روايات وقص

الست ابو نظاره

الست أبو نظارة لمحت الخوف في عينين الناس، لكن بدل ما تتراجع، هجمت زي الديبة المفترسة عايزة تخطف الكيس من إيدي. “هاتي الزفت ده هنا! انتوا اتجننتوا؟ دي زبالة! البت لمة زبالة في شنطتها وانتوا كبرتوا الموضوع!”

قبل ما إيدها تلمس الكيس، الأستاذ حسام بتاع الألعاب وراجلين من أولياء الأمور كانوا نزلوا بيني وبينها. الأستاذ حسام مسك دراعها بقوة: “اهدي يا ست أنتِ! مفيش حركة من مكانك لحد ما نفهم في إيه!”

“تفهموا إيه يا أوباش؟” الست كانت بتصرخ بصوت هيستيري، ونظارتها الشمس اتخلعت وسقطت على الأرض. وراء النظارة، ظهرت عينين مليانة شر وجشع، وشكلها بقى مرعب. “أنا هوديكم في داهية! انتوا بتتهجموا عليا في وسط الشارع؟ هطلب لكم البوليس!”

“اطلبي البوليس يلا!” صوت أبلة ماجدة المديرة جه من ورايا، بس المرة دي مكنش صوتها المتوتر العادي. كان صوت ست مسؤولة حسيت بالخطر. مسكت تليفونها المحمول وكانت بتتصل فعلاً: “أنا ببلغ النجدة حالاً.. قسم الشرطة قريب من هنا ومش هيتأخروا.”

الست أول ما سمعت كلمة “النجدة”، لون وشها اتغير. البياض اختفى وحل محله صفار باهت كأنه لون الموت. حاولت تملص دراعها من الأستاذ حسام، لكن الرجالة كانوا محاوطينها تماماً.

أنا كنت قاعدة على ركبي في التراب. الريحة اللي طالعة من الشنطة كانت تخنق، ريحة عفن وثقل بيضغط على الصدر، بس الخوف اللي كان في عينين مريم كان أصعب بكتير من الريحة. البت كانت بترتعش زي ورقة شجر في مهب الريح.

ضميتها لصدري. كانت خفيفة أوي، كأنها هيكل عظمي ملفوف في هدوم. سلمى بنتي كانت واقفة جنبي، ماسكة في دراعي بكل قوتها، وعينها مش مفارقة الكيس الأسود الملفوف بالشريط الرمادي.

“مريم.. يا حبيبتي”، قلت لها بصوت هادي بحاول أطمنها بيه رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة: “محدش يقدر يلمسك ولا يأذيكي طول ما أنا هنا. قوليلي.. طمنيني.. إيه الكيس ده؟ وماما فين؟”

مريم رفعت عينها المليانة دموع. شفايفها المشققة كانت بتهتز، وصوتها طلع واطي ومبحوح كأنه جاي من بئر مهجور: “طنط جيهان… مرات عمي… قالت إن ماما سابتني وسافرت دبي عشان تشتغل… وقالتلي لو فتحت بؤي أو حكيت لأي حد… هتعمل فيا زي ما عملت في قطتي…”

الناس اللي واقفة حوالينا شهقوا في نفس اللحظة. الست—اللي طلعت مرات عمها جيهان—بدأت تصرخ وتسب وتلعن: ” بتكدب! البت دي مجنونة وبتاخد أدوية نفسية! دي بتتبلى عليا! يا أستاذ سيب دراعي بقولك!”

مريم كملت كلامها وهي باصة في عيني ومجاهلة صريخ جيهان، كأنها أخيرًا لقيت البر اللي هترسي عليه: “يوم الثلاثاء… جيهان كانت بتتخانق مع ماما في المطبخ عشان البيت… سمعت صوت حاجة بتقع تقيلة أوي… وبعدها ماما مطلعش لها صوت تاني… جيهان دخلتني الأوضة وقفلت عليا بالمفتاح يومين… ولما خرجتني، لقيت شقة ماما مقفولة بسلسلة وقفل… وقالتلي ماما سافرت.”

