. أنا من شهر فات، لما حسيت إن داليا بتضغط عليك عشان تكتب فيلا التجمع باسمها قبل كتب الكتاب، بدأت أتحرى عنها برة نطاق الشركة. داليا ما كانتش بس بتخونك… داليا كانت بتنفذ مخطط متقفل بالمفتاح.
أحمد قرب من الترابيزة وفتح الملف. كان فيه صور. صور لداليا مع شاب في الثلاثينات، نازلين من عربية مع بعض، قاعدين في كافيهات بعيدة في 6 أكتوبر، وصور تانية ألعن… صور لعقد زواج عرفي مسجل بتاريخ يسبق معافرتها مع أحمد بسبع شهور!
طارق كمل كلامه وصوته طالع زي المطرقة:
– الشاب ده اسمه حازم… كان شغال محاسب في شركة مقاولات منافسة ليك واطرد بسبب اختلاس. داليا وحازم متجوزين عرفي من سنتين. ولما داليا عرفت إنها حامل منه، وحازم ما حيلتوش اللقمة، خططوا سوا. اختارتك أنت يا أحمد… الراجل الغني، المفتون برغبة إنه يكون أب، اللي بيشتغل 20 ساعة في اليوم وما عندوش وقت يدقق ورا التفاصيل. كانت فاكرة إنك لما تحب الولد، هتبصم على كل حاجة وتكتب باسمه وباسمها ملايين.
داليا كانت بتترعش، وبدأت تعرق بغزارة ودموعها نازلة تطير المكياج الغالي:
– كذب! كل ده فبركة! صور متفبركة يا أحمد! أنت تصدق المحامي بتاعك وتكدب مرتك؟ الولد ابنك! والله العظيم ابنك!
طارق طلع من جيبه مظروف تاني صغير ورماه جنب الصور:
– وده تحليل الـ DNA المبدئي يا مدام… أنا أخدت عينة من شعر سليم ومن شعر أحمد الأسبوع اللي فات لما جيت أزوركم في الفيلا، وعملت التحليل في معامل معتمدة برة مصر بصفة عاجلة مستغلاً معارفي… النسب صفر في المية. سليم مش ابن أحمد الشناوي.
النص ده نزل على أحمد زي الصاعقة. رغم إنه كان عارف وسمعها بعينه، بس لمسة الحقيقة العارية على الورق كسرته. عينيه دمعت، بس ما كانتش دموع ضعف… كانت دموع قهر على السنين والنيات الصافية اللي اتداست بالنعال.
داليا انهارت على الأرض، مسكت في رجل أحمد وهي بتبكي بصوت مكتوم:
– أحمد… عشان خاطر ربنا ارحمني! أنا غلطت… حازم هو اللي ضغط عليا والله! هو اللي قال لي نعمل كده عشان نأمن مستقبلنا! أنا حبيتك أنت بجد! سليم بيحبك أنت! أنت أبوه الحقيقي مش هو! أبوه اللي رَبى مش اللي خلف! ما تفضحنيش قدام الناس… امسحها فيا واسترني وسامحني وننزل نكتب الكتاب وبعدين نعمل اللي أنت عايزه!
أحمد بصلها بقرف، ورفع رجله بعيد عنها وكأنها قذارة.
– أسترك؟ أنتِ ما سبتيش لنفسك شبر تتستري فيه. أنتِ استغلتي أحسن ما فيا… استغلتي حلمي إني أكون أب، واستغلتي الضعف اللي جوايا ناحية الأطفال… وجاية دلوقتي تتكلمي عن الستر؟
طارق بص لساعته وقال:
– المأذون تحت يا أحمد، والمعازيم بقوا فوق الـ 250 واحد. والناحية التانية، أنا كلمت الشرطة، وبلاغ التزوير والنصب والجمع بين زوجين جاهز… العساكر واقفين تحت عند باب الخدمة في الفندق مستنيين الإشارة.
داليا صرخت:
– شرطة؟ أنت هتودي أم ابنك السجن يا أحمد؟ قدام المعازيم؟ قدام الصحافة؟ أنت كده بتدمر نفسك وبتدمر اسم “شركة الشناوي”!
أحمد بص لها بثبات مرعب، وابتسم ابتسامة ميتة:
– اسم الشناوي ما بيتدمرش بسبب حشرة… اسم الشناوي بيتدمر لما يسيب الحقير يضحك عليه.
مسك أحمد تليفونه وطلب رقم أمه الحاجة فاطمة.
– أيوه يا أمي… انزلي قولي للناس إن الفرح اتلغى.
– ايه؟ بتتكلم بجد يا أحمد؟ فيه ايه يا بني؟ الناس تاكل وشنا!
– ما تقلقيش يا أمي… الناس مش بتاكل غير اللي بيغطي على الوساخة. انزلي قولي لهم أحمد الشناوي بيلغي فرحه عشان كشف عصابة كانت جاية تسرقه… والسرقة ما تليقش ببيتنا.
أحمد بص لأم سعد اللي كانت واقفة في الزاوية، ماسكة سليم وعينيها بتدمع على حال الراجل اللي خدعوه.
– أم سعد… هاتي سليم.




