
الطريق كان ساكت بطريقة تخوف. شوارع القاهرة بالليل مالهاش أمان، الشوارع فاضية والأضواء الخافتة بتاعة أعمدة النور بتطبع خيالات على وش مريم وهيا ماسكة الدركسيون بإيدين بترتعش. مكنتش بتتكلم، ولا أنا كنت قادر أسأل. الصمت بيننا كان أتقل من الجبل، وكل دقيقة بتعدي كانت أعصابي بتتفحم فيها.
لما وصلنا منطقة “زاوية الشيخ”، المنطقة كانت أشباح. العمارات القديمة المبنية من الخمسينات واقفة جنب بعضها زي حراس مهجورة. نزلت مريم من العربية ومشيت قدامي بخطوات سريعة، وأنا وراها، كل خطوة على السلم الفخار المكسور كانت بتعمل صوت صدى يعلّي ضربات قلبي.
وصلنا الدور التالت. باب شقة خشب قديم، القشرة بتاعته متقشرة ومدهون ببوية خضرا ممسوحة. مريم طلعت المفتاح، وحطته في القفل بالراحة وكأنها خايفة تصحي كابوس.
أول ما الباب اتفتح، خبطت في مناخيري نفس الريحة اللي شميتها في العربية: خليط بين المطهرات، وريحة رطوبة العفن، وريحة دوا قديم.
“ادخل يا حسام..” مريم قالتها بصوت واطي ومكسور وهي بتولع النور.
اللمبة النيون الرعاشة نورت الصالة. الشقة كانت شبه فاضية؛ كنبة مكسورة، ترابيزة خشب عليها علب دوا متكرمشة، وستاير متهالكة. بس اللي شد انتباهي، كان الصوت اللي جاي من الأوضة الجوانية. صوت دبت رجلين ضعيفة بتتحرك ببطء، وصوت همهمة ومشية حد بيجر رجله.
مريم مشيت ناحية الأوضة، وأنا مشيت وراها زي المغيب. أول ما فتحت الباب، شفت ست قاعدة على طرف السرير.
ست كبش فداء للزمن. شعرها أبيض زي التلج، قليل ومكشوف منه فروة رأسها، وشها مليان تجاعيد غريقة كأنها خريطة وجع، ولابسة جلابية كستور قديمة ومبلولة من عند الصدر. أول ما الست دي رفعت عينها وشافت مريم، وشها اتفرش بابتسامة طفولية غريبة.. وبصتلي أنا، فجأة ابتسامتها اختفت، وعيونها وسعت برعب مش طبيعي.
الست صرخت بصوت حشرجي: “محمد؟! لا.. لا يا محمد! ما تضربنيش تاني! والله ما أخدت الأوراق! والله ما حكيت لحد!”
وقفت مكان في أرضي. جسمي اتخشب. محمد ده يبقى اسم أبويا الله يرحمه!
مريم جريت عليها بسرعة، حضنتها وحطت إيدها على بقها بتطمنها: “ده مش محمد يا أمي.. ده حسام.. ده حسام ابني.. قصدي حسام جوزي.. ما تخافيش يا فوزية، محدش هيلمسك.”
أمي؟!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. رأسها طارت منها وأنا باصلها بذهول.
“أُمك؟!” صوتي خرج بالعافية، مخنوق. “أنتِ مش قلتي لي إن أمك وأبوكي ماتوا في حادثة وأنتِ صغيرة وربتك خالتك في الصعيد قبل ما تموت هي كمان؟!”
مريم غطت الست اللي كانت بترتعش زي الورقة في حضنها، وبصتلي والدموع نازلة من عينها زي المطر.. دموع غضب ووجع وقرف.
“كنت عاوزني أقولك إيه؟” مريم صرخت بصوت مكتوم عشان ما تفزعش الست. “أقولك إن أبوك المحترم.. الأستاذ محمد الشاذلي، المهندس الكبير اللي الناس كلها بتشهد بأخلاقه.. هو اللي دمر أمي؟ أقولك إن أبوك هو اللي رمى أمي في الحارة دي وحبسها وعمل فيها اللي خلاها تجيلها جلطة وزهايمر مبكر من كتر الضرب والخوف؟!”
الدنيا دارت بيا. السقف كان بيقع عليا. “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتِ؟! أبويا أنا؟ أبويا مات من عشر سنين والناس كلها بتحلف بحياته!”
مريم سابت أمها بالراحة بعد ما هزتها ونامت على السرير زي الأطفال، وقامت وقفت قدامي. مسكتني من ياقت قميصي وعيونها فيها شرار:
“أبوك الشريف.. من 42 سنة، كان شغال مع أبويا في نفس الشركة. أبويا كان المحاسب المالي، وأبوك كان المهندس المسؤول عن المناقصات. أبوك سرق الشركة.. زوّر إمضاءات، وحط الاختلاس كله فوق دماغ أبويا! أبويا دخل السجن ومات جواه بالقهرة بعد سنتين! وأمك وأبوك.. ما اكتفوش بكده! عشان يضمنوا إن أمي ما تتكلمش ولا تفتح بقها بالورق الأنيق اللي كان مع أبويا.. أبوك حبس أمي هنا! في الشقة دي! كان بييجي يهددها، يضربها، وياخد منها مصاريفها، ويمارس عليها كل أنواع الإذلال لحد ما الست فقدت عقلها!”
أنا كنت بستمع والكلام يدخل وذاني زي مية النار. مش قادر أستوعب.
“طب وأنتِ…” كملت بصعوبة، “أنتِ اتجوزتيني ليه؟ لو ده حصل.. اتجوزتيني ليه يا مريم؟! أنتِ كنتِ بتنتقمي مني؟!”
مريم قعدت على الأرض على ركبتها، وغطت وشها بإيديها وبكيت بكاء يهد الجبال.
“أنا ماكنتش اعرف يا حسام!” مريم قالت وهي بتشهق. “أنا لما اتعرفت عليك في الجامعة وحبيتك، كنت فاكرة إن قصة أبويا وأمي مجرد حادثة قديمة.. أمي كانت اختفت وأنا عندي 6 سنين وخالتي ربتني وقالتلي إن أمي ماتت! أنا عشت عمر كلو فاكرة إن أمي متوفية! لحد من سنة واحدة بس…”
رفعت مريم وشها ليا، وكان لونها أصفر زي الموتى:
“من سنة.. جالي اتصال من ست جارتنا قديمة هنا في الزاوية.. قالتلي إن الست اللي محبوسة في الشقة دي بتنادي باسمي وهي بتموت. جيت جري.. لقيت أمي! لقيتها عايشة في الزبالة، بتاكل من الأرض، ومخها رايح تماماً! ولما ابتدت تتكلم في لحظات الإفاقة النادرة.. حكتلي كل حاجة. حكتلي عن الستارة، وعن الأوراق، وعن المهندس محمد الشاذلي اللي كان بيجي يضربها عشان تترعش وما تنطقش!”
مسكت رأسي بإيديا الاثنين. حاسس إن دماغي هتنفجر. أبويا؟ الرجل اللي كنت بشوفه قدوتي؟ الرجل اللي علم الصلاة والأمانة؟ يكون مجرم بالشكل ده؟
“وليه ما حكيتليش؟!” صرخت فيها. “ليه ما جيتيش قولتيلية بدل ما تستغفليني كل الشهور دي؟!”
“أقولك إيه؟!” مريم صرخت هي كمان ووقفت قدامي. “أقولك إن أبوك المتوفي هو السبب إن أمي بتعمل على نفسها؟ أقولك إن الهدوم اللي بغيرها في العربية دي بتبقى مليانة قذارة وبول ومطهرات لأن أمي مبتعرفش تخش الحمام وأنا اللي بينضفها كل يوم قبل ما أرجعلك؟ أقولك إن الريحة الرخيصة دي برشها عشان أغطي على ريحة العفن اللي بتلصق في جسمي عشان ابنك ما يشمهاش ويسألني؟ أقولك إن فلوس العلاج والادوية اللي بشتريها لأمي باخدها من وراك عشان خايفة تفتكر إنني باستغلك؟!”




