
في اليوم الثالث، الساعة 2 بعد منتصف الليل، الكهربا قطعت فجأة في العمارة السكنية الآمنة.
الهدوء كان مرعب. العمارة مظلمة تماماً. سمعت صوت حركة خفيفة برة الباب.. صوت خطوات مكتومة. العسكري اللي واقف حراسة برة ما أداش أي صوت!
سيف مسك فييا وهو بيموت من الرعب: “مامي.. هما هنا؟”
حضنته وخبأته جوة الدولاب وقلت له: “أوعى تطلع ولا تعمل أي صوت مهما حصل.. فاهم؟”
مسكت السكينة اللي كانت في المطبخ ووقفت ورا باب الشقة والدموع محبوسة في عيني. فجأة، سمعت صوت التكة بتاعة الكالون بيلف بالراحة.. الباب اتفتح ببطء شديد، وخيال طويل دخل من العتمة.
شخص لابس أسود في أسود، وفي إيده مسدس بكاتم صوت.
أول ما خطى جوة الصالة، هجمت عليه بالسكينة بكل قوتي، بس هو كان أسرع.. مسك إيدي وعصرها لحد ما السكينة وقعت، وزقني بقوة على الأرض. لما النور بتاع كشاف الشارع ضرب على وشها.. شهقت من الصدمة.
ما كانش شريف.. كانت الحجة قدرية!
وشها كان مشوه بالغضب والغل، ماسكة المسدس وموجهة الناحية صدري، وقالت بصوت واطي ومرعب زي فحيح الثعبان: “فاكرة نفسك ذكية يا دكتورة؟ فاكرة إنك هتهدبي المعبد علينا؟ شريف برة في العربية مستني، وأنا اللي جيت أخلص الشغلانة بإيدي عشان أصلح الغلطة اللي عملتيها لما رفضتي تشربي الشاي!”
رفعت إيدي وأنا على الأرض وبحاول أكسب وقت: “أنتِ أم؟ إزاي تعملي كده؟ قتلتوا كام واحدة قبل كدة؟”
ضحكت بصوت مكتوم مريض: “قتلت كل واحد وقف في طريقنا.. والشقة دي وبوليسة التأمين هيروحوا لشريف بعد ما تروحي أنتِ وابنك للي خلقكم!”
ربطت صباعها على الزناد.. في اللحظة دي، سمعت صوت حركة من وراها.
سيف طلع من الدولاب وهو شايل فازة رخام ثقيلة، وبكل قوته ضرب الحجة قدرية على دماغها من الظهر!
الحجة قدرية ترنحت والمسدس وقع من إيدها وعمل صوت على الأرض. ما استنيتش، هجمت عليها وثبتها على الأرض وأنا بصرخ بأعلى صوتي: “الحقووووونا!”
في نفس اللحظة، الباب اتكسر ودخلت القوة الأمنية المكلفة بمراقبة العمارة—اللي كانت عاملة كمين للمتهمين بعد ما تتبعت حركة تليفون الحجة قدرية الأرضي!
الشرطة قبطت على الحجة قدرية، وفي نفس الدقيقة المباحث طوقت العربية اللي كانت مستنية برة الشارع، وتم القبض على شريف وهو محاصر جوة العربية ومستني أمه تخلص الجريمة.
بعد شهر كامل من التحقيقات المكثفة، القضية أتحولت لمحكمة الجنايات. كشفت التحقيقات عن شبكة ضخمة لغسيل الأموال وقتل ثلاث سيدات سابقات بنفس الطريقة للحصول على ثرواتهن، وكان شريف والحجة قدرية هما الرأس المدبر بالتعاون مع دكاترة وقيادات فاسدة.
قعدت في القفص بصفتي المجني عليها والقتيلة التي نجدت بأعجوبة. شريف وأمه كانوا واقفين ورة القضبان الحديدية، وشوشهم أصفرة، والكلبشات في إيديهم. القاضي ضرب بالمطرقة وقال كلمته اللي هزت القاعة:
“بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أقوال الشاهد الطفل سيف، وتقرير الطب الشرعي للآثار المتبقية في المج الأزرق، قررت المحكمة إحالة أوراق المتهم الأول شريف والمتهمة الثانية قدرية إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي في إعدامهما…”
صوت الزغاريد والصرخات ملأ القاعة. بصيت لسيف اللي كان قاعد جمبي، حضنته بقوة وأنا بدمع. سيف ما كانش بس ابني.. سيف كان البطل اللي كشف كل المسرحية المرعبة دي.
خرجنا من المحكمة والشمس طالعة. أخدت نفس عميق حسيت فيه ولأول مرة بجد إن الهوا نظيف. مسكت إيد سيف ومشينا في شارع الجيزة.
بس وأنا بركب التاكسي عشان نرجع حياتنا الجديدة.. تليفوني رن برقم غريب مش مسجل.
رديت وأنا إيدي بتهتز: “ألو؟”
جالي صوت هادي وجامد، صوت راجل عمراني ما سمعته قبل كده، قال بنبرة واثقة وباردة:
“مبروك يا دكتورة ندى.. حبستي شريف وأمه. بس فاكرة إن القصة خلصت هنا؟ شريف وقدرية كانوا مجرد موظفين عندنا.. والملف الأصلي للعمليات لسه في إيدنا، والمج الأزرق اللي سلمتيه للنيابة.. كان فيه شريحة ميكروفيلم مستخبية في قاع الفخار أنتِ ما خدتيش بالك منها، والرجالة بتوعنا رايحين يجيبوها من حرز النيابة دلوقتي.. سلام يا دكتورة، أشوفك في الجولة الثانية.”
التليفون قطع.. والخط أدى صوت صفارة متقطعة.
وقفت في مكاني ومسمرة في الأرض، بصيت لسيف اللي كان بيبتسم لي ويقولي: “يلا يا مامي نمشي؟”
بلعت ريقي وبصيت للشارع المزدحم، وعرفت في اللحظة دي.. إن الكابوس ما انتهىش، ده يادوب كان البداية لحرب أكبر بكتير!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




