منوعات

سحبت مريم في حضني

سحبت مريم في حضني، كله كان لسه بينتفض زي عصفور مبلول في ليلة شتا. شقتها الفخمة في الكوربة، اللي كانت من برة تبان زي بيوت المجلات، بقت في عيني زي سلخانة مدارية ورا الحيطان العازلة للصوت.

الحاجة إلهام كانت واقفة في وسط الصالة، مبرقة وعينيها بتطلع شرار، لسه ماسكة سبحتها الكهرمان وبتفرك فيها بغل وهي بتبصلي وتبص للباب اللي لسه مقفول بعد ما البوليس خد ابنها.

“عاجبك كده يا ست نادية؟” صوتها طلع مسرسع، مليان حقد وغرور لسه متكسرش. “فضحتونا قدام البواب والجيران! جايبة البوليس لحد باب بيت ابن المستشار؟ عشان قلمين؟ الستات ياما بتنضرب وياما بتستحمل عشان بيوتها تعمر، إنما أنتِ داخلة علينا بقلب جاحد وعايزة تخربي عش بنتك!”

وقفت بطولي، وسندت مريم على الكنبة الجلد القطيفة. مشيت ناحية إلهام براحة، خطوة بخطوة، لحد ما بقيت مفيش بيني وبينها غير شبر واحد. بصيت في عينيها اللي مليانة لؤم وقلت لها بصوت واطي ومسموع:

“ابنك المستشار ده، الليلة هيبات في الحجز مع رد السجون. والبيت اللي أنتِ خايفة على خَرابه، ده مكنش عش، ده كان مَشرحة لبنتي. اسمعي يا إلهام.. تلاتين سنة في المحاكم علمتني إني مابسيبش حقي، فما بالك بقا لما يبقى حق حتة من قلبي؟ ابنك مش هيشوف الشمس تاني قريب، وأنتِ.. لمي هدومك واطلعي برة الشقة دي حالا، عشان الشقة دي بكرة الصبح هتبقى تحت الحجز والتمكين.”

الست اتصدمت، لسانها اتعقد ومبقتش عارفة ترد، وشها اصفر وبقت تبص حواليها كأنها بتدور على شريف يحميها. سيبتها ودخلت أوضة مريم، لمتلها شوية هدوم في شنطة سريعة، وطلعت أخدت بنتي في إيدي ونزلنا. الجيران كانوا واقفين على السلالم وباصين من ورا الشيش، يادوب بيهمسوا وبيتوشوشوا. ركبت مريم العربية في الكرسي اللي جنمبي، وطول الطريق لمصر الجديدة، في شوارع القاهرة الفاضية في نص الليل، مكنش مسموع غير صوت شهقاتها المكتومة.

وصلنا بيتي. البيت اللي مريم اتربت فيه. دخلتها أوضتها القديمة، غيرت لها هدومها، وجبت علبة الإسعافات الأولية. بدأت أمشي بالقطنة والمطهر على وشها، وعلى دراعاتها اللي مليانة علامات صوابع شريف. كل ما القطنة تلمس جلدها، كانت بتتنفض، وأنا قلبي كان بيتقطع ميت حتة، بس مكنش ينفع أعيط. المحامية اللي جوايا لجمت الأم. العياط مش هيجيب حقها، التخطيط والغل القانوني هو اللي هيجيب رقبة شريف.

“ليه يا مريم؟” قلتها وأنا ببص في عينيها المكسورة. “ليه داريتي عليا كل ده؟ أنتِ بنت نادية علام! ياما يجيلنا ستات غلبانة ومقطوعة من شجرة ونجيبلهم حقهم، تقومي أنتِ، مهندسة وفي وسط أهلك، تتبهدلي البهدلة دي وتكتُمي في نفسك؟”

دموعها نزلت بغزارة، وصوتها طلع مخنوق:

“كنت خايفة يا ماما.. شريف مش بني آدم طبيعي. شريف في الأول كان ملاك، بس بعد الجواز بشهرين، بدأ يتحول. أول قلم أكلته منه كان عشان نسيت أقفل أنبوبة الغاز. ولما جيت ألم هدومي وأجيلك، وراني فيديو.. فيديو متصورلي في أوضة نومنا من غير ما أعرف. قال لي لو فكرتي تمشي، أو تقولي لأمك المحامية الكبيرة، الفيديو ده هيبقى متاح لكل زمايلك في الشركة ولعيلتك كلها. شريف داهية يا ماما، ده محامي شركات كبار، وعارف الثغرات، وكان دايما يقول لي: أمك أخرها قضايا نفقة وطلاق، إنما أنا بـ مكالمة واحدة أوديها ورا الشمس وأدمر سمعتك.”

سمعت الكلام ده، وحسيت بنار بتلعج في صدري. الفيديو؟ الـ**ـلب الواطي كان بيبتز بنتي! مسكت إيدها وجمدت قلبي:

“نامي يا مريم. نامي وارتاحي. تلاتين سنة محاماة في المحاكم مش قضايا نفقة وبس.. تلاتين سنة يعني أنا اللي حافظة الثغرات اللي هو بيخاف منها. نامي، وبكرة الشمس هتطلع على يوم جديد تماما.”

تاني يوم الصبح، الساعة تمانية بالثانية، كنت واقفة قدام النيابة. شريف كان لسه معروض في الحجز، بهدومه الحرير اللي اتبهدلت، ووشه المجهد اللي ضاع منه البرستيج. لما شافني داخلة ومعايا المحضر والتقرير الطبي الشامل اللي عملته لمريم من مستشفى حكومي بالليل، حاول يقف بصلابة ويبص لي بثقة.

“يا طنط نادية.. بلاش فضايح.” قالها وهو بيعدل ياقت قميصه المكسورة. “الموضوع كله خلاف زوجي بسيط. مريم هتتنازل، وأنا هعوضها. بلاش تخلي الأمور توصل لطريق مسدد، أنا عندي قضايا ومصالح، وحبسي ده هيضر بنتك قبل ما يضرني، دي مهندسة في شركة كبيرة وسمعتها من سمعتي.”

ضحكت بمرارة وقعدت على الكرسي قدام وكيل النيابة:

“خلاف بسيط؟ تقرير الطب الشرعي بيقول إن في كدمات قديمة وجديدة، وآثار تعذيب نفسي وبدني، وشرخ في الفك السفلي نتيجة ضربة الليلة اللي فاتت. ده غير إني بقدم لسيادتك يا فندم فلاشة عليها تسجيل صوتي كامل لواقعة الضرب، وصوت والدته وهي بتبصم على الجريمة وبتقول (كده الست الخايبة تتعلم). وبقدم كمان بلاغ رسمي بـ الابتزاز الإلكتروني وتركيب كاميرات وتصوير دون علم، ومستعدين لتفتيش لابتوب المتهم وموبايله.”

وش شريف سقط، وعينيه بدأت تروح وتيجي في الأوضة. وكيل النيابة، وهو راجل شاب ومحترم، بص في الأوراق وسمع التسجيل، ووشه اتغير تماما. بص لشريف وقال بلهجة حاسمة:

“المتهم شريف أرشيف، محبوس أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد، وينتدب خبير من مباحث الإنترنت لتفريغ هواتفه وأجهزته المحمولة.”

لما العساكر جول يشيلوه ويكلبشوه، شريف التفت ليا وهو بيزعق وعينيه مليانة جنون:

“مش هتلحقي تفرحي يا نادية! أنا هطلع.. هطلع بكفالة أو في التجديد، وهدمرك أنتِ وبنتك! تليفون واحد مني لـ ناس تقال وهيطلعوني زي الشعرة من العجين!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى