
فتحت عيني بصعوبة، ريحة البنج والمعقمات كانت قالية المكان، وصوت جهاز ضربات القلب بيصفر جمب ودني بنبضات هادية ومنتظمة. السقف كان أبيض هادي، مش الأصفر بتاع أوضتي. لفت راسي براحة وأنا حاسة إن جسمي كله متبنج ومفيش حتة فيا مش وجعاني، بس الوجع ده كان معاه راحة غريبة. أول حاجة عيني وقعت عليها كانت أمي، “الحاجة بهيرة”، واقفة جمب الشباك الكبير بتاع أوضة المستشفى، لابسة نظارتها الطبية، وماسكة تليفونها وبتتكلم بصوت واطي جداً بس كله حسم وقوة.
“زي ما قولتلك يا متر.. الحجز التحفظي يتفعل من صباحية ربنا، وكل الحسابات البنكية بتاعته تتجمد، والفيلا بتاعة التجمع اللي باسمه وبفلوس بنتي يتغير كوالينها قبل الضهر.. مش عايزة هفوة واحدة.. الراجل ده يصحى الصبح يلاقي نفسه على الحديدة”.
قفلت التليفون ولفت وشها ليا، ملامحها الصارمة القاسية اللي الكل بيترعب منها في المحاكم اتدلت فجأة وبقت كلها حنية وهي بتجري عليا. مسكت إيدي اللي كان متعلق فيها المحاليل والدم، وبست رأسي: “حمد الله على سلامتك يا قلب أمك.. عشتي وشوفتي ابنك يا مريم.. زي القمر، شبهك وشبه جده الله يرحمه”.
دموعي نزلت من غير ما أحس، صوتي كان طالع بالعافية ومبحوح: “هو فين يا ماما؟ هو كويس؟ المشيمة.. والدكتورة..”
أمي طبطبت عليا وثبتت المخدة ورا ظهري: “الواد زي الفل يا حبيبتي، في الحضّانة بس بيطمنوا على تنفسه وهيطلعوا ليكي كمان شوية. والدكتورة نادية عملت معجزة، ربنا ستر ولحقناكي في آخر لحظة.. نزفتي كتير بس الإسعاف اللي بعته كان معاه أكياس دم من الفصيلة بتاعتك، ودخلتي العمليات فوراً.. سيبك من كل ده دلوقتي، المهم إنك قمتي بالسلامة”.
سكتت شوية، وافتكرت أحمد، النغزة اللي في قلبي كانت أقوى من وجع القيصرية.. سألتها وعيني في الأرض: “وأحمد؟”
نظرة أمي اتحولت لكتلة نار، ابتسمت ابتسامة باردة تخوف: “أحمد؟ أحمد نايم في العسل دلوقتي.. فاكر إنك بتولدي في مستشفى حكومي ومرمية في الطوارئ، ورايح يحتفل مع أخته السنيورة بفلوس شقاكي اللي دفعوها للبلطجية بتوع القمار.. بس أنا رتبتله مفاجأة العمر.. أنا مش هسجنه بس يا مريم، أنا هخليه يتمنى السجن وميطلهوش.. نامي وارتاحي دلوقتي، عشان بكرة الصبح العرض هيبدأ، وعايزاكي تتفرجي وتتبسطي”.
في نفس اللحظة دي، في كافيه غالي جداً في منطقة الشيخ زايد، كان أحمد قاعد وحاطط رجل على رجل، بيشرب سيجار وبيضحك بأعلى صوته مع أخته دعاء، اللي كانت قاعدة حاطة ميكب كامل ولابسة براندات، ومفيش على وشها أي أثر للخوف أو الرعب اللي أحمد حكاه.
“أنا مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه يا أحمد.. بجد أنت أنقذتني، الراجل بتاع مكتب المراهنات ده كان باعتلي ناس تحت البيت وكانوا هيعملوا فضيحة ويهدوا الدنيا”، دعاء قالتها وهي بتشرب عصيرها ببرود.
أحمد نفخ الدخان في الهواء وقال بثقة وغرور: “عيب عليكي يا بنتي، إنتي أختي الصغيرة، يعني عرضي وشرفي.. أنا مقبلش إن حد يمس شعرة منك.. مريم دي كانت فاكرة نفسها هتمشيني بكلامها، كل شوية ‘عملية خطيرة ومستشفى خاص’.. الستات بتوع اليومين دول بقوا فرافير، زمان أمهاتنا كانوا بيولدوا في الغيط ويقوموا يطبخوا.. أنا قولت لها اتصرفي وروحي القصر العيني، وهناك الدكاترة هيولدوها ببلاش.. والفلوس إنتي أولى بيها”.
دعاء ضحكت بامتنان: “بس مريم مش هتسكت يا أحمد، دي شقيانة في الفلوس دي سنتين وبتطبق بالليالي في شغل الهندسة ده.. لما تعرف إن الفلوس راحت كلها ومش هترجع، هتعمل مشكلة”.
أحمد لوح بإيده باستهزاء: “تعمل اللي تعمله.. أقصى ما عندها هتروح تشتكي لأمها ‘بهيرة المحامية’.. وأمها دي أنا عارفها، ست لسانها طويل وبتاعة مظاهر على الفاضي، أول ما تلاقيني واخد موقف ناشف وقفلت البيت على بنتها، هتكش.. مريم مكسورة الجناح ومن غيري متسواش، وبكرة هترجع تبوس إيدي عشان أصرف عليها هي واللي في بطنها”.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت تسعة. أحمد صحي من النوم في شقة أخته اللي تبات فيها، لبس هدومه ونزل وهو مقرر يروح المستشفى الحكومي اللي افترض إن مريم فيها عشان “يتكرم” ويشوف ابنه ويخلص الإجراءات. ركب عربيته الكيا سبورتاج اللي كان شاريها بقسط بيمول جزء منه من فلوس مريم، وشغل الكاسيت وعاش دور البطل المخلص.
أول ما وصل قدام مستشفى الطوارئ، دور على اسم مريم في الدفاتر، الموظف بص له باستغراب: “مفيش حد بالاسم ده دخل هنا امبارح يا فندم”.
أحمد استغرب: “إزاي يا فندم؟ مراتي كانت بتولد وحالتها خطيرة، أكيد جت هنا في إسعاف”.
الموظف هز رأسه: “بقولك السيستم قدامي مفيش اسم مريم فريد تماماً”.
تليفون أحمد رن في جيبه، كان رقم غريب. رد بغضب: “ألو؟ مين؟”
جاءه صوت راجل وقور وجاد: “أستاذ أحمد الشناوي؟ معارك المتر حازم الحديدي، من مكتب الحاجة بهيرة السلحدار.. إحنا بنخطرك إن تم رفع قضية طلاق للضرر، وقضية تبديد منقولات زوجية، وقضية سرقة للمبالغ المالية المودعة بحساب مدام مريم.. وحالياً في قوة من تنفيذ الأحكام وقسم الشرطة واقفة قدام فيلا التجمع الخامس لتنفيذ قرار الحجز التحفظي وطردك منها بناءً على إن العقار مسجل باسم المدعية”.
أحمد حس إن في مية ساقعة اتلقت على ظهره، صوته اتهز: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ فيلا إيه وتفتيش إيه؟ دي فيلتي وأنا اللي شاريها!”
المحامي رد ببرود قاتل: “الفيلا مدفوع تمنها بالكامل من حسابات شركة التصميم الخاصة بمدام مريم، والتوكيل اللي كنت بتتعامل بيه تم إلغائه امبارح الساعة تمانية بالليل.. ياريت تشرفنا عند الفيلا عشان تستلم حاجتك الشخصية في أكياس، لأن الكوالين بتتغير دلوقتي”.
أحمد قفل السكة وهو مش شايف قدامه، ركب عربيتة وطار على التجمع الخامس، وهو في الطريق عمال يتصل بمريم.. التليفون مقفول. بيتصل بأمها.. الجرس بيرن ومحدش بيرد.
وصل قدام الفيلا، ولقى المنظر اللي خلاه يفرمل بعنف.. عربية بوكس شرطة، واتنين أمناء شرطة واقفين، ومعاهم راجل بيغير كالون الباب الحديدي الكبير، والمحامي حازم واقف لابس بدلة شيك جداً ومعاه ملف أوراق.