“والكيس ده؟” سألتها وأنا حاسة إن أطرافي اتجمدت من البرودة رغم حرارة الجو.

“الكيس ده…” مريم مسكت في قميصي: “جيهان جابتهولي الصبح، وحطته في الشنطة وقالتلي ارميه في مقلب الزبالة الكبير اللي ورا المدرسة وأنا راجعة… وقالتلي لو الشنطة اتفتحت أو حد شاف اللي فيها… هتحبسني في الأوضة المظلمة ومفيش أكل تاني…”

الريحة اللي كانت طالعة من الكيس مكنتش محتاجة تفكير كتير. كل اللي واقفين في الحوش فهموا. الصمت اللي نزل على المدرسة كان مرعب. المهرجانات كانت لسة شغالة في الخلفية بصوت واطي، وزينة الجمعة الملونة كانت بتهتز مع الهوا، بس المشهد كان تحول لكابوس مظلم.

في أقل من عشر دقائق، سرينات عربيات الشرطة كانت بتزلزل الشارع البراني. صفارات الونش وصوت الكلاكسات زاد، ودخل الحوش ضابط برتبة مقدم ومعاه أربعة من أمناء الشرطة.

الضابط بصلنا بسرعة، قيم الموقف بذكاء رجل أمن خبير. شاف جيهان وهي بتموت نفسها عشان تهرب من الرجالة، وشافني وأنا حاضنة مريم والكيس الأسود مرمي قدامنا على الأرض.

“إيه اللي بيحصل هنا؟” الضابط قالها بصوت صارم.

أبلة ماجدة اتكلمت بسرعة وشرحت له اللي حصل في كلمات قاطعة. الضابط قرب من الكيس، وطي شوية، ومن غير ما يلمسه، وش وشّه بعيد وطلب من أمين الشرطة يجيب قفازات وطاولة معقمة من عربية الإسعاف اللي وصلت وراهم.

جيهان أول ما شافت البوليس حاصرها، بدأت تغير طريقتها. سكتت عن الصريخ وبدأت تعيط بدهاء: “يا حضرة الضابط! أنا ولي أمر البنت دي! أمها هربت وسابتها في رقبتي، والبنت دي عندها هلاوس! الكيس ده فيه أكل فاسد من الفريزر وهي أخدته من غير ما أعرف!”

الضابط بص لها بنظرة باردة، وبعدين بص لمريم: “يا حبيبتي، أنتِ خايفة منها؟”

مريم هزت رأسها بأه بسرعة، ودفنت وشها في رقبتي.

“يا أمين شرطة”، الضابط أمر: “كلبش الست دي وحطها في العربية فوراً.”

 

“الدليل هيبان حالا”، الضابط قالها بثبات وهو بيلبس القفاز الطبي.

المشهد كان سينمائي بامتياز. كل أهالي المنطقة والأطفال اتجمعوا حولين السور، واقفين في ذهول. الأستاذ بتاع الدي جي فصل الكهرباء خالص، وساد صمت تام، مفيش غير صوت أنفاس مريم السريعة وصوت فتح الشريط الرمادي اللي كان ملفوف على الكيس.

الضابط استخدم كاتر صغير وقطع الشريط بحذر.

لما الكيس الأسود اتفتح، ظهر جواه كيس تاني أبيض شفاف، وجواه… قطعة قماش ملطخة بالدم الناشف، وجزء من سجل مدني، وكارت بفيزا بنكية، و… خصلة شعر طويلة مجدولة بنفس طريقة شعر مريم، وفيها توقة شعر حمراء.

مريم أول ما شافت التوقة الحمراء، صرخت صرخة قطعت قلوب كل اللي واقفين: “توقة ماما! دي بتاعة ماما!”

الضابط غمض عينه لحظة بأسى، وبعدين قفل الكيس بسرعة وأمر الأمين: “تحفظ على الأدلة دي فوراً. واطلب النيابة العامة وتيم الأدلة الجنائية يتحركوا على عنوان بيت البنت.”

جيهان لما شافت التوقة والكارت البنكي، ركبها خبطت في بعضها. الضحكة الصفرا والشر اللي كان في عينها تحولوا لرعب خالص. وقعت على ركبتها في حوش المدرسة وهي بتهمس: “هي اللي استفزتني… هي اللي كانت عايزة تأخد الشقة وتطردني… مكنش قصدي أقتلها…”

في المستشفى، الأطباء كشفوا على مريم. طلع عندها سوء تغذية حاد، وكدمات قديمة وجديدة في كل جسمها ناتجة عن ضرب مبرح بأجسام صلبة. سلمى كانت قاعدة جنبها على السرير، بتطعمها حتة بسكويت وبتصحح لها الضفيرة النكش اللي كانت عاملة زي ضفيرتها.

“أنا متأسفة يا مريم”، سلمى قالتها وهي باصة للأرض: “أنا قلت إن ريحتك وحشة قدام المدرسة كلها…”

مريم بصت لسلمى، ولأول مرة ألمح ابتسامة صغيرة أوي، مكسورة بس حقيقية، على وشها: “أنتِ أنقذتيني يا سلمى… لو مكنتيش قلتي كده… كان زماني جوة الأوضة الضلمة تاني… أو كان زماني جرالي زي ماما…”

الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. الطفلة دي، بذكائها وفطرتها، هي اللي خلت الكارثة دي تتكشف. لو مكنتش سلمى صممت وفتحت الشنطة، كانت جيهان جردت الشقة، وتخلصت من بقية الجثة، واختفت مريم للأبد.

بعد ساعتين، الضابط جه المستشفى ومعاه وكيل النيابة عشان ياخدوا أقوال مريم المبسطة وأقوالي. الضابط قالنا إن قوة من الأدلة الجنائية اقتحمت الشقة بناءً على اعتراف جيهان.

لقوا جثة الأم—الله يرحمها—مخفية جوة دولاب حائط في أوضة النوم المتقفلة بسلسلة، وكانت جيهان مخططة إنها تنقلها بالليل بمساعدة شخص تاني جارهم، لكن وجود الكيس اللي كان فيه متعلقات الأم والدم الفاسد في شنطة مريم كان غلطتها القاتلة اللي فككت كل مخططها.

“الست دي مجرمة محترفة”، وكيل النيابة قال لي بصوت واطي بعيد عن مريم: “كانت ناواية تتخلص من الجثة النهاردة بالليل، وكانت جهزت ورق مزور بيفيد إن الأم باعت لها الشقة وسافرت برة مصر. وبكرة الصبح كانت هتاخد مريم وتوديها دار أيتام في محافظة تانية تحت اسم مستعار.”

قشعريرة مشيت في جسمي كله. المصير اللي كان مستني الطفلة دي كان أبشع من الموت نفسه.

لما جه الليل، وبعد ما النيابة خلصت المعاينة، كان لازم مريم تروح مكان آمن. دور الرعاية أو دور الأيتام كانت هي الخيار القانوني المتاح مؤقتاً لحد ما يبان لو ليها قرايب تانيين من ناحية الأب.

لما الممرضة جت عشان تجهز مريم، مريم مسكت في رقبتي وبدأت تصرخ بهيستيريا: “لا! متسبنيش يا طنط! مش عايزة أروح مع حد غريب! خليني معاكي ومع سلمى!”

سلمى بصتلي بدموع ترجي: “عشان خاطري يا ماما… خليها تبات معانا النهاردة… الشقة عندنا كبيرة ومكانها موجود!”

أنا جوزي كان متوفي من سنتين، وعايشة أنا وسلمى لوحدنا في شقتنا الصغيرة في حلمية الزيتون. قلبي مكنش هيتحمل أبداً إني أسيب الطفلة دي تروح دار رعاية في الليلة اللي اكتشفت فيها إن أمها اتقتلت.

بصيت لوكيل النيابة وقدمت طلبت رسمي لاستضافتها بضمانتي الشخصية لحين استكمال التحقيقات وظهور قرايبها. وبعد اتصالات وموافقات استثنائية نظرًا للظروف النفسية للطفلة، وافقوا إنها تيجي معايا البيئة الآمنة دي تحت رعاية الشؤون الاجتماعية.

أخدت مريم وسلمى ورجعنا البيت.

البيت كان هادي، والليل كان نزل على القاهرة. حممت مريم بماء دافئ، ولبستها بيجامة من هدوم سلمى. الريحة العفنة راحت تماماً، وحل مكانها ريحة الصابون والورد. أكلتها شوربة دافية، وقعدتها جنب سلمى في السرير.

سلمى مسكت إيدها وقالت لها: “خلاص يا مريم… الكابوس خلص… أنتِ هنا في أمان.”

مريم نامت أخيراً، نوم عميق من غير ما تتفزع أو تقوم تصرخ.

أنا قعدت في الصالة، مش عارفة أنام. شريط الأحداث كان بيمر قدام عيني زي الفيلم المرعب. البنت الصغيرة دي شالت سر مرعب لمدة أربعة أيام، سر كان ممكن يقتلها.

حوالي الساعة ثلاثة الفجر، وتحديداً في الهدوء المريب بتاع آخر الليل، سمعت صوت حركة خفيفة جاية من المطبخ.

قمت بالراحة، افتكرت مريم أو سلمى طالعين يشربوا مية.

مشيت في الطرقة الضلمة بخطوات هادية. النور بتاع المطبخ كان مطفي، بس الضوء بتاع الشارع كان داخل من الشباك وموضح الخيالات.

لقيت مريم واقفة قدام الرخامة بتاعة المطبخ.

كانت واقفة ساكتة تماماً، ضهرها ليا.

“مريم؟” قلتها بصوت واطي أوي عشان متتخضش: “بتعملي إيه يا حبيبتي؟ عطشانة؟”

مريم متلفتتش ليا على طول. ظلت واقفة في مكانها ثواني.

وبعدين، لفت وشها بطريقة بطيئة أوي.

في الضوء الضعيف الجاي من الشباك، شفت وشها. مكنش وش الطفلة الخايفة المرعوبة اللي كانت في المستشفى. عينها كانت واسعة أوي، ومفيهاش أي دموع… كان فيها هدوء غريب ومخيف.

في إيدها الصغيرين، كانت ماسكة المفتاح الحديد الصدي الكبير… بتاع الشقة القديمة بتاعة أمها… المفتاح اللي المفروض البوليس تحفظ عليه في موقع الجريمة!

قلبي سقط في رجلي. “مريم… المفتاح ده جابته منين؟”

مريم قربت مني خطوة بخطوة، صوت رجليها العارية على السيراميك كان بيعمل صدى صوت مرعب. رفعت إيدها والمفتاح في قبضتها، وقالتلي بصوت واطي، بصوت مكنش صوت طفلة عنده تمان سنين خالص… صوت كان فيه نبرة ارتياح غريبة تقشعر لها الأبدان:

“طنط أمل… جيهان مقتلتش ماما في المطبخ يوم الثلاثاء زي ما قلت للبوليس…”

اتجمّدت في مكاني، ومش قادرة آخد نفسي: “أومال… إيه اللي حصل يا مريم؟”

مريم ابتسمت ابتسامة عريضة، ومالت عليا وهمست في ودني:

“أنا اللي قفلت على جيهان وماما في الأوضة… وأنا اللي اديت لجيهان السكينة عشان تخلصني من ماما… بس جيهان نسيت إن المفتاح التاني… كان معايا أنا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى