روايات وقص

س كريم

كريم فضل واقف مكانه وهو ماسك الظرف في إيده وباصص لندى كأنه مستني منها تفسر له الكلام اللي سمعه.

قال بهدوء:

ندى مسحت دموعها بسرعة وقالت:

ولا حاجة.

مدت إيدها تاخد الظرف منه، لكن كريم ماكانش مركز مع الظرف خلاص. كان مركز مع الصورة اللي كانت باينة نصها من فتحة الشنطة.

صورة قديمة لرجل شاب شايل بنت صغيرة على إيده وبيضحك.

كريم قرب خطوة.

الصورة وقعت من الشنطة على الأرض.

انحنى ياخدها، وأول ما قلبها وشاف وش الراجل، إيده اترعشت.

الدنيا حواليه اختفت للحظة.

كان شايف أخوه سامح قدامه.

نفس الملامح، نفس الابتسامة، نفس العلامة الصغيرة فوق حاجبه.

سامح اللي غاب من سبع سنين.

سامح اللي كل أهله كانوا فاكرين إنه رحل، وماسابش وراه غير شوية ذكريات وديون.

كريم رفع عينه لندى وقال بصوت مخنوق:

الراجل ده مين؟

ندى اتوترت وبسرعة حاولت تاخد الصورة.

دي صورة جوزي.

كريم ماحسش بنفسه وهو بيقول:

اسمه إيه؟

ندى سكتت.

كريم كرر السؤال:

اسمه إيه يا ندى؟

ندى بصت له شوية وبعدين قالت:

اسمه سامح.

الصوت اللي حوالي كريم اختفى تمامًا.

حتى يوسف كان بينادي عليه من بعيد لكنه ماكانش سامع.

سامح.

نفس الاسم.

نفس الصورة.

نفس الابتسامة.

كريم مسك الكرسي وقعد وهو مش قادر يستوعب.

قال:

سامح مين؟

ندى بصت له باستغراب:

سامح جوزي.

وبعدين سألت:

إنت تعرفه؟

كريم رفع عينه ليها:

ده أخويا.

ندى شهقت:

إيه؟

كريم حط الصورة قدامه على الترابيزة وقال:

أخويا غاب من سبع سنين.

ندى فضلت باصة له وهي مش قادرة تنطق، وبعدين قالت:

غاب؟

كريم هز راسه:

أيوه.

ندى رجعت خطوة لورا وقالت:

لا مستحيل.

سامح كان عايش معايا.

كريم حس إن قلبه هيخرج من مكانه.

قال بسرعة:

كان عايش فين؟

ندى ردت وهي مرتبكة:

في إسكندرية.

كريم اتفاجئ بشدة وقال:

سامح ماكانش في إسكندرية.

ندى قربت منه وقالت:

إنت بتقول إيه؟

كريم بص لها في عينيها وقال:

أنا حضرت مراسم وداعه.

الست سكتت تمامًا.

وفي اللحظة دي الجرسون جه وحط الأكل على الترابيزة.

مريم مدت إيدها ناحية طبق البان كيك، لكن ندى مسكت إيدها.

كريم قال بسرعة:

خلي البنت تاكل.

مريم بصت لأمها.

ندى هزت راسها.

مريم بدأت تاكل وهي فرحانة، لكن كريم ماكانش قادر يبعد عينه عن الصورة.

قال لندى:

إنتي متأكدة إن الراجل ده اسمه سامح؟

ندى ردت:

أيوه.

اسمه سامح حسن.

عنده أخ اسمه كريم.

كريم اتجمد.

ندى كملت:

وكان دايمًا بيحكيلي عن أخوه.

قال لي إن أخوه هو الشخص الوحيد اللي عمره ما سابه.

كريم بلع ريقه وبص ليوسف اللي كان بيضحك مع مريم.

وبعدين سألها:

إنتي كنتي متجوزاه إمتى؟

ندى قالت:

من تسع سنين.

كريم حسبها في دماغه.

يعني سامح كان متجوزها قبل اختفائه بسنتين.

طب ليه عمره ما قال لي؟

وليه ماعرفش عنها حاجة؟

وقبل ما يسألها السؤال الأهم، دخل راجل طويل للكافيه.

وقف عند ترابيزة ندى وقال ببرود:

إنتي لسه هنا؟

ندى وشها اتغير.

مريم بطلت أكل.

الراجل حط ورقة قدامها وقال:

أنا حذرتك.

قدامك تلات أيام وتخرجي من الشقة.

كريم بص للورقة وبعدين بص للراجل وقال:

إنت مين؟

الراجل رد باستهانة:

أنا صاحب البيت.

وبعدين بص لندى وقال:

وماحدش هيحاسبني على فلوسي.

كريم وقف.

لكن الراجل ابتسم وقال جملة خلت كريم يفهم إن اللي بيحصل مش مجرد مشكلة إيجار:

كل الناس شايفاها ضحية، بس محدش يعرف هي عملت إيه.

كريم بص لندى.

ندى كانت بتبص للأرض وبتعيط.

وساعتها كريم فهم إن أخوه سامح ماكانش مجرد اسم في صورة قديمة.

كان فيه سر.

وسر كبير.

لكن قبل ما كريم يقدر يسألها عنه، رن تليفونه.

رقم غريب.

رد وقال:

ألو.

جاله صوت رجل كبير من الناحية التانية:

إنت كريم أخو سامح؟

كريم اتعدل في وقفته:

أيوه.

الصوت قال:

لو عايز تعرف الحقيقة الكاملة عن اختفاء أخوك، تعالى لوحدك على العنوان اللي هبعتهولك.

وبعدها الخط اتقفل.

كريم بص لتليفونه، ثم رفع عينه ناحية ندى.

ولأول مرة بدأ يشك إن قصة اختفاء أخوه مختلفة تمامًا عن اللي كلهم كانوا مصدقينه.

وإن ندى ومريم كانوا آخر خيط ممكن يوصله للحقيقة.

لكن اللي ماكانش يعرفه إن الشخص اللي اتصل بيه كان بيراقبه من لحظة ما دخل الكافيه.

كريم فضل باصص للموبايل في إيده وهو حاسس إن قلبه بيخبط بعنف.

مين الشخص ده؟

وليه عارف اسمه؟

وليه بيتكلم عن اختفاء سامح كأنه حصلت فيه حاجة محدش يعرفها؟

ندى لاحظت التغيير اللي حصل في وشه وقالت:

في إيه؟

كريم حط الموبايل في جيبه وقال:

ولا حاجة.

لكن ندى فهمت إنه بيخبي عنها حاجة.

قالت وهي بتبص له بخوف:

ده له علاقة بسامح؟

كريم ما ردش.

ندى قربت منه وقالت:

أنا عارفة إنك مش مصدقني.

بس والله أنا ما كنتش أعرف إن ليه أخ.

كريم رد بعصبية:

إزاي يعني ما تعرفيش؟

كان جوزك.

ندى دموعها نزلت وقالت:

سامح عمره ما كان بيتكلم عن أهله.

كان دايمًا بيقول إن ماضيه انتهى.

كريم سألها:

وكان بيشتغل إيه؟

ندى سكتت شوية، وبعدين قالت:

كان شغال في شركة نقل.

كريم اتفاجئ.

سامح كان بيشتغل مهندس في شركة مقاولات.

ندى هزت راسها:

هو قال لي إنه اشتغل في المقاولات فترة وبعدين سابها.

كريم حس بقشعريرة.

يعني سامح كان عايش حياة كاملة في مكان تاني من غير ما حد من أهله يعرف.

وفجأة مريم شدت إيد كريم وقالت:

عمو كريم.

كريم بص لها.

قالت:

بابا كان بيقول إنك هتيجي تساعدنا.

كريم اتجمد.

ندى بصت للبنت بسرعة.

مريم كملت:

كان دايمًا بيقول إن عمو كريم مش هيسيبنا لو حصل لنا حاجة.

كريم حس إن عينه دمعت غصب عنه.

قرب من البنت وقال:

باباكي قالك كده إمتى؟

قالت:

قبل ما يغيب بيوم.

ندى بصت لمريم بدهشة وقالت:

مريم!

البنت سكتت.

كريم قام من مكانه وقال لندى:

أنا لازم أمشي دلوقتي.

ندى قامت وراه:

هتسيبنا؟

كريم بص لها:

لا.

أنا هساعدكم.

بس لازم أعرف الحقيقة.

طلع من جيبه ورقة صغيرة وكتب عليها رقم تليفونه وقال:

لو حصل أي حاجة كلميني.

وبعدين بص لمريم وقال:

وإنتي ماتخافيش.

مريم سألت:

هتساعدنا نفضل في بيتنا؟

كريم قال:

هحاول.

لكن قبل ما يخرج من الكافيه، سمع صوت الراجل صاحب البيت من وراه:

إنت داخل نفسك في حاجة ماتخصكش يا أستاذ كريم.

كريم وقف وبص له:

إنت عرفت اسمي منين؟

الراجل ابتسم ابتسامة باردة:

أنا أعرف عنك أكتر مما تتخيل.

كريم قرب منه:

إنت عايز منهم إيه؟

الراجل قال:

أنا عايز إيجاري.

كريم رد:

ولا عايز الورقة اللي في إيدك؟

الراجل اتغيرت ملامحه.

كريم لمح القلق في عينه فقال:

واضح إن الموضوع مش فلوس.

الراجل قرب منه وقال بصوت واطي:

لو عايز تعيش مرتاح، ابعد عن ندى والبنت.

كريم ابتسم بسخرية:

والله كده أنا اتأكدت إن لازم أتدخل.

خرج كريم من الكافيه وركب عربيته.

لكن قبل ما يدور العربية وصلته رسالة.

فتحها.

كان فيها عنوان، وتحت العنوان جملة واحدة:

سامح ما اختفاش في الحادثة.

كريم حس إن إيده بردت.

فضل يبص للرسالة، وبعدين بص في المراية.

اكتشف عربية سودا واقفة بعيد، جواها شخص بيراقبه.

كريم اتحرك بالعربية.

العربية السودا اتحركت وراه.

لف كريم أول شارع، والعربية لفّت وراه.

دخل شارع جانبي، والعربية دخلت وراه.

كريم فهم إن الشخص ده مش مجرد حد بيحاول يخوفه.

ده كان بيتابعه فعلًا.

وفي نفس اللحظة رن تليفونه.

نفس الرقم الغريب.

رد كريم وهو سايق:

ألو.

الصوت قال:

ما تروحش للعنوان.

كريم قال:

إنت مين؟

الصوت رد:

أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك سامح كان عايش ليه باسم تاني.

كريم ضغط على الفرامل فجأة.

العربية وقفت.

وقال:

يعني إيه باسم تاني؟

الصوت سكت ثانيتين، وبعدين قال:

يعني إن أخوك كان مستخبي.

ومش منك بس.

كان مستخبي من ناس لو عرفوا إنه عايش هيحاولوا يوصلوا له.

كريم بص في المراية.

العربية السودا كانت اختفت.

قال:

طب إنت ليه بتساعدني؟

الصوت رد:

أنا مش بساعدك.

أنا بحذرك.

وبعدين قفل.

كريم فضل ساكت.

وبعد ثواني فتح درج العربية وطلع صورة قديمة لسامح.

فضل يبص فيها، وبعدين قلب الصورة.

ولأول مرة لاحظ حاجة ماخدش باله منها قبل كده.

كان فيه رقم مكتوب بالقلم على ضهر الصورة.

رقم شقة.

كريم قلب الصورة تاني وقال لنفسه:

إيه اللي كان سامح بيخبيه عني؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى