روايات وقص

سحبت نفس طويل

سحبت نفس طويل وحطيت الموبايل على ودني، صوت شيرين كان فيه هستيريا مش طبيعية، صوتها اللي كان دايماً عالي وبيملا البيت بالتعالي والبرود، كان المرة دي بيلعثم والشهقة طالعة من زورها بالعافية:

“مريم.. الحقينا يا مريم! أمك وقعت من طولها في الشقة، والبيت غرقان مية من الحمام، وسيف عيا فجأة وبيستفرغ من الصبح وما معاييش جنيه واحد أوديه لدكتور، والمكتب طردني النهاردة عشان الكارثة اللي حصلت في العقد!! مريم أنتِ فين؟ تعالي وحياة أبوي تعالي.. البيت بيخرب!!”

قفلت السكة في وشها.. مش قسوة، لكن عشان كان لازم أقف ثانية وأستوعب إن كل حجارة الباطل اللي بنوها على قفايا، اتهدت فوق دماغهم في سبع أيام بس.

سبع أيام كانت كفيلة تفوقهم من الوهم. كانوا فاكرين إن البيت ماشية أموره ببركة دعاء الوالدين، ما كانوش عارفين إن البركة دي كان ليها اسم، ووقت، وصحة، ودم بيمشي في عروقي وأنا شايلاهم كلهم على كتافي.

أنا مريم، الدكتورة اللي كانت بتبات في شفتات القصر العيني بين جثث وحالات طوارئ ونزيف، وترجع البيت عشان تلاقي شفت تاني أصعب مستنيها: شفت الخادمة والمربية والمحاسبة والمسئولة عن كل كراكيب العيلة.

في اليوم اللي خرجت فيه بشنطتي الزرقا، ما رحتش الشارع زي ما شيرين اتوقعت. أنا كنت أذكى من كده. الشهور اللي فاتت، لما كنت بحس إن طاقتي بتخلص، كنت بحوش كل مليم زيادة من نبطشيات الطوارئ. أصلت مع صاحبتي هبة، دكتورة زميلتي في القصر، وكانت مأجرة شقة صغيرة قريبة من القصر العيني في المنيرة. لما حكيت لها، قالتلي كلمتها اللي أنقذت حياتي: “يا مريم، اللي يبيعك ببلاش، بيعيه وما تبصيش وراكي.. الشقة موجودة والسرير مستنيكي.”

أول ليلة نمتها في شقة هبة، كانت أول ليلة من ثلاث سنين أنام فيها ثماني ساعات متواصلة. ما حدش صحاني في نص الليل عشان “سيف عايز يشرب”، ما حدش خبط على الباب الصبح بدري يزعق “فين شراب المدرسة يا مريم؟”، ما حدش رماني بكلام زي السم وهو قاعد حاطط رجل على رجل.

في البيت عندهم، الأحداث كانت بتجري زي كرة التلج اللي نازلة من فوق الجبل.

من أول يوم خرجت فيه، شيرين اضطرت تقعد من الشغل عشان تجيب الولاد من المدرسة. طبعاً شيرين هانم بتصحى الساعة ضهرية، فالولاد راحت عليهم نومة، والمدرسة اتصلت بأمي تجيبهم. أمي اللي ركبها متدمرة من الخشونة، اضطرت تنزل السلم وتجر رجليها عشان تروح تجيبهم.

رجعت أمي البيت تلاقي المطبخ زي ما سبته.. الأطباق زي ما هي، الزبالة اتكومت، والريحة بقت لا تطاق. شيرين صرخت في أمي: “أنا ورتيا شغل من البيت يا ماما، أعملي أنتِ الأكل!”

أمي اللي متعودة إن الأكل بيطلع سفايح سفايح من تحت إيدي، جاهز ومتغطي، اضطرت تقف في المطبخ ساعتين. وبسبب عدم تركيزها وسكرها اللي علِي، نسيت الحلة على النار، والأكل تحرق، والدخان ملا الشقة، والولاد قعدوا يعيطوا من الجوع.

في اليوم الثالث، الشكايات بدأت تزيد. البواب خبط عايز فلوس الزبالة والنور. أمي دورت في الدباسة اللي كنت بشيل فيها الفواتير، ملقتش ولا مليم! طبعاً.. ما أنا اللي كنت بدفع من جيبي ومن تحويشتي كل شهر من غير ما أفتح بؤي.

لما أمي طلبت من شيرين تدفع، شيرين صرخت: “أنا معاييش سيولة النهاردة، الفلوس كلها في الشغل!”

وهنا بدأت الحقيقة المرة تبان.. شيرين اللي فاكرة نفسها بيزنس ومان وبتكسب آلاف من بيع الشقق، كانت بتصرف كل قرش بتكسبه على لبسها ومكياجها وخروجها مع أصحابها، وسايبة مصاريف أكلها وأكل عيالها وعلاج أمي عليا أنا وأمي!

اليوم الخامس كان القاضية.. السباكة في حمام الشقة اضربت. ماسورة المية العمومية اتقطعت. المية غرقت الصالة، ووصلت لخشب العفش. شيرين ما كانتش عارفة تعمل إيه، اتصلت بسباك، لما جه قالها: “دي عايزة الف وخمسمية جنيه قطع غيار مصنعية.” شيرين ما كانش معاها المبلغ، فالسباك قفل المحبس الرئيسي ومشي وسابهم من غير نقطة مية!

تخيلوا بيت فيه عيلين صغيرين وعجوزة ومفيش نقطة مية لمدة يومين! الغسيل اتكوم لحد السقف، الحمامات بقت جحيم، والولاد بدأوا يعيوا من قلة النظافة والأكل الدليفري الجاهز اللي شيرين كانت بتشتريه بالفيزت كارد اللي اتسحبت على مكشوف!

لكن الكارثة الحقيقية اللي حسدت عليها شيرين، كانت في شغلها.

شيرين كانت ماسكة بيعة شقة بمليون جنيه في التجمع الخامس، وكان المفروض تبعت الأوراق الرسمية والشيكات للمشتري في ميعاد محدد. طبعاً بسبب اللخبطة والولاد اللي بينطوا حواليها، والبيت اللي بيغرق، شيرين نسيت تبعت الورق، والمشتري طهق ولغى البيعة واشتكاها لشغلها، والمكتب طردها وفوراً فرض عليها شرط جزائي!

في لحظة واحدة، شيرين القوية، المتزوقة، اللي كانت بتقولي “كفالة عيالي مش شغلة”، لقيت نفسها غرقانة في المية والزبالة، معاها عيلين عيانين، أمها مريضة وواقعة على الأرض من التعب والسكر، ومفيش في جيبها مليم واحد، ومطرودة من شغلها!

وهنا، اتصلت بيا.

أنا لما سمعت كلامها في التليفون، ما جرتش زي زمان. ما خدتش تاكسي وجريت وأنا بنهج عشان أنقذهم.

قعدت على الكنبة في شقة هبة، شربت بق شاي بهدوء، وقلت لها بصوت واطي وثابت:

“شيرين.. مش أنتِ قلتِ إن العيشة معايا كانت ببلاش؟ ومش أنتِ قلتِ إن اللي بعمله مش شغل وما يسواش؟ وريني بقى شطارتك.. اتصرفي زي أي بني آدم بالغ بيفهم، زي ما أمك قالتلي بالظبط.”

شيرين عيطت بصوت طالع من قعر زورها: “مريم أبوس إيديكي! أمي تموت! سيف بيموت في حضني! المية غرقت البيت والكهربا اتطفت! والله العظيم ظلمناكي.. والله العظيم عرفنا إنك أنتِ اللي كنتِ شايلة البيت ده كله! تعالي بس ونعملك اللي أنتِ عايزاه!”

