روايات وقص

م حكايه دهب وسليم

الفصل الأول: الزوجة التي لم يعرفها

منذ أربع سنوات، كان سليم الهلالي يعيش في القاهرة بعيدًا عن الصعيد.

كان رجل أعمال ناجحًا، حياته مليئة بالعمل والسفر والاجتماعات، ولم يكن يسمح لأي شيء أن يعطله عن خططه.

لكن ما لم يعرفه أحد، أن سليم كان متزوجًا.

زواجًا تم في الصعيد تحت ضغط جده.

كان جده قد أصر على زواجه من دهب، ابنة عمته، حفاظًا على وعد قديم بين العائلتين.

سليم وافق على الزواج فقط حتى يرضي جده، لكنه لم يحاول حتى أن يتعرف على زوجته.

وبعد انتهاء مراسم الزواج، عاد إلى القاهرة وأرسل دهب إلى شقة تابعة لسكرتيرته، وأخبرها ببرود:

ـ اقعدي هناك لحد ما الأمور تهدى، وبعد فترة هطلقك وننهي الموضوع.

لم تجادله دهب وقتها.

كانت صغيرة، مرتبكة، ولا تعرف كيف تتصرف.

مرت الأيام ثم الشهور، وسليم لم يسأل عنها إلا نادرًا.

أما دهب، فكانت تتغير يومًا بعد يوم.

تعلمت، ودرست، وطورت من نفسها، وأصبحت تعرف كيف تدير الأعمال وتتحدث بثقة، بل وسافرت إلى الخارج لفترة قصيرة، وعادت بشخصية مختلفة تمامًا.

وفي يوم، قررت أن تعود إلى حياة سليم…

لكن ليس كزوجته.

بل كامرأة لا يعرفها.

امرأة تجعله يكتشف بنفسه قيمة الشخص الذي أهانه يومًا.

كانت حفلة الشركة في أوجها.

رجال الأعمال يتحدثون، والموسيقى الهادئة تملأ المكان، والموظفون يتحركون بين الضيوف.

وفجأة، دخلت دهب.

كانت ترتدي فستانًا أحمر أنيقًا، وخطواتها ثابتة، وملامحها هادئة وواثقة.

توقفت الأحاديث لثوانٍ.

كل الأنظار اتجهت إليها.

كان سليم واقفًا بعيدًا يتحدث مع شريكه فؤاد.

رفع عينيه نحو الباب…

فتوقف عن الكلام.

ظل ينظر إليها دون أن يشعر.

كان هناك شيء مألوف في عينيها.

شيء لم يستطع تحديده.

اقترب فؤاد منه وقال مبتسمًا:

ـ شايف اللي داخلة علينا دي؟

سليم لم يرد.

فؤاد ضحك:

ـ إيه يا عم؟ شكلك نسيت الكلام!

سليم أخيرًا قال:

ـ مش عارف… حاسس إني شفتها قبل كده.

وفي الجهة الأخرى، كانت دهب تقف بجوار صديقتها سالي.

قالت بصوت منخفض:

ـ سالي، أنا خايفة.

ـ خايفة من إيه؟

ـ سليم عمال يبصلي بطريقة غريبة. خايفة يعرفني.

ابتسمت سالي بثقة:

ـ متخافيش. إنتِ دلوقتي مش البنت اللي سابها في الصعيد. إنتِ دهب الجديدة. خليكي قوية.

دهب أخذت نفسًا عميقًا.

ـ عندك حق.

وفي اللحظة نفسها، اقترب فؤاد منها ومد يده قائلًا:

ـ تسمحيلي بالرقصة دي يا آنسة؟

نظرت دهب إليه، ثم لمحت سليم واقفًا بعيدًا يراقبهما.

ترددت لحظة.

ثم كادت تضع يدها في يده…

لكن فجأة، امتدت يد أخرى وأمسكت بيدها.

يد سليم.

سحبها بعيدًا عن فؤاد، وسط دهشة الجميع.

قال بصوت منخفض لكنه غاضب:

ـ لأ.

دهب رفعت عينيها إليه.

ولأول مرة منذ أربع سنوات…

وقفت أمام زوجها.

زوجها الذي لم يعرف وجهها.

نظر سليم إلى عينيها، وشعر بقلبه يخفق بقوة.

قالت دهب ببرود:

ـ في حاجة؟

سليم ظل صامتًا للحظات.

ثم ترك يدها وقال:

ـ آسف… افتكرتك حد أعرفه.

ابتسمت دهب ابتسامة صغيرة.

ـ يمكن فعلًا تعرفني.

ثم ابتعدت عنه.

ظل سليم واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه.

أما دهب، فكانت تمشي وهي تخفي ابتسامتها.

لقد بدأت لعبتها.

وفي اليوم التالي، وصل إلى سليم اتصال من جده.

ـ ارجع الصعيد يا سليم.

ـ ليه يا جدي؟

ـ فيه كلام لازم تعرفه.

ذهب سليم إلى الصعيد، وهناك وجد جده ينتظره.

قال الرجل العجوز بصرامة:

ـ بقالك أربع سنين بعيد عن مراتك يا ابن الهلالي.

سليم عقد حاجبيه.

ـ مراتي؟

ـ أيوه… دهب.

تجمد سليم.

ـ دهب؟

ثم أضاف مرتبكًا:

ـ بس دهب… أنا ما شفتهاش غير يوم كتب الكتاب.

الجد ضرب بعصاه الأرض:

ـ وده اللي أنا غضبان منه! البنت عاشت أربع سنين وهي مراتك، وإنت سايبها كأنها ملهاش وجود.

سليم سكت.

ثم قال:

ـ هي فين؟

نظر إليه جده طويلًا.

ـ كانت هنا.

سليم:
ـ كانت؟

ـ مشيت.

ـ راحت فين؟

الجد:
ـ القاهرة.

سليم شعر بشيء غريب في صدره.

تذكر المرأة التي رآها في الحفلة.

الفستان الأحمر…

العينان…

نبرة الصوت…

فجأة، بدأت الصورة تتجمع في رأسه.

همس لنفسه:

ـ مستحيل…

وفي القاهرة، كانت دهب تقف أمام المرآة، تنظر إلى نفسها بثقة.

ثم قالت لسالي:

ـ دلوقتي دوري بدأ.

سالي ابتسمت:

ـ ولسه سليم ما يعرفش إن الست اللي عينه راحت وراها من أول لحظة…

دهب أكملت الجملة بنفسها:

ـ هي مراته اللي رماها من أربع سنين.

ثم ابتسمت.

لكنها لم تكن تعرف أن سليم، للمرة الأولى في حياته، بدأ يبحث عن الحقيقة بنفسه… وأن اكتشاف الحقيقة لن يكون نهاية اللعبة، بل بدايتها الحقيقية.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى