منوعات

شريف ورضا

شريف كان بيقرب من رضا وخطواته بتهد الأرض، وشه اللي كان دايما باين عليه الهيبة والوقار اتقلب لملامح مرعبة، عروق جبهته بارزة وعينيه حمرا زي الدم. كل خطوة كان بيمشيها كانت رضا بترجع قصادها خطوة لورا وهي بتترعش، جردل المية اتدلق من خضتها والمية غرقت الرخام، بس مفيش حد اهتم.

“أنا؟ أنا يا بيه؟ والله العظيم ما أعرف العلبة دي جت هنا إزاي! أنا كنت بطبق الملايات والله العظيم!” رضا كانت بتتكلم والدموع مغرقة وشها، صوتها كان طالع بالعافية ومخنوق، الكلمات بتطلع منها متقطعة كأنها بتشحت النفس.

الدكتورة شيرين وقفت ورا شريف، حاطة إيدها في جيب البالطو الأبيض بتاعها، وعلى وشها نظرة نصر خبيثة، عينيها كانت بتلمع بشماتة وهي بتقول بصوت عالي عشان تسمع كل الشغالين والممرضات اللي اتلموا على الصريخ: “بقولك إيه يا شريف بيه، بلاش تمثيل بقى! الأشكال دي إحنا عارفينها كويس، تلاقيكِ كنتِ بتديهم المنوم ده عشان يناموا وتعرفي تزوقي من الشغل، أو يمكن كنتِ ناوية تسرقي الفيلا والعيال نايمة ومتبنجة! أنا من أول يوم قولتلك يا شريف بيه البنت دي مش مريحة، بس أنت اللي صممت تشغلها هنا وتديها أمان مش بتاعها.”

شريف وقف قدام رضا بالظبط، الطول والضخامة بتوعه كانوا عاملين ضل مغطيها تمامًا. رفع إيده وشاور بصابعه في وشها، وصوته طلع واطي بس مرعب، أكنه هدوء ما قبل العاصفة: “لو بنتي جرى لها حاجة… أنا مش هحبسك يا رضا. أنا هفنك صاحية في مكان مفيش كلب هيعرفلك فيه طريق. فاهمة؟”

في اللحظة دي، عم محمود السفرجي جري من برة الأوضة وهو شايل فريدة اللي كانت غايبة عن الوعي تمامًا، ووراهم الممرضة شايلة نادية اللي كانت بتئن بصوت ضعيف أكن الروح بتتسحب منها. عم محمود كان وشه أصفر زي الليمونة وقال بصوت يترعش: “شريف بيه! الإسعاف هيرغي يا فندم، البنت نفس السكتة بتاعتها بتزيد، وجسمها بدأ يسقع!”

شريف ساب رضا ولف زي المجنون، خطف فريدة من حضن عم محمود وزعق في الممرضة: “هاتي نادية واطلعي ورايا على العربية! مفيش وقت للمستشفيات والإسعاف، هنطلع على مستشفى الشروق فورًا!” وبص لأمن الفيلا اللي واقفين عند الباب: “الحرمة دي تتقفل عليها الأوضة هنا، ومتحركش رجليها خطوة واحدة لحد ما أرجع، لو اختفت… رقابكم كلكم هتبقى التمن.”

الكل جري، الفيلا اللي كانت من شوية هادية اتقلبت لساحة حرب. صوات الكاوتشات برة في الجنينة كان مسموع وهو بيفحط في الأرض، وشريف طاير بالعربية ومعاه شيرين والممرضات والعيال.

رضا اتلقت نفسها مرمية في أوضة الخزين الصغيرة اللي في الدور الأرضي، الأمن قفلوا الباب عليها بالمفتاح من برة. قعدت على الأرض الباردة، ضامة ركبها لصدرها وبتعيط بكسرة قهر. الظلم وحش، والظلم لما يجي من ناس معاها الفلوس والسلطة بيبقى زي السكينة التلمة اللي بتبح في الرقبة بالبطيء. افتكرت طليقها حمدي، لما كان يسرق فلوس الجمعية من وراها ويحلف على المصحف إنها هي اللي خدتهم عشان يصرفهم على كيفه، ويضربها لحد ما تسقط جنينها ويسيبها بدمها. وافتكرت نظرة الناس ليها وهي خارجة من حارتهم في شبرا الخيمة كأنها حرامية.

“يارب… أنت عالم بحالي. أنا ممدتش إيدي على حاجة، ولا عمري أئذي لحم ودام… العيال دول هما اللي كانوا بيصبروني على الدنيا دي”، كانت بتهمس بالكلام ده وهي بتبص للسقف، ودموعها بتنزل تحرق خدودها.

بس فجأة، وسط العياط، رضا سكتت. عينيها برقت وهي بتفتكر المشهد اللي حصل قبل الصريخ بكام دقيقة. هي لما دخلت الطرقة، شافت الدكتورة شيرين خارجة من الأوضة، شيرين كانت بتلم حاجتها وسرنجة في شنطتها… بس كان فيه حاجة تانية! شيرين كانت بتنشف إيدها بمنديل، ورمت المنديل ده في باسكيت الزبالة اللي في الطرقة بسرعة وبشكل مريب. وفيه حاجة كمان… علبة الدواء المخدر اللي الأمن لقوها تحت مخدة رضا، العلبة دي رضا شافتها قبل كده! شافتها في درج المكتب بتاع الدكتورة شيرين اللي في العيادة الصغيرة الملحقة بالفيلا، لما كانت رضا بتمسح المكتب الأسبوع اللي فات، وشافت العلبة دي بالذات لأن مرسوم عليها علامة حمراء مميزة.

رضا وقفت على رجليها، الرعب اتحول لجواها لطاقة غضب. “الدكتورة هي اللي عملت كده… هي اللي بتسمم العيال من الأول! عشان تفضل قاعدة في الفيلا، وتفضل تاخد فلوس، أو يمكن فيه سبب تاني أكبر!”

بدأت تخبط على الباب بكل قوتها: “يا عم محمود! يا عماد يا بتاع الأمن! افتحوا لي! والله العظيم العيال هتموت لو مسمعتونيش! الدكتورة هي اللي بتموتهم! افتحوا الباب!”

بس مكنش فيه مجيب، برا كان فيه سكوت تام، كأن الفيلا فضيت تمامًا ومبقاش فيها غير الحراس برة عند البوابة الكبيرة ومبيسمعوش الخبط الداخلي.

في المستشفى، الأجواء كانت مشحونة بالتوتر. الدكاترة والاستشاريين في غرفة الطوارئ كانوا بيجروا حوالين السريرين اللي عليهم فريدة ونادية. الأجهزة عمالة تصفّر، والمؤشرات بتنزل وتطلع بشكل يخوف.

شريف كان واقف ورا القزاز، حاطط إيديه الاتنين على راسه، وجسمه كله بيترعش. الراجل اللي بيهز سوق المقاولات بكلمة، واقف دلوقتي زي العيل الصغير مش بإيده أي حاجة يعملها لقطعتين من روحه. شيرين كانت واقفة جنبه، بتطبطب على كتفه بنعومة مصطنعة: “اهدأ يا شريف… إن شاء الله الدكاترة هيلحقوهم. أنا قولتلك من الأول الشغالة دي عينها مش نظيفة، كانت بتبص للنعمة اللي أنت فيها بحقد. الأشكال دي بتبقى مريضة نفسيًا.”

شريف بصلها وعينيه غرقانة دموع: “بس العيال كانوا بيهدوا معاها يا شيرين! العيال مكانوش بيطلوا عياط إلا لما رضا تدخل الأوضة وتنايمهم على صدرها! إزاي كانت بتأذيهم وهي بالحنون ده معاهم؟”

شيرين لوت بوزها وقالت بنبرة حادة شوية: “يا شريف أنت راجل بتاع بزنس وبتفهم في الأرقام، متخليش العاطفة تعميك. كانت بتعمل كدة عشان تعمل نفسها بطلة قدامك، وعشان تثبت مكانها وتزود مرتبها، ولما لقت إن الموضوع مطول ومحدش بيكافئها بزيادة، بدأت تزهق وتديهم المنوم ده عشان ترتاح! ده سايكوباتية واضحة!”

دخل الدكتور المسؤول عن الحالة، وهو بينشف عرق جبينه، وشه مكنش يبشر بخير أبدًا. شريف جري عليه ومسكه من بالطه: “طمني يا دكتور أحمد! بناتي فيهم إيه؟”

الدكتور أحمد اتنهد وقال: “شريف بيه، البنات اتعرضوا لجرعة عالية جدًا من مادة مخدرة ومثبطة للجهاز العصبي، المادة دي بتعمل هبوط حاد في ضربات القلب وممكن تؤدي لتوقف التنفس تمامًا في السن ده. إحنا عطيناهم مضادات للسموم، بس للأسف الاستجابة بطيئة جدًا، خصوصًا نادية… البنت الصغيرة جسمها ضعيف ومش مستحمل.”

شريف حس إن الأرض بتلف بيه، مسك في الحيطة عشان ميقعش: “يعني إيه يا دكتور؟ يعني بناتي هيموتوا؟”

الدكتور أحمد بص للأرض وقال: “إحنا بنعمل اللي علينا يا فندم، بس الصراحة… الجرعة دي مش أول مرة تدخل جسمهم. التحاليل السريعة مبينة إن فيه ترسبات للمادة دي في دمهم بقالها شهور، بس بجرعات صغيرة، والنهاردة الجرعة كانت قاتلة. كأن حد كان بالبطيء!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى