روايات وقص

وانا ماسكه التليفون

أيدي كانت بترعش وأنا ماسك التليفون، الشاشة منورة باللون الأبيض الثلجي، والحروف السودة النازلة على الفولدر كان ليها شكل النمل الميت. “التسجيل رقم 412 – الساعة 2:15 بالليل:

 

هدى هددتني تاني النهاردة.. قالتلي لو فتحت بؤي لطارق، هتنفذ اللعبة. قالتلي إنها معاها ورق ممضي بصمات إيدي إني نازلة عن نصيبي في الشقة، ومعاها عقود بيع صورية بتثبت إني بعت نصيبي ليها هي شخصياً من سنتين. وقالتلي كمان إنها مسجلة لي مكالمات مفبركة بالذكاء الاصطناعي مع واحد صاحبي قديم، وتهديدها كان واضح: لو سبت البيت أو طردتها أو حكيت لطارق، الورق هيترفع للقضاء وأنا هتحبس بتهمة التزوير والنصب، والمكالمات هتوصل لطارق في الشغل وتدمر شرفه وشغله وصورته قدام الناس. طارق بيحب أمه، مش هيصدقني.. وهيقتلني لو شك إني بفكر أبعده عنها.”

عيني كانت بتمسح السطور، والدم في عروقي بيتحول لتلج.

أمي؟

أمي Beatriz—أقصد هدى—الست اللي كانت بتصحى الفجر تعملي شاي باللبن وأنا بذاكر في ثانوية عامة؟ الست اللي كانت بتبكي لما يجيلي شوية برد؟

هي هي الست اللي خططت وحسبت، وشغلت دماغها عشان تدمر حياه البنت اللي اختارتها بنفسي؟

التليفون وقع من إيدي على السجادة بنفس الطريقة اللي وقع بيها الظهر. التفت لورا، شفت ندى قاعدة على طرف السرير، لافة نفسها ببطانية، وشها أصفر زي الليمونة، وشفافها المفتوحة معلمة بالدم الناشف. عينها كانت مثبتة عليا بتراقب رد فعلي.. كان في عينها خوف مرعب، مش من أمي.. خوف مني أنا! خوف إني أطلع زي أمي، أو إني أعتبر كل ده “مبالغات حريم”.

قربت منها بالراحة، مشيت على طراطيف صوابعي كأني بقرب من عصفور مكسور الجناح. قعدت على الأرض قدامها، تحت رجليها، ومسكت إيدها بين إيديا الاتنين. كانت بتترعش.

— “ندى..” بصوت كان مكسور ومخنوق. “ندى، أنتِ قلتي إيه؟ عقود؟ ومكالمات؟ هي عملت فيكي كل ده وأنتِ ساكتة؟”

ندى نزلت دموعها فجأة، وبدأت تتكلم بصوت طالع بالعافية، صوت مخنوق بالشهقات:

— “أنا كنت خايفة عليك يا طارق.. أمك مش سهلة. أمك من أول يوم دخلت فيه الشقة هنا بعد ما أبايا وأمي ماتوا في الحادثة، وهي شايفاني دخلت أخدتك منها. لما عرفت إني كتبت نص الشقة باسمك وباسمك أنت وهي في البداية قبل ما نغير العقود، بدأت تلعب لعبتها. هي استغلت إني لوحدي مالياش حد.. مالياش ظهر ولا سند بعد أبوي. كل ما تضربني، كانت بتقولي: ‘لو طارق عرف، هقوله إنك أنتِ اللي زقتيني، وهوريه الورق اللي يوديكي في داهية.. أنتِ فاكرة إنه هيصدق الغريبة ويغضب أمه؟'”

الكلمات كانت بتنزل على دماغي زي المطارق.

الست دي مش مجرد ست متسلطة.. الست دي مريضة، مجرمة، خططت لكل خطوة بعناية إجرامية.

— “والورق ده فين يا ندى؟” سألتها وأنا بحاول أجمع شتات عقلي اللي طار.

— “في دولابها.. في الخزنة الصغيرة اللي هي جايباها بقفل ديجيتال ومحدش بيقرب منها. هي شايلاها في أوضتها اللي أنت لسة طاردها منها.”

قمت وقفت زي المجنون. الأوضة اللي كانت قاعدة فيها أمي كانت مقفولة. دخلت الأوضة، كانت ريحة بخورها وريحة برفانها لسة في الجو، ريحة كانت زمان بتحسسني بالأمان، ودلوقتي بتموتني من القرف.

فتحت الدولاب، وفعلاً، في القاع كان في خزنة حديد سودة صغيرة، بالرقم السري.

أنا مهندس برمجة، والخزنة دي من الأنواع العادية اللي بتعتمد على نظام تشفير بدائي ممكن يتفك أو يتقطع بقاطع هيدروليكي، بس أنا ماكنتش محتاج ده.. أنا كنت عارف أمي. أمي بتستخدم تاريخ ميلادي أنا في كل حاجة.

حطيت التاريخ: 1 4 0 8.

“تك”.

الخزنة اتفتحت!

قلبي كان بيلف في قفصي الصدري زي الطير المذبوح. سحبت الفولدر اللي جوة الخزنة. فتحته تحت ضوء الأباجورة الأصفر.

كان في عقود تنازل ممضية ومبصومة باسم ندى!

بصيت في التوقيع.. التوقيع كان مزور بمهارة، بس البصمة؟ البصمة كانت حقيقية! افتكرت وقتها، من سنة تقريباً، لما ندى تعبت وأمي جابت لها دوا مهدئ وقالت إن الدكتور كتبه عشان تنام.. أمي تبصم ندى وهي غايبة عن الوعي تحت تأثير الدوا!

وكان في كارت ميموري صغير مسجل عليه الفويسات المفبركة.

حطيت الكارت في تليفوني وركبت السماعات.

سمعت صوت ندى.. صوتها بالظبط! بتتكلم مع راجل وبتقول كلام يطير الرقاب، كلام يطعن أي راجل في شرفه. التقنية كانت الذكاء الاصطناعي، صوت ندى مأخوذ من فيديوهات الفرح والستوريهات اللي كانت بتنزلها على إنستجرام، متفبرك ببرنامج تركيب أصوات.

أنا قعدت على الأرض مسنود على الدولاب، وبكيت.

بكيت زئير زي الدبيحة.

أمي.. أمي هي الشيطان اللي كان عايش وسطنا!

في اللحظة دي، التليفون في إيدي رن.

الشاشة نورت باسم: “أمي”.

رديت بسرعة، وبصوت محبوس:

— “أيوة يا أمي.”

صوتها جايل من الناحية التانية، مش صوت الست المكسورة اللي كانت بتبكي من شوية، صوت سارد، بارد، ميهوش أي رحمة:

— “فتحت الخزنة يا طارق؟ شفت الفولدر؟”

اتسمرت مكاني.

— “أنتِ.. أنتِ عارفة إن الرقم السري تاريخ ميلادي؟”

ضحكت ضحكة صفرا عبر التليفون، ضحكة ترعب:

— “أنا اللي مربياك يا طارق، وعارفة إنك أول ما هتهدى وهتدور ورانا هتفتح الخزنة. طبعاً ندى حكتلك، والبنت الغبية فاكرة إنك لما تشوف الورق ده هتخرج تبلغ عني أو تطلقها.. بس أنا اتصلت أقولك حاجة واحدة بس يا باشمهندس.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى