منوعات

الممرضه وشريف وفريده

بعد أسبوعين من القضية، وتحديداً في يوم جلسة التسوية، كنت قاعدة في البيت مع العيال، لما لقيت تليفون البيت الأرضي بيرن، الشغالة ردت وقالت لي: “يا فندم، واحدة بتقول إنها فريدة وعايزة تلمحك ضروري”.

خدت التليفون وقولت: “عايزة إيه يا فريدة؟”

صوت فريدة مكنش فيه الضحكة الصفراء ولا الغرور بتاع يوم المستشفى، كان صوتها مرعوب وبتعيط:

“منة.. أرجوكي اسمعيني، شريف اتجنن، شريف بعد ما حس إن كل حاجة ضاعت منه، والشركة أفلست، وبقى عليه ديون وشيكات بدون رصيد ومهدد بالحبس، سابني واختفى، بس أنا عرفت هو ناوي على إيه.. شريف مراقب بيت أبوكي، وسمعته بيتكلم مع ناس مش كويسة من بتوع الجبل، ناوي يخطف واحد من العيال عشان يضغط على أبوكي يتنازل عن القضايا ويرجع التوريدات!”

جسمي كله سقع، الدم هرب من عروقي، وبصيت من الشباك على الجنينة برة، الرعب تملكني، وصرخت في التليفون: “أنتِ بتقولي إيه؟!”

فريدة قالت وهي بتشهق:

“والله العظيم ما بكدب عليكي، هو رمى طوبتي لما لقى أبويا رفض يساعده بفلوس، وأنا خايفة يدبسني معاه في قضية خطف، أنا قولتلك عشان تِلحقي نفسك.”

قفلت السكة وجريت على الأوضة بتاعة العيال، لقيت الممرضات قاعدين معاهم، قولت لهم بقلق وهستيريا: “اقفلوا الشبابيك والبيبان ومحدش يخرج بالعيال نهائي!”

كلمت أبويا فوراً وحكيتله وهي بتبكي، أبويا صوته اتقلب لحديد وقال لي:

“منة، اهدي خالص، مفيش مخلوق يقدر يقرب من شبر من أرضي، أنا هكلم رجالتنا وأمن الفيلّا، وخليكي جوة الأوضة متتحركيش.”

الليل جه، والأجواء في الفيلّا بقت مشحونة، النور الخارجي للجنينة كان شغال، ورجال الأمن بتوع أبويا واقفين على السور وفي المدخل، بس الرعب كان مخليني مش قادرة أغمض عيني، كنت قاعدة في الصالة اللي فوق، باصة على السلالم وعلى الأبواب، التوائم كانوا نايمين جوة الأوضة والممرضات معاهم.

الساعة بقت اتنين بعد نص الليل، وفجأة، النور قطع عن الفيلّا كلها! الأجهزة وقفت، والضلمة الكحل لفت المكان، المولد الكهربائي الاحتياطي بتاع الفيلّا ملوش صوت، كأن حد قطعه أو بوظه من بره.

سمعت صوت حركة برة في الجنينة، صوت كلاب الحراسة وهي بتهوهو بعنف، وبعدين الصوت سكت فجأة كأن حد سكتهم بطريقة تانية. قلبي كان بيدق زي الطبل، جريت على أوضة العيال، قفلت الباب بالمفتاح من جوة، ووقفت ورا الباب وأنا ماسكة فازة كريستال تقيلة في إيدي، وجسمي كله بيترعش من الخوف.

سمعت خطوات تقيلة بتطلع على السلالم الرخام بتاعة الفيلّا، خطوات سريعة ومكتومة، الخطوات قربت من الصالة اللي برة الأوضة، وبعدين وقفت بالظبط قدام باب الأوضة اللي أنا فيها.

نفسي انقطع، كنت سامعة صوت أنفاس حد واقف ورا الباب، حد بيحاول يجرب الأوكرة بالراحة.. الأوكرة اتهزت.. اتهزت تاني بعنف.. وبعدين خبطة قوية على الباب خلت الخشب يتنفض.

صوت شريف جه من ورا الباب، بس مكنش صوته الطبيعي، كان صوت شخص تاه منه عقله، مليان غل وسواد:

“منة.. افتحي الباب ده، افتحي بدل ما أهد البيت كله فوق دماغك، أبوكي فاكر إنه هيلوي دراعي؟ أنا ضعت خلاص، ومبقاش عندي حاجة أخسرها، افتحي وهاتي عيل من العيال دي، وإلا والنعمة هحرق قلبك وقلب أبوكي عليهم دلوقتي!”

الممرضات جوة الأوضة كتموا صرخاتهم، وأنا كنت حاطة إيدي على بوقي وبدمع من الرعب، ومسكت الفازة بـ إيدين الاتنين وصممت إني لو دخل، هكون آخر حاجة يشوفها في حياته قبل ما يلمس شعرة من ولادي.

شريف خبط الباب برجليه خبطة قوية، الخشب بدأ يتشقق، وقال بزعيق:

“مش ه تفتحي؟ ماشي.. أنا جايب معايا اللي يخلص الموضوع.”

وفجأة.. سمعت صوت طلقة رصاص ضربت برة الفيلّا، وبعدها صوت صراخ عالي، وصوت تكسير إزاز تحت في الدور الأرضي، وشريف ورا الباب سكت للحظة، وبعدين سمعت صوت خطوات كتيرة بتجري على السلم، وصوت أبويا بيزعق من تحت: “هاتوا الكلب ده حي، محدش يرحمه!”

شريف ورا الباب ارتبك، وسمعته بيحاول يجري، بس فجأة صوت ضرب وبوكسات وجر وبكاء برة الأوضة، حد اترزع في الحيطة بعنف، وصوت شريف وهو بيصرخ: “آه.. سيبوني.. سيبوني يا ولاد الـ…”

أبويا خبط على الباب بالراحة وقال بصوت ناهج بس مليان حنان:

“منة.. افتحي يا بنتي، إحنا هنا، خلاص الكلب وقع.”

فتحت الباب وإيدي بتترعش، النور رجع اشتغل في نفس اللحظة بفضل رجالة أبويا اللي شغلوا المولد، وشوفت شريف مرمي على الأرض، وشه كله دم، ورجالة أبويا مكتفينه من إيديه ورجليه، والبوليس كان داخل من باب الفيلّا برئاسة ضابط كبير من أصحاب عمي سليم.

أبويا بص لشريف وهو متكتف وقال له وهو بيدوس بجزمته على إيده اللي كانت ماسكة مسدس صوت ومادة حارقة:

“أنت فاكر إنك بتلعب مع عيال صغيرة يا شريف؟ فريدة دي أنا اللي مسلطها عليك، وأنا اللي خليتها تقرب منك وتقولك الفكرة دي، عشان تجيلنا برجليك لحد هنا، وتتحول قضيتنا معاك من مجرد طلاق ونفقة.. لقضية شروع في قتل وخطف واقتحام منزل مسلح! يعني حبل المشنقة أو المؤبد لابسكه لابسكه.”

شريف بصلي وعينه مليانة رعب ودموع، وبيترجاني:

“منة.. سامحيني.. أنا اتعميت.. فريدة هي السبب.. منة عشان خاطر العيال!”

بصيت له بقرف وبصوت قوي وناشف قولت له:

“العيال دول مالهمش أب.. أبوهم مات يوم ما دخل عليا المستشفى ومعاه عشيته والشنطة البيركن.. خذوه من هنا، مكانه المزبلة.”

الشرطة خدت شريف وهو بيصرخ وبيعيط زي الحريم، وأبويا خدني في حضنه وباس دماغي، وأمي دخلت شالت العيال وهي بتهلل وتكبر.

بعد ست شهور..

كنت قاعدة في مكتب سليم الشناوي، لابسة فستان أسود شيك جداً، ووشي مرتاح ومشرق، وعيوني فيها لمعة قوة عمري ما عرفتها زمان. عمي سليم حط قدامي ورقة رسمية مختومة بختم النسر:

“مبروك يا منة، حكم الطلاق النهائي طالع للضرر، وحكم بحضانة كاملة ليكي ومنع شريف من رؤيتهم إلا في مراكز الشباب وبحراسة، ده غير إن شريف اكم حكم عليه الأسبوع اللي فات بـ 15 سنة سجن مشدد في قضية الاقتحام والشروع في الخطف.”

ابتسمت وقولت:

“والشركة يا عمي؟”

عمي سليم ضحك وقال:

“المحكمة الاقتصادية حجزت على كل أصول شركته للوفاء بالديون والتعويضات ليكي، وبما إننا أكبر الدائنين، فمجموعة الشناوي استحوذت على الشركة بالكامل.. والنهاردة، مجلس الإدارة عينك رئيس تنفيذي للشركة دي، يعني شركة شريف بقت ملكك وباسمك.”

خرجت من مكتب عمي، ورحت على مقر الشركة الكبيرة في التجمع، الموظفين كلهم كانوا واقفين صفين بيستقبلوني، ودخلت مكتب رئيس مجلس الإدارة، المكتب اللي شريف كان بيقعد فيه ويشوف نفسه على الدنيا.

قعدت على الكرسي الجلد المريح، وحطيت تليفوني على المكتب، وفجأة الباب اتفتح ودخلت السكرتيرة وهي شايلة كرتونة صالحة ومقفولة، وقالت لي:

“يا فندم، المباحث بعتت الحاجات الشخصية اللي كانت متحفظ عليها في عربية شريف علام وقت الحادثة، ولقينا دي جواها، مش عارفين نعمل فيها إيه؟”

السكرتيرة فتحت الكرتونة وطلعت منها.. الشنطة الـ “هيرميس بيركن” السوداء.. الشنطة اللي دخل بيها عليا المستشفى عشان يكسرني!

بصيت للشنطة، وابتسمت ابتسامة ثقة وصرامة، وقولت للسكرتيرة بنبرة هادية بس ترعب:

“خدي الشنطة دي، ارميها في أقرب صندوق زبالة في الشارع برة الشركة.. الشنطة دي كانت تمن خراب صاحبها، وإحنا هنا بنبني، مابنجمعش زبالة.”

السكرتيرة خرجت، وأنا لفيت بالكرسي وبصيت من الشباك الأزاز الكبير على مواقع البناء والتشييد اللي برة، ولادي هيكبروا وهيشوفوا أمهم وهي بتدير إمبراطورية، وشريف هيفضل ورا القضبان يفتكر اللحظة اللي فكر فيها إنه يكسر بنت الشناوي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى