
— “عايزة إيه يا هدى؟” (لأول مرة في حياتي أناديها باسمها المجرد).
صوتها بقى زي السم:
— “عايزة حق سنين عمري اللي ضاعت عليك! الشقة دي من بكرة الصبح، النص اللي في الورق يتسجل باسمي رسمياً، أو قسم الشرطة هيستلم العقود دي والمكالمات، ومراتك الحامل هتبات في التخشيبة بتهمة التزوير والنصب، والبروفايل بتاعك على الشغل وفي شركتك الكبيرة هتوصله نسخة من المكالمات دي.. هخليك تمشي في الشارع ووشك في الأرض، وهخلي البت دي تولد في السجن!”
— “أنتِ مش بني آدمة.. أنتِ إيه؟!” صرخت فيها.
— “أنا أمك! اللي خرجتك من الدنيا دي ورفضت أتجوز عشان أربيك، وجاي في الآخر تبيعني عشان حتة بت أصلها وفصلها مقطوع؟ قدامك 24 ساعة يا طارق. يا تسجل الشقة، يا تتفرج على دمار بيتك وشرفك.”
قفلت الخط في وشي.
قعدت في الظلام والسكوت، صوت أنفاسي كان زي الصدى. ندى كانت واقفة عند باب الأوضة، ماسكة بطنها المرفوعة، والدموع مغرقة وشها.
— “سمعتها؟” سألتني ندى بقلة حيلة.
مشيت ناحيتها، مسكت وشها بإيديا الاتنين، وبست دماغها:
— “أنا بأسفلك يا ندى.. بأسفلك عن كل نقطة دم نزلت منك، عن كل قلم خدتيه وأنا نايم في العسل وأقول ‘شغل وبرمجة’. بأسفلك إن الراجل اللي اتجوزتيه كان أعمى. بس وحياة بنتنا اللي في بطنك دي، الحقير اللي عمل فيكي كدة هيتدفع التمن.. حتى لو كانت أمي.”
بدأت الحرب.
أول حاجة عملتها، أخدت ندى على المستشفى فوراً. عملنا تقرير طبي شامل: كدمات في الوش، نزيف في الشفايف، آثار شد في فروة الراس، ونزيف خفيف في الرحم بسبب الضغط العصبي والصدمة الفسيولوجية. دكتور النساء والتوليد قال إن الحمل في خطر، ولابُد من الراحة التامة.
التقرير الطبي ده كان أول سلاح في إيدي.
تاني يوم الصبح، الساعة 8 صباحاً.
ما نمتش ولا دقيقة.
نزلت لمكتب صاحب عمري ورفيق كفاحي، “أحمد”، وهو محامي جنائي شاطر جداً ومجنون في شغله.
قعدت قدامه، حطيت الفولدر والكارت الميموري والتقارير الطبية على المكتب.
أحمد قرأ الورق، سمع التسجيلات، وشافه الـ 412 سجلاً اللي ندى كانت كاتباه باليوم والساعة.
أحمد بصلي بعد ما خلص بذهول وقال:
— “طارق.. أنت متأكد إن دي أمك؟ دي تشكيل عصابي قائم بذاته! الورق ده، البصمة اللي عليه حقيقية، وده الخطر الوحيد. التزوير في التوقيع أمره سهل بالأدلة الجنائية، بس البصمة محتاجة نثبت إنها أتاخدت تحت تأثير مادة مخدرة أو عدم وعي.”
— “والتسجيلات؟” سألته.
أحمد ابتسم ابتسامة خبيثة:
— “التسجيلات الفبركة بالذكاء الاصطناعي أدلة هشة جداً دلوقتي قدام مباحث الإنترنت والطب الشرعي الرقمي. هنجيب خبير مباحث إنترنت، وهنعمل فحص للصوت، وهنطلع الـ Audio Metadata وهنثبت إن الصوت متقطع ومتجمع من استوريهات ندى. بس الموضوع ده بياخد وقت في المحاكم.. وأمك مش هتستنى.”
— “طب والحل؟ أمي مدية مهلة 24 ساعة بس.”
أحمد سكت شوية، بيفكر، وبعدين ضرب إيده على المكتب:
— “الحل إننا نلعب بنفس طريقتها.. بالخديعة والضغط العكسي. هي فاكرة إنك خايف من الفضيحة وخايف عليها هي كأم.. إحنا هنخليها هي اللي تخاف!”
الساعة 4 عصراً.
جمعت كل حاجة. رتبنا الكمين بالظبط.
اتصلت بأمي.
— “ألو.. يا هدى.”
— “خير يا طارق؟ عقلت؟ عرفت إن الله حق؟”
— “أنا مستنيكي في الشقة.. هات المعامي بتاعك وتعالي عشان نسجل العقود ونخلص من القرف ده. أنا مش مستعد أخسر شغلي ولا اسمي عشان موضوع فاشل زي ده.”
صوتها كان فيه نبرة انتصار مرعبة:
— “أيوة كده! ده ابن هدى اللي نعرفه.. ساعة وأكون عندك مع الأستاذ فريد.”
فريد ده كان محامي تحت السلم، راجل مشبوه وبيجري ورا القضايا الشمال، وأمي كانت متفقة معاه.
بعد ساعة، خبط الباب.
فتحت الباب. كانت واقفة وبجنبها راجل ببدلة كحلي مجعدة، وشنطة جلد قديمة. أمي دخلت بثقة، وبصت للشقة بإنها خلاص بقت ملكها الخاص.
ندى كانت قاعدة في الصالة، جنب أحمد المحامي بتاعي.
أمي أول ما شافت أحمد، حاجبها اترفع:
— “مين ده يا طارق؟ إحنا مش اتفقنا نخلص الموضوع بيننا وبين بعض؟”
أحمد قام وقف، وبابتسامة باردة جداً، قال:
— “اتفضلي اقعدي يا مدام هدى.. الأستاذ فريد اتفضل اقعد. أنا أحمد، محامي ندى وطارق.”
فريد المحامي اتوتر شوية، بس قعد وقال:
— “إحنا جايين ننفذ الاتفاق وصيغة التنازل عن القضايا ومحاضر التزوير مقابل النص بتاع الشقة.”
أنا قعدت، وبصيت لأمي في عينها مباشرة. لأول مرة في حياتي أبصلها بدون الخوف أو الاحترام التقليدي.. كنت ببصلها كأنها خصم في حلبة.
— “هدى.. أنتِ فاكرة إنك ماسكانا من إيدنا اللي بتوجعنا، صح؟” قلتلها بصوت هادي جداً.
أمي فتحت شنطتها وسحبت ورقة:
— “أنا معايا حق القانون يا طارق! البصمة حقيقية والمكالمات موجودة!”
أحمد سحب ملف أسود كبير من شنطته وحطه على الترابيزة بيننا.
— “مدام هدى..” أحمد بدأ يتكلم بنبرة قاطعة زي السيف. “البصمة اللي على العقود حقيقية فعلاً، بس جنائياً، البصمة المأخوذة لشخص تحت تأثير مادة مخدرة بتعتبر تزوير بالإكراه وإضرار بالمجني عليه. وإحنا معانا تقرير طب شرعي مبدئي وتحليل دم لندى بيثبت وجود مواد مهدئة بتركيزات عالية في جسمها في نفس الفترات اللي كانت بتتحسن فيها عندك في البيت. ده غير الـ 412 تسجيل اللي ندى كاتباه بالساعة والدقيقة.. والتاريخ اللي مكتوب فيه ‘أم طارق أدتني حباية بيضا وقالتلي دي فيتامين للحمل’.”
أمي وشها بدأ يتغير، بس حاولت تتظاهر بالقوة:
— “كلام فارغ! ده تحوير! والمكالمات؟ المكالمات بصوتها هي بتخون ابنك مع صاحب أخيها!”
أحمد طلع لاب توب، وفتحه، وشغل فيديو.