قلت لها: “أمي أنا هاجي أخدها أوديها المستشفى بنفسي وأكشف عليها.. لكن البيت؟ والولاد؟ ومصاريفك؟ دي مسئوليتك أنتِ يا شيرين. أنتِ أم، ولازم تتعلمي تبقي أم.”

نزلت القصر العيني، طلبت عربية إسعاف من زمايلي، ورحت على البيت.

لما فتحت باب الشقة، الصدمة كانت رهيبة.

الريحة كانت كانك داخل خرابة. المية واصلة لحد السجاد، أمي مرمية على السرير وشها أصفر زي الليمونة ومش قادرة تتنفس، وسيف وياسين قاعدين في زاوية بيبكوا ورجليهم مليانة طين، وشيرين قاعدة على الأرض، شعرها منكوش، مكياجها سايح، ومكسورة كسر عمرها ما شفته في عينيها.

أول ما أمي شافتني، مدت إيديها المرتعشة ومسكت في هدومي: “سامحيني يا مريم.. سامحيني يا بنتي.. البيت اتهد من غيرك.. اتارينا كنا عايشين في خيرك ونعيمك وإحنا مش داريين!”

بصيت لأمي بحزن، بس بحسم: “يا أمي، أنا بنتك.. مش خادمتك. أنا اللي كنت بنضف، وأنا اللي كنت بطبخ، وأنا اللي كنت بدفع الفواتير، وأنا اللي كنت بسهر بعيال أختي، وفي الآخر تقوليلي ادفعي إيجار؟”

أمي عيطت بحرقة: “حقك عليا يا بنتي.. حقك على راسي.. ارجعي ومش عايزين منك جنيه.. إحنا اللي هندفعلك بس ارجعي شيلانا!”

شيلانا.. الكلمة دي رنت في ودني. هما مش عايزين مريم الشاعرة، ولا مريم الدكتورة.. هما عايزين “الشايلة”. عايزين الحمارة اللي بتجر الساقية من غير ما تشتكي.

قلت لها: “لا يا أمي.. أنا مش راجعة.”

شيرين قامت وقفت وهي بتترجاني: “مريم عشان خاطري! طب العيال؟”

قلت لها بصوت ناشف: “العيال عيالك يا شيرين. أنتِ خلفهم، أنتِ تشيليهم. أنا خالتهم، أزورهم، أجيب لهم لعب، أفسحهم.. لكن مش هبقى الأم البديلة اللي بتشيل قذارتك وتعبك وأنتِ عايشة دور الهانم. أنتِ من النهاردة هتعرفي يعني إيه شقى ويعني إيه بيت ومسئولية.”

أخدت أمي على عربية الإسعاف، دخلتها الطوارئ في القصر العيني، علقت لها محاليل، وظبطت لها السكر، وقعدت جنبها لحد ما فاقت وبقت كويسة. دفع من جيبي مصاريف المستشفى والأدوية، عشان دي أمي، وده واجبي الديني والإنساني تجاهها.. لكن حدودي كانت خلاص اترسمت بدم قلبي وما كانش فيه رجوع.

بعد أسبوعين.. أمي خرجت من المستشفى. بس ما رجعتش الشقة القديمة معايا. أمي اضطرت ترجع الشقة مع شيرين.

بس الشقة ما عادتش زي زمان.

شيرين اضطرت تنزل تدور على شغل تاني، بس المرة دي نزلت تشتغل سكرتيرة في مكتب صغير بمرتب أقل من نص مرتبها القديم، عشان تقدر توافق بين شغلها وعيالها. اضطرت تصحى الساعة ستة الصبح، تحضر سندوتشات عيالها بنفسها، وتغسل هدومهم بيديها، وتنضف الشقة بعد ما ترجع عرقانة ومعدومة الصحة.

أمي اضطرت تقعد بالعيال وهي بتتحرك بالكرسي المتحرك اللي أنا اشتريتهولها، وتساعد على قد ما تقدر من غير ما تتأمر.

وأنا؟

أنا أجرت أوضة وصالة صغيرة جنب المستشفى. فرشتها على ذوقي. حطيت فيها ورد، وكتب، وكرسي هزاز أقعد عليه أقرأ وأشرب قهوتي في هدوء.

بقيت أروح البيت القديم مرة كل أسبوع.. أزور أمي، أجيبلها علاجها، أقعد معاها ساعتين، أضحك مع الولاد، وأجيب لهم حلوى.. وبعدين ألم حاجتي وأمشي.

شيرين كانت بتبصلي كل مرة بكسرة وحسرة. كانت شايفاني نضفت، وشي ردت فيه الروح، السواد اللي تحت عيني اختفى، وضحكتي بقت طالعة من قلبي. كانت بتشوفني وتفتكر أيام ما كانت بتقولي: “كفالة عيالي مش شغلة.. ومش هتكملي يومين بره الشارع.”

في يوم من الأيام، وأنا قاعدة عندهم في الزيارة الأسبوعية، شيرين كانت بتغسل المواعين وهي ضهرها مكسور من التعب، والولاد بيبكوا عايزين أكل، وأمي بتنادي عليها تشغل التلفزيون. شيرين بصتلي وهي بتعيط وتقولي: “أنا مش قادرة يا مريم.. أنا بقع.. أنتِ كنتِ بتعملي ده كله إزاي لوحدك وبابتسامة؟”

ابتسمت لها بهدوء وقلت لها: “كنت بعمله عشان كنت بحبكم.. بس أنتِ وأمي افتكرتوا إن الحب ده ضعف، وإن العطاء ده واجب مفروض عليا.. ولما استخسرتوا فيا كلمة حلوة وراحة بال، وسألتوني عن الإيجار.. قررت أوريكم إن ثمن وجودي في البيت ده ما كانش بيتقدر بفلوس.”

قمت وقفت، لبست جكتتي، وبست رأس أمي اللي كانت بتعيط في صمت ومكسوفة تبص في عيني.

أمي مسكت إيدي وقالتلي: “يا مريم.. مش ناوية ترجعي تعيشي معانا؟ الشقة فضيت عليكِ يا بنتي.. والبيت ملوش طعم.”

رديت عليها وأنا بفتح باب الشقة ومبتسمة: “البيت بيبقى ليه طعم لما كل واحد يعرف حقه وحجمه يا أمي.. أنا كده مرتاحة، وأنتو كده بتتعلموا.”

خرجت ونزلت السلم، وسمعت صوت الباب بيتقفل ورايا.

الشارع كان هادي، والهوا البارد بيخبط في وشي. لأول مرة في حياتي أحس إن كتافي خفيفة، إن رقتي ومشاعري مش مستغلة، وإن حياتي ملكي أنا بس.

لكن.. القصص اللي زي دي، عمرها ما بتنتهي بسلام تام.

بعد ست شهور من خروجي من البيت، وحياتي اللي استقرت تماماً.. وفي ليلة شتا دافية، وانا قاعدة في شقتي الصغيرة بعد يوم طويل في العمليات، جالي إشعار على الموبايل.

رسالة من رقم غريب، فتحتها ولقيت صورة وثيقة رسمية..

وثيقة زواج بأثر رجعي، بين أختي شيرين.. وبين شخص ما كان يخطر على بال جن إنها ممكن تتجوزه أو حتى تسلم عليه!

وتحت الصورة كانت فيه رسالة بصوت شيرين، بصوت مرعوب وبيقسّم:

“مريم.. الشقة اللي أمك قاعدة فيها.. اتكتبت باسمه النهاردة الصبح، وهو جاي يطرد أمك في الشارع بعد ساعة!! الحقيني يا مريم.. الشقة راحت، وأمك هترمى في الشارع!”

وقفت في نص الأوضة، والموبايل بيترعش في إيدي.. البيعة الكبيرة اللي كانت شيرين هتتمها زمان، والسر اللي كانت مخبياه عن العيلة كلها، ظهر النهاردة.. وأمي اللي ظلمتني عشان البيت، أصبحت في لحظة واحدة.. مالهاش بيت من الأساس!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى