
وقف قلبي لحظة، وكأن الزمن اتجمد بيا في مكتب المحامية. الفيزا دي مقفولة من أربع سنين! الفيزا دي أنا شايلاها في الدرج المقفول جوة كمدينو أوضة نومي، الدرج اللي ما حدش في الدنيا معاه مفتاحه غيري.. أو ده اللي كنت فاكراه! بصيت لـ “أستاذة ماجدة” المحامية ودموعي نازلة بسسكو، صوتي طلع مبحوح ومكسور:
— الفيزا دي في بيتي يا أستاذة.. جوة أوضتي.. كريم ابني هو الوحيد اللي معاها نسخة من مفتاح الشقة دي عشان لو جرالي حاجة!
المحامية سحبت النظارة من على عينها وسندت ضهرها على الكرسي، ملامحها كانت صارمة جدًا وقالتلي:
— مدام ماجدة، إحنا خلاص خرجنا من منطقة “خلاف عائلي على شقة”، إحنا دلوقتي قدام “جريمة تنظيمية مع سبق الإصرار والترصد”.. ابنك ومراته مش بس خططوا يسرقوا الشقة، دول كانوا بيبنوا ملف كامل عشان لو فكرتي تروحي للنيابة، يطلعوكي ست كبيرة خرفت، وبتراجع في كلامها وهديتها عشان الغيرة!
الكلمة نزلت عليا زي السكينة.. “خرفت”! ابني اللي سهرت عليه الليالي وهو سخن، اللي كنت بفرشله الأرض حرير، يخطط يتهمني بالخرف عشان شوية حيطان وفلوس؟!
رجعت بيتي في التجمع والتعب يهد الجبال. البيت كان فاضي وساكت، صوت السكتة فيه كان يخوف. دخلت أوضة نومي رأسًا، مشيت بخطوات تقيلة ناحية الكمدينو، فتحت الدرج بالمفتاح الصغير اللي شايلاه في سلسلتي.. سحبت العلبة الصفيح القديمة اللي حاطة فيها محفظة المرحوم “حسين” جوزي الله يرحمه.
فتحت المحفظة.. إيدي كانت بـترتعش بشكل هيستيري.
الكروت كلها كانت موجودة: بطاقته، رخصة السواقة، كارت النادي.. بس كارت الفيزا المربوط بالحساب القديم المغلق اللي فيه مبالغ بسيطة.. مكانش موجود!
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة برة الأوضة.
تسمرت مكاني. أنا قفلت الباب الوراني بالمفتاح؟ أيوه.. طب مين جوة البيت؟!
سحبت نفسي بالراحة وطلعت على الطرقة، لقيت ندى، مراته! واقفة بكل عين جافة في صالة بيتي، ماسكة في إيدها مفتاح ومجلة كانت على الترابيزة بتقلّب فيها ببرود!
أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة استفزازية تقرف، وقالتلي بقمة قلة الأدب:
— مساء الخير يا حماتي.. أصل كريم قاللي أجي ألم بقية هدومه وحاجاته اللي هنا.. طبعًا إنتِ عارفة إننا مش هنعرف نعيش معاكي في مكان واحد بعد الحركة البايخة اللي عملتيها في البنك!
دمي فار، كل ذرة أمومة جوايا اتبخرت في الثانية دي وحل محلها غضب ست اتغدر بيها من أقرب الناس ليها.
قربت منها بثبات وقسوة عمري ما عرفتها في نفسي:
— بقى أنتِ ويا جزمة ابنك بتسرقوا كارت المرحوم من أوضتي عشان تعملوا خط تليفون تفبركوا بيه رسائل؟! أنتِ فاكرة نفسك بتلعبي مع مين يا ندى؟!
ضحكت بنبرة عالية وتريقة:
— كارت إيه ورسائل إيه يا حاجّة؟ إنتِ شكلك فعلاً كبرتي والزهايمر بدأ يلعب في دماغك! الرسائل دي من تليفونك، وأنتِ اللي كاتباهملنا بخط إيدك وبعتاهم، ونفسيتك تعبت لما عرفتي إننا اتجوزنا من غير ما نعرفك عشان كدة عايزة ترجعي في كلامك! وبعدين بصراحة كدة.. الشقة دي كبيرة عليكي قوي، ست لوحدها في التجمع تعمل إيه بكل المساحة دي؟ أمي أولى بفلوس القرض، أمي بيتها يترهن عشان تتستر، وأنتِ معاكي ملايين مش عارفة توديها فين!
مكانتش بتتكلم كإنها مجرمة خايفة، كانت بتتكلم بمنطق إن ده حقهم وشرعهم!
سحبت تليفوني من جيب الروب بسرعة ورفعت الصبابة في وشها:
— بتهدديني في بيتي؟ وتدخلي بغير إذن؟ قدامك دقيقتين بالظبط وتكوني برة الشقة دي، وإلا والله العظيم هطلب النجدة واعملك محضر اقتحام وتعدي!
ندى قربت مني بخطوة تخوف، عينيها كانت مليانة غل:
— اطلبي النجدة يا ماجدة هانم.. اطلبيها! بس افتكري إن ابنك هو اللي هيتسحب في الكلبشات قبلي، كريم هو اللي ماضي على أوراق الشهر العقاري، كريم هو اللي خد الفيزا من درك وهو اللي نفذ كل حاجة! أنا مجرد زوجة بريئة ماليش دعوة.. تحبي تشوفي ابنك الوحيد في اللومان بالبدلة الزرقاء؟ وريني شطارتك بقا!
سابتني ومشيت، ضربت الباب وراها بمنتهى القسوة، وسبتني واقفة في وسط الصالة.. قلب يتعصر من الوجع.
كانت صح.. ابنك هو اللي هيتسحب! الواد الغبي سلم نفسه ورقبة عيلته لبنت كانت بتخطط لدمرنا عشان تنقذ أهلها!
تاني يوم الصبح، كنت قاعد في مكتب الأستاذة ماجدة.
— إحنا قدامنا طريقين يا مدام ماجدة — الأستاذة قالتها وهي بتفرد الملفات قدامي — طريق نضغط بيه قضائياً بتهم التزوير واستعمال محرر مزور وسرقة الكارت، وده معناه إن كريم وندى حيلبسوا القضية سوا وهياخدوا مش أقل من 3 لـ 5 سنين سجن مشدد.
غمضت عيني ودموعي نزلت:
— والطريق الثاني؟
— الطريق الثاني إننا نعملهم “كمين قانوني”.. نخليهم يتلخبطوا ويكشفوا ورقهم بنفسهم قدام النيابة. ندى فاكرة إنها أذكى من النظام، وفاكرة إنها كدة حامية نفسها ورامية كريم في المدفع.
— ازاي؟
— هنعمل نفسنا اتراجعنا، ووافقنا على الصلح.. بس بشرط!
الخطة كانت دقيقة ومحبوكة زي المشرط. اتصلت بكريم. أول ما سمع صوتي قالي بجفاء:
— خير يا أمي؟ المحامية بتاعتك قالتلي إنك عايزة تتكلمي؟
حاولت أخلي صوتي يطلع ضعيف ومكسور، ست عجوزة خايفة على ابنها:
— يا كريم.. أنا مش قادرة استحمل المجرورة دي.. أنت ابني الوحيد، ومش هتحمل أشوفك بتتسحب في القضايا.. أنا موافقة أتنازل عن قضية التزوير وأسيبلك الشقة وتفكو حظر القرض.. بس بشرط واحد.
نبرة صوته اتغيرت فوراً من الجفاء لللهفة والشماتة:
— شرط إيه يا أمي؟! قولتلك من الأول بلاش المحاكم والكلام الفاضي ده!
— تيجي أنت وندى وأمها نتقابل في الكافيه اللي جنب حسام المحامي بتاعكم، ونكتب عقد اتفاق جديد.. تنازل رسمي مني قدام المحاميين، وتكتبوا لي إنتوا إنكم مديونين ليا بمبلغ بسيط عشان أضمن إنكم مش هترموني في الشارع لما أكبر.
كريم بلع الطعم بمنتهى السهولة:
— ماشي يا أمي.. بكرة الساعة 4 نتقابل.
في الكافيه، القعدة كانت تشبه مسرحية هزلية.
ندى داخلة وراسي مرفوعة كأنها كسبت الحرب، وأمها “شاديّة” قاعدة جمبها حاطة إيد على إيد وبتبصلي بنظرة تشفي، وكريم قاعد بالنص بينهم زي العروسة اللعبة.
الأستاذة ماجدة المحامية كانت قاعدة جمبي، ومحامي كريم كان قاعد قصادها.
طلعت الأستاذة ماجدة الورق، وقالت بصوت هادي:
— إحنا جهزنا إقرار التنازل من مدام ماجدة عن الدعوى وعن الشقة.. بس قبل ما تمضي، موكلتي محتاجة تتأكد إن القرض ده رايح فعلاً لفك أزمة بيت المدام شادية، عشان نضمن إن الفلوس مش هتضيع في الهوا وابنها يتحبس في الأقساط.
شادية أم ندى اتكلمت بابتسامة صفرا:
— طبعاً يا حبيبتي.. الفلوس هتدخل في حساب بنك (..) للرهن العقاري، وكريم وندى هيمضولي إن الشقة بتاعتي في المهندسين هتبقى بضمان كريم لحد ما يسدد القرض.




