روايات وقص

د التاكسي كان بيجري بينا على الطريق

التاكسي كان بيجري بينا على الطريق الزراعي السريع، والإضاءة الخافتة بتاعة أعمدة النور بتعدي على وش سيف زي الخيالات. الولد كان حضن المج الأزرق الملفوف في المناديل كأنه شايل قنبلة موقوتة، وجسمه كله بيترعش. أنا نفسي ما كنتش قادرة أتنفس؛ حاسة إن قلبي بيدق في جناحي، وصوت زعيق شريف في المزرعة لسه بيرن في ودني زي الفحيح.

 

“هدى نفسك يا سيف.. خلاص، أزمة وعدت يا حبيبي، محدش يقدر يلمسك.”

قلتها وأنا باخد التليفون منه وإيدي بتهتز، طلعت الخط اللي فيه وكسرته حتتين، ورميته من شباك التاكسي. كنت عارفة إن شريف شغلته مدير إداري في مستشفى كبير، وممكن بسهولة يتتبع مكاني عن طريق شبكة المحمول. أول حاجة جه في بالي أعملها هي إني أروح على قسم شرطة قسم الجيزة، بس عقل الدكتورة اللي جوايا نبهني: مجرد بلاغ عادي ممكن يتعطل، وشريف واصل وممكن يقلب الطاولة عليا ويقول إني هربت بالولد أو عندي مرض نفسي.

لازم نروح النيابة فوراً، ولازم الحرز ده يتسلم ليد رئيس النيابة شخصياً قبل ما حد يتدخل.

وصلنا قصر النيل للقاهرة في حدود الساعة 11 بالليل. نزلت من التاكسي وأنا ماسكة إيد سيف بمد خطوتي. دخلنا مبنى قسم شرطة قسم قصر النيل عشان نعمل محضر إثبات حالة بالواقعة وبشروع في القتل. النبطشية كانت هادية، وضابط المباحث أول ما شاف منظري—دكتورة ببالطو في شنطتها وشكلها مهزوز ومعاها طفل مرعوب ومسكة مج فخار—اتعدل في قعدته.

“خير يا دكتورة؟ في إيه؟”

حكيت له كل حاجة في خمس دقائق. الصوت كان بيطلع مني متقطع بس واضح. طلعت الصور اللي سيف صورها بتليفونه للورقة الصفراء والقطرة المستخبية في المكتب. الضابط اتسعت عينيه وهو بيشوف جدول المواعيد المكتوب بخط شريف:

7:30 الشاي.

7:50 الأعراض تبدأ.

8:10 نطلب الإسعاف.

الضابط تحرك بسرعة. طلب تحريات المباحث فوراً، وأمر بسرعة التحفظ على المج الأزرق وإرساله للطب الشرعي لإجراء التحليل البيولوجي والكيميائي لمعرفة المادة المسكوبة فيه. وفي ظرف ساعتين، كنا بنتعرض على وكيل النيابة في جلسة تحقيق عاجلة.

قعدت قدام وكيل النيابة، وسيف قاعد جمبي ماسك في طرف جاكتتي.

“يا فندم.. شريف مش بس كان عايز يقتلني عشان ياخد شقة الزمالك وبوليسة التأمين اللي بـ 10 مليون جنيه.. شريف ومامته الحجة قدرية وراهم حاجة أكبر بكثير. أنا لقطت صور للقطرة اللي كانت في مكتبه، ودي مادة ‘الديجوكسين’ بتركيز قاتل، مادة بتوقف عضلة القلب كأنها سكتة قلبية طبيعية. أداة جريمة لا يمكن طبيب عادي يحصل عليها بالكمية دي إلا لو كان بقوة نافذة جوة الميديا الطبية.”

وكيل النيابة كان بيسجل كل كلمة، وقبل ما يختم كلامه، دخل ضابط المباحث ووشه مشحوب. حط ملف أسود قدام وكيل النيابة وقال بصوت واطي: “يا فندم.. التحريات المبدئية عن شريف وحماتها جابت بلاغات قديمة مقفولة. المذكور كان متجوز قبليها بسنتين من سيدة أعمال وصاحبة سلسلة معامل، والتوفيت فجأة بسكتة قلبية في ظروف غامضة، وحصل على تركة ضخمة وبوليسة تأمين!”

الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. أنا ما كنتش الضحية الأولى.. أنا كنت الضحية الثانية في مسلسل منظم!

سيف حط إيده على بقها وقال بصوت واطي: “مامي.. في حاجة كمان ما قلتهاش.”

الكل بص لسيف. سيف فتح بقه وهو بيبلع ريقه بصعوبة: “يوم ما سمعتهم في المطبخ.. الحجة قدرية كانت بتقول لشريف: ‘ندى لو جرى لها حاجة، الدكتور كمال هيخلص أوراق الوفاة من المستشفى زي المرة اللي فاتت من غير ما حد يشك، والملف المقفول في التجارة الحرة هيتفتح’.”

هنا وكيل النيابة وقف على حيله: “دكتور كمال؟ مدير الطب الشرعي المستقيل ولا مدير المجمع الطبي؟”

الخيط بدأ يتكر. الجريمة ما كانتش مجرد طمع زوج في مراته عشان شقة وبوليسة تأمين، دي كانت شبكة كاملة لإدارة عمليات تجارة غير مشروعة في المستلزمات والأدوية المخدرة، وشريف والحجة قدرية كانوا الواجهة الاستثمارية ليها. والتغطية كانت بتتم عن طريق إصدار شهادات وفاة طبيعية للضحايا اللي بيكتشفوا السر أو اللي بيتم استغلالهم لغسيل الأموال!

على الساعة 4 الفجر، صدر قرار النيابة العامة:

* ضبط وإحضار المتهم شريف والمتهمة قدرية.

* استدعاء الدكتور كمال للتحقيق العاجل.

* توفير حراسة أمنية مشددة للدكتورة ندى وابنها سيف.

الشرطة تحركت فوراً بقوة من المباحث لفيلا بلطيم. بس لما القوة وصلت هناك مع أذان الفجر.. كانت المفاجأة!

الفيلا كانت مفتوحة على بحري، النور شغال، والأطباق على الترابيزة زي ما سيبناها، والمج الأزرق المكسور آثاره على الأرض.. بس شريف وأمه مالهمش أي أثر. العربيات كانت مركونة في الجراج، والتليفونات مغلقة.

الضابط كلم وكيل النيابة في التليفون: ” يا فندم، المتهمين هربوا على رجليهم في المزارع أو ركبوا عربية ثانية كانت مستنياهم على الطريق الدولي.”

الخوف رجع ينهش في قلبي تاني. شريف طليق، وعارف إن معايا السر اللي يوديه للعدام. هو مش هيهرب ويسيبني أعيش.. هو عارف إن موتي هو السبيل الوحيد لإغلاق الملف ده قبل ما النيابة تتوصل لباقي العصابة.

عدت 48 ساعة وأنا محبوسة مع سيف في شقة آمنة تابعة للشرطة تحت حراسة مشددة. الطب الشرعي طلع التقرير المبدئي: “الشاي يحتوي على نسبة عالية جداً من مادة الديجوكسين السامة المركزة، كفيلة بإيقاف عضلة القلب خلال 15 إلى 20 دقيقة.” التقرير ده كان كفيل بتحويل القضية لـ “شروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى