
الممرضة دخلت الأوضة بعد ما شريف وفريدة مشيوا، كانت بتبصلي وعينيها مليانة أسف، قربت مني وسندتني عشان أعدل ظهري، والوجع كان بيسمع في كل حتة في جسمي، بس الوجع اللي في قلبي كان أقوى بكتير، كان مغطي على وجع القيصرية وعلى تعب اليومين اللي فاتوا. بصيت لولادي التلاتة، كانوا نايمين في سلام ولا حاسين بالبركان اللي قايد حواليهم، ولا يعرفوا إن أبوهم لسه من دقيقتين كان عايز يرمي أمهم في الشارع ويحرمهم منها.
الليل عدا عليا كأنه سنة، كل ثانية بتمر كنت بفكر في كلام أبويا “بكره الحساب يجمع”، الكلمة دي كانت هي القشة اللي ساندة ضهري ومنعاني من الانهيار. أبويا، الحاج عبد الحميد الشناوي، راجل منوع من طينة تانية، من رجالة زمان اللي كلمتهم عقد، راجل بنى نفسه بنفسه في سوق العقارات والمقاولات في وسط البلد، ومحدش يقدر يقف قصاده لما يغضب، بس أنا اللي كنت عمية، لما شريف جالي وراسم وش المهندس الشيك ابن الناس الهاي، وأبويا قالي وقتها: “الواد ده عينه تايهة يا منة، وشايف نفسه على خلق الله، بلاش يا بنتي”، بس أنا وقفت وصممت، وقولت ده حب عمري، وأبويا عشان بيحبني وميرفضليش طلب، وافق وجهزني أحسن جهاز، وكتبلي شقة التجمع باسمي كهدية جواز، والشقة دي هي اللي شريف كان عايزني أتنازل عنها في ورق الطلاق وهو فاكر إنها ملكه أو إنه يقدر ياخدها بوضع اليد.
الساعة دقت سبعة الصبح، والباب اتفتح. مكنتش أمي وأبويا بس اللي داخلين، الأوضة اتملت فجأة بهيبة تخض. دخل أبويا بجلبابه الأبيض الصعيدي وشاله اللي على كتفه، وعينه فيها شرار عمري ما شوفت زيّه، ووراه أمي اللي أول ما شافتني جريت عليا وخدتني في حضنها وقعدت تعيط وتدعي على شريف، ووراهم كان داخل عمي سليم، وهو محامي كبار رجال الأعمال في مصر، ومعاه اتنين شباب من مكتبه شايلين شنط ورق.
أبويا قرب من السراير بتاعة العيال، بص لهم ونزل لمستواهم، باس كل واحد فيهم من جبهته، وبعدين التفت ليا، ملامحه هديت شوية وطبطب على رجلي وقال بصوت رخيم وواثق:
“حمد الله على سلامتك يا غالية، مبروك يا أم الرجال، شرفتي عيلة الشناوي وجبتيلنا تلات قناديل ينوروا بيتنا.”
دموعي نزلت وقولت له:
“سامحني يا بابا، مسمعتش كلامك، شريف كسرني وكسر فرحتي بالعيال.”
أبويا وقف بطوله، وضهر مفرود كأنه جبل، وقال والنبرة الصعيدية ظهرت في كلامه من كتر الغضب:
“يكسرك؟ قطع دراعه اللي تتمد عليكي، شريف علام ده فرفور وفاكر إن الدنيا سايبة، فاكر لما يتجوز بنت عبد الحميد الشناوي ويشوفها هادية وطيبة، يبقى ملهاش ضهر، ده ميعرفش إنه كان عايش في خيري، والشركة اللي هو فرحان بكرسي مجلس إدارتها دي، أنا اللي سانده فيها بفلوسي وعلاقاتي من تحت لتحت عشان مكسرش برستيجه قدامك.”
عمي سليم قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وفتح الشنطة بتاعته وطلع ملفات كتير، وبصلي بابتسامة ثقة وقال:
“منة يا بنتي، بلاش عياط خالص، شريف والست اللي معاه عملوا أكبر غلطة في حياتهم لما دايروا عليكي في المحطة دي، هما فاكرين إن اللعب قانوني، وشريف باعت محامين من بتوع الشركات يكتبوا ورق تافه، هما ميعرفوش إن عمك سليم الشناوي مفيش ثغرة في قانون الأحوال الشخصية أو الشركات في مصر إلا وحافظها زي اسمه.”
سألت عمي وأنا بمسح دموعي:
“هو قالي هياخد العيال والشقة، وهيخليني مش لاقية آكل.”
عمي سليم ضحك ضحكة عالية رنت في الأوضة وقال:
“ياخد الشقة؟ الشقة دي أبوكي كاتبها باسمك بيع وشراء نهائي من خمس سنين، ومسجلة شهر عقاري، يعني شريف ملوش فيها ولا سنتيمتر واحد، وبكره الصبح هعمله محضر طرد وعدم تعرض، أما بخصوص العيال، القانون المصري مع الأم في الحضانة لحد سن 15 سنة، وتلات توائم لسه مولودين يعني مفيش قاضي على وجه الأرض هيشيلهم من حضن أمهم، ده غير النفقة والمؤخر والـ…”
أبويا قاطعه ووقف في نص الأوضة وقال:
“لأ يا سليم، المحاكم دي هتمشي في طريقها، بس أنا مش هستنى حكم المحكمة عشان أربيه، شريف علام لازم يعرف هو داس على طرف مين، شريف شغال بمشروعين كبار في العاصمة الإدارية الجديدة، والحديد والأسمنت اللي قايم عليهم المشروعين دول، من مصانعنا وشركاتنا، والخطوط الائتمانية اللي واخدها من البنك، أنا الضامن ليها بصفتي رئيس مجموعة الشناوي.”
بصيت لأبويا بذهول، مكنتش أعرف إن أبويا متشعب في شغل شريف للدرجة دي، كمل أبويا وهو بيبص لساعته:
“الساعة دلوقتي تمانية، كمان ساعتين بالظبط، البنك هيبلغ شريف بوقف السحب من المكشوف، والمصانع بتاعتنا هتقف عن توريد الحديد لمواقعه، والمطور العقاري اللي شغال معاه هيجيله إخطار بسحب المشروع منه بسبب إخلاله بشروط الملاءة المالية اللي أنا كنت ضامنها.”
أمي دعت له وقالت:
“ربنا ينصرك عليه يا عبد الحميد، ده قهر بنتنا وهي في النفاس، ده معندوش أصل ولا دين.”
أبويا بص لعمي سليم وقال له:
“اطلع يا سليم مع المحامين بتوعك على مكتب رئيس مجلس إدارة المستشفى، شريط كاميرات المراقبة اللي في الدور ده يتمسح منه نسخة وتتحفظ، دخول شريف مع عشيقته وأسلوبه في التهديد جوة أوضة رعاية وولادة، ده لوحده برستيج هينزل الأرض في المحكمة، ويثبت الضرر النفسي والجسدي على منة.”
في نفس اللحظة دي، برا الأوضة، كانت الممرضات والدكاترة بيتودودوا، هيبة عيلة الشناوي كانت واضحة، الأمن واقف على باب الأوضة برة وممنوع أي حد يدخل إلا بإذن.
مرت تلات أيام، وأنا بدأت أتحسن وأتحرك، والوجع الجسدي بدأ يقل بفضل الرعاية، بس الوجع اللي شريف سابه جوايا كان بيتحول لكتلة من التحدي. في اليوم الرابع، كنت قاعدة برضع واحد من الولاد، لما لقيت تليفوني بيرن، كان رقم شريف.
بصيت للتليفون ومردتش، رن مرة واتنين وتلاتة، وفي المرة الرابعة عمي سليم كان قاعد معايا وقال لي: “ردي يا منة، وافتحي الاسبيكر، عايز أسمع صوته وهو مكسور”.
فتحت الخط وقولت ببرود عمري ما تخيلت إنه عندي:
“عايز إيه يا شريف؟”
صوته مكنش هو الصوت الفرعوني بتاع يوم الولادة، كان صوته مخنوق، طالع بالعافية، وفي خلفية المكالمة كنت سامعة صوت زامور عربيات وضوضاء، كأنه واقف في الشارع:
“منة.. أنتِ فين؟ أنا رحت الشقة لقيت الكوالين متغيرة وفي رجالة أمن واقفين على الباب ومنعوني أدخل، ولقيت حاجتي كلها محطوطة في كراتين برة عند البواب!”
رديت عليه بثقة:
“دي شقتي يا شريف، بفلوس أبويا وباسمي، وأنت مالكش عيش فيها، والحاجات اللي برة دي كرم مني إني م رمتهاش في الزبالة.”
صوته علي شوية بس بنبرة فيها رعب مش قادرة تخفى:
“منة بلاش هبل، إيه اللي أبوكي عمله في السوق ده؟ مصانع الشناوي وقفت التوريد، والبنك جمد حسابات الشركة، أنا بخرس يا منة! الشغل واقف والمستثمرين بيطالبوني بشرط جزائي، كلمي أبوكي يهدى وخلينا نحل الموضوع ودي.”
خدت نفس طويل وقولت له:
“ودي؟ هو أنت سبت مكان للود يا شريف؟ أنت جيتلي وأنا بنزف ومعاك الست بتاعتك والـشنطة البيركن عشان تزلني وتخليني أمضي على بيع ولادي ونفسي، روح بقى للست فريدة والشنطة البيركن بتاعتها تخلصك من الورطة دي.”
وقبل ما يرد، قفلت السكة في وشه. عمي سليم ابتسم وقال: “الله ينور عليكي، ده أول قلم، لسه القلم التاني”.
بعد أسبوع، خرجت من المستشفى ورحت على بيت أبويا، الفيلّا الكبيرة في التجمع، الأوضة كانت جاهزة ليا وللعيال، وتلات ممرضات مخصصين لرعاية التوائم عشان ما تعبش، كنت حاسة إني ملكة في بيت أبويا، وعرفت قيمتي وقيمة أهلي اللي شريف حاول يفهمني إن ماليش غيره.
في نفس اليوم بالليل، عمي سليم جابلي إعلان بالقضية اللي رفعناها: قضية طلاق للضرر مع طلب نفقة متعة وعدة ونفقة أطفال ومؤخر الصداق اللي كان مكتوب فيه مبلغ ضخم جداً مكنش شريف يعمل حِسبته.
لكن شريف مكنش هيستسلم بسهولة، الراجل كان هيموت ويفلس، وده خلاه يتحول لحيوان مجروح.




