منوعات

شريف ورضا

هنا شيرين اتهزت ثانية، وعينها زاغت، بس استردت ثقتها بسرعة وقالت: “أهو! شوفت يا شريف؟ الشغالة دي بقالها تلات أسابيع عندك، يعني من ساعة ما جت وهي بتسقيهم السم ده بالتدريج ولما غبت النهاردة زودت الجرعة!”

الدكتور أحمد رد باستغراب: “تلات أسابيع؟ لا يا دكتورة شيرين، الترسبات اللي في الدم دي بقالها أكتر من أربع شهور! يعني تقريبًا من بعد الولادة بأسابيع قليلة!”

الكلمة نزلت على شريف زي الصاعقة. تلات أسابيع؟ رضا مكنتش موجودة من أربع شهور! من أربع شهور مكنش بيدخل أوضة البنات غير الممرضات… والدكتورة شيرين!

شريف بص لشيرين بنظرة غريبة، نظرة خلت الدم يهرب من وشها. شيرين حاولت تبتسم وقالت بتلعثم: “أكيد… أكيد كانت بتيجي الفيلا قبل ما تتعين رسمي، أو يمكن الشغالة القديمة اللي مشت هي اللي كانت بتعمل كدة!”

شريف مقالش ولا كلمة، بس عقله بدأ يربط الخيوط ببعضها. طلع تليفونه واتصل بأمن الفيلا فورًا: “عماد! رضا فين؟”

عماد رد: “محبوسة في أوضة الخزين يا فندم وزي ما سيادتك أمرت مفيش حد هوب ناحيتها.”

شريف قال بصوت قاطع: “هاتوها. خدوا عربية من العربيات وهاتوها المستشفى هنا فورًا وتحت الحراسة. مش عايز غلطة!”

 

في أوضة الخزين، رضا كانت خلاص صوابعها اتجرحت من كتر الخبط، قعدت في الركن ومستسلمة لقدرها. فجأة الباب اتفتح، ودخل عماد ومعاه اتنين من الأمن. مسكوها من دراعاتها بعنف وقوموها: “اطلعي معانا… الباشا عايزك في المستشفى.”

رضا من غير ما تقاوم مشت معاهم، بس وهي خارجة من باب الفيلا، بصت لعم محمود اللي كان واقف وشه باهت وخايف، وقالتله بصوت مبحوح: “عم محمود… روح أوضة البنات، في باسكيت الزبالة اللي في الطرقة، هتلاقي منديل رمتها الدكتورة شيرين قبل ما تمشي. خده وهاته معاك… لو بتحب البنات دول بجد وعايز تنقذهم، هات المنديل ده وتعالى ورايا!”

عم محمود اتهز، وبص لرضا بعينين فيها حيرة، رضا ركبت بوكس الأمن والعربية طلعت تجري بيها على المستشفى. عم محمود وقف ثواني، وبعدين رجله قادته للدور التاني، دخل الطرقة وبص لباسكيت الزبالة، مد إيده وطلع المنديل… كان فيه بقع سائلة ريحتها غريبة ومغطية بآثار بودرة بيضاء. عم محمود حطه في كيس بلاستيك وجري هو كمان على المستشفى.

وصلت رضا المستشفى، الأمن دخلوا بيها من الباب الخلفي لحد ما وصلوا للدور اللي فيه العناية المركزة للأطفال. شريف كان واقف مستنيها، أول ما شافها قرب منها والشرار بيتطاير من عينيه. شيرين كانت واقفة بعيد شوية، بتبص لرضا بنظرات تهديد وتوعد.

“انطقي يا رضا”، شريف قالها بصوت فحيح مرعب: “الدكتور بيقول إن البنات بيتدس لهم السم ده من أربع شهور. وأنتِ مكملتيش شهر عندي. مين اللي كان بيعمل كدة؟ ومين اللي حط الدواء تحت مخدتك؟”

رضا بلعت ريقها، وبصت لشيرين علطول وشاورت بصابعها: “هي يا بيه! الدكتورة شيرين هي اللي بتعمل كدة!”

شيرين صرخت بعصبية: “أنتِ اتجننتي يا جربوعة أنتِ؟ أنا دكتورة عيلة المنصوري بقالي سنين! أنا اللي عالجت ماريان الله يرحمها! أنا أسمم البنات اللي بولدهم بإيدي؟”

رضا صرخت في وشها لأول مرة بشجاعة مكنتش تعرف إنها عندها: “آه أنتِ! عشان تفضلي مسيطرة على البيت وعلى شريف بيه! العيال مكانوش بيعيطوا من مغص ولا جوع، أنتِ كنتِ بتديهم نقط في الببرونة تخلي جهازهم العصبي يتعب ويصرخوا طول الليل والنهار، وعشان شريف بيه مش فاهم حاجة، كان بيعتمد عليكِ بالكامل وميقدرش يستغنى عنك ولا يمشيكِ! ولما أنا جيت والعيال بدأوا يهدوا على إيدي والسرير بتاعهم ينظف من قرفك، خوفتِ البساط يتسحب من تحت رجليكِ، وخوفتِ شريف بيه يكتشف إن العيال كويسين ومش محتاجين دكاترة!”

شيرين ضحكت بهستيريا وبصت لشريف: “شريف، أنت هتسمع للخرافات دي؟ دي واحدة جاهلة مابتفهمش حاجة! فين دليلك يا بتاعة الممسحة؟”

رضا بصت لشريف وقالت بدموع: “دليلي في أوضة البنات يا بيه. أنا شفتها النهاردة وهي خارجة من الأوضة بعد ما البنت صرخت صرخة واحدة، كانت بتلم سرنجة في شنطتها ومسحت إيدها بمنديل ورمته في الزبالة. العلبة اللي لقوها تحت مخدتي دي علبتها هي، أنا شفتها الأسبوع اللي فات في درج مكتبها اللي في الفيلا وعليها علامة حمراء مكتوبة بخط إيدها!”

شيرين وشها بدأ يتغير، وبدأت ترجع لورا خطوة: “د كلام كدب وتأليف! أنا مش هسمح ل حتة شغالة تهين كرامتي الطبّية هنا!”

وفجأة، صوت خطوات سريعة مسموعة في الممر، كان عم محمود السفرجي بيجري وهو ينهج، وفي إيده كيس بلاستيك جواه المنديل.

“شريف بيه! شريف بيه!” عم محمود قالها وهو بيمد إيده بالكيس: “رضا عندها حق… أنا لقيت المنديل ده في الزبالة زي ما قالت، وكمان وأنا خارج من الفيلا، دخلت مكتب الدكتورة شيرين وفتحت درج المكتب اللي رضا قالت عليه… ولقيت العلب دي!” عم محمود طلع من جيبه علبتين تانيين من نفس الدواء المخدر، ومكتوب عليهم بخط إيد شيرين وتاريخ استلامهم من الصيدلية!

شريف خد العلب والمنديل، وبص للدكتور أحمد اللي كان واقف متابع المشهد. الدكتور أحمد خد المنديل والعلب بسرعة ودخل المعمل السريع بتاع المستشفى عشان يحلل المادة اللي على المنديل.

شيرين في اللحظة دي عرفت إن اللعبة انتهت. حاولت تلف وتمشي بسرعة ناحية الأسانسير، بس شريف لمحها وزعق بصوت زلزل المستشفى كلها: “أمن!!! محدش يخلي الدكتورة تخرج برة الدور ده!”

أمن المستشفى قفلوا الممر عليها، وشيرين وقفت في مكانها، وشه بقى أبيض زي الأموات، وبتترعش من ساسها لراسها.

بعد خمس دقائق، خرج الدكتور أحمد من المعمل ووشه كله ذهول وغضب: “شريف بيه… المادة اللي على المنديل هي نفس المادة المخدرة بتركيز خام وقاتل، والعلب دي هي نفس المادة اللي في دم البنات. الدكتورة كانت بتديهم جرعات مخففة عشان يفضلوا في حالة إعياء وعياط مستمر، والنهاردة عاطت فريدة جرعة عالية بالسرنجة عشان تموت وتلبس التهمة في رضا وتتخلص من الاتنين مع بعض!”

شريف لف لشيرين، وعينيه كانت فيها نظرة لو كانت بتقتل كانت شيرين ماتت في مكانها. قرب منها بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بتعلن عن نهاية شيرين. شيرين وقعت على ركبها ودموع الخوف نزلت من عينيها: “شريف… أرجوك اسمعني… أنا عملت كدة عشان بحبك! من ساعة ما ماريان ماتت وأنت مش شايفني! أنا كنت واقفة جنبك في كل حاجة، كنت عايزة تفضل محتاجلي، كنت عايزة العيال يفضلوا تعبانين عشان تفضل تتصل بيا وتطلبني أجي الفيلا كل يوم! أنا مكنتش عايزة أموتهم والله العظيم، بس الشغالة دي كانت هتبوظ كل حاجة! كانت هتخليك تستغنى عني!”

شريف بص لها بقرف واشمئزاز ملوش مثيل، وتف في الأرض قدامها: “أنتِ مش بني آدمة… أنتِ شيطان. ماريان مراتي ماتت بسبب إهمالك الطبي برضه ولا إيه؟ أنا هخلي النيابة تفتح ملف وفاة مراتي من جديد يا شيرين. ومش هسيبك غير وحبل المشنقة حوالين رقبتك.”

شريف شاور للأمن بتوعه: “اطلبوا البوليس فورًا وسلموها ليهم بالدوا والمنديل والتقرير الطبي.”

شيرين بدأت تصرخ وتهبش في الأرض وهي الأمن بيمسكوها ويجروها على الأرض، وصوت صريخها كان مالي الممر لحد ما اختفت في الأسانسير.

شريف لف لرضا، اللي كانت واقفة في الركن بتعيط وصدرها بيعلو ويهبط من كتر المظلمة اللي انزاحت من عليها. شريف قرب منها، ولأول مرة الراجل المتكبر ده ينزل راسه قدام حد.

“أنا آسف يا رضا”، شريف قالها بصوت مكسور وخجلان: “أنا ظلمتك، وعميت عيني عن الحقيقة. أنتِ أنقذتي بناتي… لو مكانتش عنايتك وربنا اللي كشفلك الموضوع ده، كان زمان بناتي في الترب دلوقتي.”

رضا مسحت دموعها بكم جلابيتها وقالت بصوت طيب: “المهم البنات يا بيه… طمنوني عليهم، هما كويسين؟”

الدكتور أحمد ابتسم وقال: “الحمد لله، المصل بدأ يعمل مفعول، ونبضهم بدأ ينتظم. هما نايمين دلوقتي نوم طبيعي مش مخدر، وتقدروا تدخلوا تشوفوهم.”

شريف دخل الأوضة، وورا رضا وعم محمود. فريدة ونادية كانوا نايمين في السريرين الصغيرين، وشهم بدأ يرجع ليه اللون الوردي الطبيعي، ونفسهم بقى هادي ومنتظم لأول مرة من خمس شهور. شريف قعد على الكرسي اللي بين السريرين ومسك إيديهم الصغيرين وباسهم وهو بيعيط. وبعدين بص لرضا وقال: “رضا… من النهاردة أنتِ مش شغالة في الفيلا. أنتِ المسؤولة الأولى والأخيرة عن البنات دول. أنتِ هتبقي مربيتهم والست الكبيرة في البيت ده، ومرتبك تضاعف عشر مرات، وأي حاجة تطلبيها في الدنيا دي هتكون عندك.”

رضا ابتسمت ودموع الفرحة في عينيها: “أنا مش عايزة غير سلامة البنات يا شريف بيه، دول بقوا حتة من قلبي.”

عدى أسبوعين، والفيلا رجعت ليها الحياة من تاني. الستائر اتفتحت والشمس دخلت البيوت اللي كانت مقفلة، وصوت ضحك البنات الصغيرين بقى يملى المكان بدل الصريخ والرعب. رضا بقت هي الكل في الكل، والكل بيحترمها ويعملها ألف حساب، وعم محمود بقى دايما يعملها القهوة الصباحية بتاعتها وهي قاعدة مع البنات في الجنينة.

وفي يوم من الأيام، شريف كان قاعد في مكتبه بيخلص شوية أوراق، ورضا كانت شايلا نادية وفريدة وبتلعب معاهم في الصالون برة. التليفون الأرضي بتاع المكتب رن.

شريف رفع السماعة: “ألو؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى