منوعات

سحبت حالي بالعافيه

سحبت نفسي بالعافية لغاية الكنبة، والحرقان في رجلي كان بياكل في جسمي أكل، والدم من شفتي بينزل على رقبتي وبيبلل لياقة الروب. مصطفى واقف في نص الصالة، عينه بتتحرك في الأوضة زي الفار المحبوس، وأمه الحاجة نجوى واقفة وراه بثقة غريبة، حاطة إيدها في وسطها وبتبصلي بقرف، كأنها بتعاين حتة أرض بتبور عشان تشتريها بتراب الفلوس.

“شوفي البت والممثلة!” الحاجة نجوى قالتها وهي بتهز رأسها لولادها، “وقعت على الأرض وعملالي فيها قتيلة! ما تقوم يا مصطفى لم الدبش ده وأقفل الباب، هتفضل واقف تفرج علينا الجيران؟”

مصطفى قرب مني خطوتين، صوته كان واطي وبيرعش، بس فيه نبرة غل ما شفتهاش فيه طوال سنة الخطوبة: “ندى.. انقذي نفسك وألغي البلاغ ده. إحنا ولاد ناس ومفيش محاكم وشرطة تدخل بين راجل ومراته. امسحي دمك وقومي صبحي على أمي عشان الموضوع يعدي.”

بصلته في عينه مباشرة، وضحكت.. ضحكة مكسورة طالعة من وسط الوجع: “أستسمح مين يا مصطفى؟ أنت فاكر إن القلم ده هيعدي؟ ولا فاكر إن حرق رجلي ده هينساني إن الشقة دي شقتي؟ الشقة دي أبويا شقي فيها عمره كله وكابب فيها شقا حياته عشان يسيبلي مكان يسترني، تصدق إنك طلعت أرخص مما كنت بأتخيل؟”

قبل ما يلحق يرد، صوت سرينة النجدة كانت بتهز الشارع تحت العمارة. مصطفى اتنفض في مكانه ووشه جاب ألوان، والحاجة نجوى اتلخبطت لثانية بس رجعت لثباتها الشيطاني بسرعة: “افتح الباب يا مصطفى.. افتح للشرطة ونشوف البت دي هتقول إيه! هنقولهم وقعت في المطبخ وبتتبلى علينا عشان بتكره أهلك!”

الباب خبط بقوة. فتح مصطفى، ودخل أمين شرطة ومعاه ظابط صغير في السن، عينهم لفت في الصالة في ثواني: شافوا رجلي المحروقة والصلصة المرمية على الأرض، وشافوا الدم اللي مغرق وشي ولابسي.

“خير يا فندم؟ مين اللي طلب النجدة؟” الظابط سأل وهو بصصلي بالحديد.

وقفت بالعافية، ماسكة في حرف الكنبة: “أنا يا باشا. أنا ندى، صاحبة الشقة. الست دي دلقت عليا شوربة وصلصة بتغلي، وابنها اللي هو جوزي ضربني بالقلم وفتحلي شفتي عشان رفضت أكتبلهم تنازل أو أقبل قواعدهم في بيتي.”

مصطفى اتكلم بسرعة وبلهفة: “يا باشا والله ما حصل! دي مراتي ومريضة نفسية ومجرد خناقة زوجية عادية، هي اتكعبلت في المطبخ والحلة وقعت عليها، ولما جيت أمسكها عشان تهدا هي اللي ضربت رأسها في حرف الترابيزة!”

أمه كملت وهي بتعيط بدهاء: “يا بيه أنا زي أمه! جايبة لها فطار وخضار في الصباحية، لقيتها بتشتمني وبتطردني وبتقولي مش عايزة أشوف وشك هنا، ولما ابني حجز بيننا وقعت لوحدها!”

الظابط بص للشقة، وبص لعقد الشهر العقاري اللي كان مرمي على الترابيزة، وبعدين بصلي: “معاكي البطاقة وعقد الملكية؟”

إديتهومله. اتأكد من الاسم والبيانات، وبعدين بص لمصطفى وأمه: “اتفضلوا معانا على القسم.. وأنتِ يا مدام هاتي إثبات شخصيتك وتعالي ورانا على المحضر، وهنبعتك المستشفى تعملي تقرير طبي فورًا.”

هنا الحاجة نجوى اتجننت: “نروح فين يا جدع أنت؟! أنت عارف أنت بتكلم مين؟! أنا ابني مهندس قد الدنيا وهي حتة موظفة ملهاش أصل! بقى تاخدنا على القسم عشان خاطر بت بتتدلع؟!”

“الزمي حدودك يا ست أنتِ وتكلي على الله قدامي من غير شوشرة!” الظابط قالها بصارم شديد وهو بيأشر للشرطي وياخدهم قدامه.

مصطفى وهو طالع من الباب، بصل بصة أخيرة.. بصة مش بس غضب، كانت بصة تهديد صافي: “مش هكسرك يا ندى.. وحق القلم ده والموقف ده هتاخديه غالي قوي.. افتكري إنك مراتي!”

أول ما الباب اتقفل، انهارت على الأرض. المادة السخنة كانت لسة بتأكل في جلدي، بس الوجع اللي في قلبي كان أصعب بكتير. اتصلت بصديقتي الأنتيم ومحاميتي “سارة”. في ظرف نص ساعة كانت سارة عندي، خدتني على أقرب مستشفى، عملت تقرير طبي بحروق من الدرجة الثانية في الركبة والساق، مع جرح قطعي في الشفة ومحتاج غرزتين.

رجعنا من المستشفى على قسم الشرطة. اتعمل المحضر بالواقعة، تقرير طبي، شهادة الجيران اللي سمعوا الصريخ، وإثبات حالة بملكية الشقة. مصطفى وأمه اتثبتوا في النيابة وتم الإفراج عنهم بكفالة على ذمة التحقيق في قضية ضرب وإحداث عاهة وتحريض.

أول ما رجعت الشقة مع سارة الساعة كانت دخلت في 4 العصر. جسمي كان متكتف من الوجع والرباطات لفاني من مفصل رجلي لغاية أنقحي.

“ندى.. أنتِ لازم تطلبي الطلاق فورًا وتعملي قضية خلع أو طلاق للضرر، الراجل ده وأمه مش طبيعيين!” سارة قالتها وهي بتمسح على كتفي.

ريقت ريقي بالعافية وبصيت للمكتبة اللي في الصالة.

“سارة.. افتحي اللاب توب بتاعي بسرعة.”

“ليه؟ أنتِ في إيه ولا إيه يا ندى؟ ترتاحي الأول!”

“افتحي اللاب توب يا سارة.. فيه حاجة لازم أتعلمها بنفسي.”

سارة فتحت الجهاز ووصلته بفلاشة الكاميرا الصغيره المتدارية في دبدوب صغير على رف المكتبة. الكاميرا دي كنت حطاه من ست شهور لما الشغالة القديمة سرقت خاتم دهب من الشقة، ونسيت أشيلها.

شغلنا تسجيلات النهار ده.

شفنا كل حاجة بالصوت والصورة.

شفنا دخلة الحاجة نجوى وهي بتهين البيت. شفناها وهي بتشيل الأكل بتاعي وترميه في الزبالة. شفنا لحظة ما مسكت الحلة ودلقتها عليا بقصد صريح، وشفنا القلم اللي مصطفى إداهولي ببرود مرعب.

“الفيديو ده يقودهم للسجن يا ندى! ده دليل قاطع ومفيش قاضي هيحميهم!” سارة قالتها وهي مش مصدقة عينيها.

“اصبري يا سارة..” أنا قلتها وإيدي بترعش على الماوس، “ارجعي ورا.. ارجعي بالأيام.”

“نرجع إيه؟”

“ارجعي للأسابيع اللي فاتت.. من قبل الفرح بأسبوعين، لما مصطفى كان بيجي يقعد معايا هنا في الشقة يوضب معايا العفش.”

سارة بصلتي باستغراب بس مشيت معايا. رجعنا بالتاريخ على كارت الميموري الخاص بالكاميرا.

الكاميرا كانت بتسجل بالحركة. شغلت فيديو من قبل الفرح بعشر أيام.. الساعة كانت 11 بالليل. أنا كنت نزلت أشتري مستلزمات للبيت ومصطفى كان في الشقة لوحده بحجة إنه بيستلم الستاير.

الفيديو اشتغل.

مصطفى ظاهر في الصالة.. بس مكنش لوحده!

كان معاه واحد صاحبه أنا عارفاه كويس.. اسمه “شريف”، المحامي بتاعه!

قعدت أتفرج والدنيا بتلف بيا.

شريف ومصطفى قاعدين على الترابيزة. مصطفى ماسك أوراق في إيده وبيمضي عليها!

شريف بص لمصطفى وقال بصوت واضح جدًا في المايك بتاع الكاميرا: “يا مصطفى اتأكد إن التوكيل ده صح، التوكيل العام بالبيع والشراء اللي هي بصمت عليه وسط أوراق الشقة القديمة، ده اللي هيخلينا ننقل الشقة باسمك من غير ما تحس!”

مصطفى ضحك بصوت واطي وقبيح: “يا عم متقلقش! البت عبيطة ومصدقاني ومغفلة! كتبتلي توكيل إدارة وتمثيل أمام الجهات الحكومية وسط ورق التسجيل، وشهر ولا شهرين بعد الجواز وهكون بايع الشقة دي لأمي بعقد رسمي، وساعتها هتعرف إن الله حق!”

شريف رد عليه: “طب وبقية الورث؟ الفلوس اللي في البنك والشهادات اللي سايبها أبوها؟”

مصطفى حط رجله على الترابيزة وقال بثقة مرعبة: “الشهادات محطوطة باسمها، بس أنا اتفقت مع أمي.. أول ما نتجوز، هنطفشها بنكد يومي وقواعد ناشفة، لغاية ما تطلب الطلاق بنفسها، وساعتها هنساومها: تتنازلي عن كل حاجة وعن الشهادات والفلوس مقابل إنك تطلعي بالورقة وبدون قضايا وفضايح في المنطقة! البت ملهاش حد غير واحدة صاحبتها، وأول ما تحس إنها لوحدها هترمي كل حاجة وتجري!”

سارة حطت إيدها على بقها، وشها بقى أبيض زي الطباشير: “يا نهار أسود!.. يا نهار أسود يا ندى! دول كانوا مرتبين كل حاجة! دول عيل نصب!”

أنا مكنتش بعيط. الدموع نشفت في عيني وتجمدت. الوجع اللي في رجلي اختفى وفضل مكانه نار بتغلي في عروقي.

“ارجعي كمان يا سارة..” قلتها بصوت هاديء ومستقر زي الهدوء اللي بيجي قبل العاصفة.

“ارجع لإيه تاني؟ ده الفيديو ده لوحده يوديهم لِمشلقة الإعدام بتهمة التزوير والنصب والنوايا الإجرامية!”

“ارجعي ليوم 15 في الشهر اللي فات.. اليوم اللي جالي فيه المغص الشديد بعد ما شربت العصير مع مصطفى هنا.”

سارة حركت المؤشر.. فتحت فيديو تاني من شهر فات.

أنا كنت قاعدة على الكنبة بتألم وبصرخ من بطني، ومصطفى قايم يعملي كوباية شاي.

الكاميرا جابت المطبخ من زاوية مفتوحة..

مصطفى واقف جنب البوتجاز، طلع كيس صغير من جيبه، ورش منه بودرة بيضا جوة كوباية الشاي، وقلبها بالراحة، وحط عليها النعناع عشان يغطي على الطعم!

سارة صرخت: “ده كان بيسمك يا ندى! ده كان بيحطلك حاجة في الأكل!”

دمي اتجمد. افتكرت الأيام دي.. كنت كل ما أقعد معاه وأشرب حاجة من إيده، يجيلي مغص شديد وهبوط حاد في الضغط، ولما أروح لدكتور يقولي ده مجرد نزلة معوية أو إجهاد قبل الفرح!

مستوعبتش حجم البشاعة.. مصطفى مكنش مجرد راجل طماع، ولا كان مجرد ابن أمه النرجسي.. مصطفى وأمه كانوا شبكة إجرامية كاملة! كانوا ناويين يصفوني بالبطيء، يا إما بالتسميم التدريجي اللي يبان إنه موت طبيعي عشان يورثوا الشقة والشهادات، يا إما بالضغط النفسي والضرب عشان أتخل عن كل حاجة وأهرب بجلدي!

“سارة..” رديت بصوت واطي وخالي من أي مشاعر.

“أيوه يا ندى؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى