
أحمد نزل من العربية بيجرى وزي المجنون: “أنتوا بتعملوا إيه هنا؟ دي بيتي! إزاي تدخلوا هنا؟”
الضابط اللي واقف بص له بحزم: “أنت الأستاذ أحمد الشناوي؟ اتفضل أقرأ الأمر القضائي ده.. الحجز التحفظي على الفيلا وكل محتوياتها لصالح السيدة مريم فريد، وممنوع تخطي العتبة دي.. وإلا هتبقى جريمة انتهاك حرمة ملك غير، ودي فيها حبس مع الشغل”.
أحمد وشه بقى أزرق: “حبس؟ ومريم فين؟ مريم فين يا حرامية؟”
المحامي حازم ابتسم وسحب ورقة تانية من الملف: “مدام مريم في مستشفى دار الفؤاد، في جناح خاص.. وبالمناسبة، دي صورة من البلاغ المقدم لنيابة الأموال العامة ومباحث الإنترنت.. تتبع الحساب البنكي بتاع مدام مريم أثبت إنك حولت 430 ألف جنيه لحساب موقع مراهنات مشبوه مسجل باسم أختك ‘دعاء الشناوي’.. السرقة واضحة، وإثبات الضرر كامل.. وجريمة غسيل الأموال والتعامل مع مواقع مراهنات غير قانونية عقوبتها السجن المشدد.. تحب تروح للنيابة برجلك ولا تحب القوة تفضل معاك؟”
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن تاني، المرة دي كانت أخته دعاء، صوتها كان كله صريخ وعياط هستيري: “أحمد الحقني!!! الشرطة هنا في الشقة بيفتشوا، ومعاهم أمر ضبط وإحضار ليا وليك.. بيقولوا فلوس قمار ومواقع ممنوعة وأموال عامة.. أحمد أنا هتحبس! اعمل أي حاجة!”
أحمد التليفون وقع من إيده على الأرض، لقى نفسه فجأة في الشارع.. معندوش شقة، معندوش حساب في البنك لأن أمي كانت جمدت الأرصدة المشتركة بموجب دعوى مستعجلة، والشرطة بتدور عليه هو وأخته.
بعد مرور أسبوع..
كنت قاعدة في بيتي القديم، بيت أمي في المعادي.. البيت اللي كان دايماً دافي وجميل، والشبابيك الكبيرة بتاعته بتبص على النيل. كنت شيلة ابني “يوسف” في حضني، كان حتة سكرة، بيتنفس بهدوء وملامحه بريئة لدرجة تخليني أنسى كل الوجع اللي عيشته.
أمي دخلت الأوضة وفي إيدها كباية عصير دافي، قعدت جمبي على السرير وبست يوسف من جبهته.
“شايفة يا مريم؟ الراجل اللي كان فاكر نفسه ذكي ومفيش منه اتنين، قاعد دلوقتي في حجز قسم التجمع، هو وأخته المصونة”، أمي قالتها بنبرة شفقة ممزوجة بانتصار.
أنا بصيت ليوسف وقولت بصوت هادي: “أنا مش شمتانة يا ماما.. بس أنا كنت ممكن أموت.. ابني ده كان ممكن ييجي الدنيا وميلاقينيش، أو يموت هو كمان في بطني لمجرد إن أحمد شايف إننا ‘بنأفور’ وإن أخته المتهورة أولى بلقمتنا وشقانا”.
أمي مسكت إيدي وقالت بقوة: “وده اللي خلاه يدفع التمن غالي.. محامي موقع المراهنات اعترف بكل حاجة عشان ينجي بنفسه، وأثبت إن دعاء كانت بتلعب بقالها سنة وضيعت ملايين، وأحمد كان بيغطي عليها من وراكي وبياخد من فلوس شركتك.. القضية دلوقتي بقت جناية سرقة، خيانة أمانة، وتسهيل أعمال مراهنات غير مشروعة.. أحمد هيتحكم عليه بأسبوع مش أقل من 5 سنين سجن، وأخته هتاخد نفس العقوبة.. ده غير إننا رفعنا قضية نفقة متعة ونفقة صبي، وهيتحجز على عربيته اللي لسه مدفعش باقي أقساطها عشان نسدد منها ديونك”.
دمعة نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دمعة راحة.. الخوف اللي عيشته لسنوات، الإحساس بإني دايماً مقصرة ومضطرة أستحمل الإهانة والتقليل من شأني عشان المركب تسير، كل ده اتمسح في لحظة.. ربنا جابلي حقي تالت ومتلت ومن أوسع الأبواب.
“شكراً يا ماما.. من غيرك كنت هبقى ضحية جديدة في دفاتر الطوارئ”، قولت لها وأنا بحضنها.
أمي ضمتني ليها وقالت: “أنا اللي أسفة إني سبتك تصدقي كلامه زمان.. بس المهم إنك فوقتي.. وبكرة أحسن بكتير”.
مرت تلات شهور..
الحياة بدأت ترجع لمجراها الطبيعي.. رجعت لشغلي في المكتب الهندسي بتاعي، وبقى عندي عملاء أكبر، واسمي بقى معروف في السوق بشكل مستقل.. يوسف كبر شوية وبقت ضحكته بتملى عليا البيت.. أحمد وأخته صدر ضدهم حكم مبدئي بالسجن 7 سنوات مع الشغل والنفاذ، وكل محاولات أهله عشان أتنازل باءت بالفشل.. كنت بقفل الباب تماماً في وش أي حد يخصه.
في يوم، كنت برتب أوراق قديمة في مكتب الشغل بتاعي، ولقيت نوتة صغيرة أحمد كان كاتبها ليا في أول سنة جواز.. كان كاتب فيها: “إنتي أماني الوحيد يا مريم، ومن غيرك أنا أضيع”.. ضحكت بسخرية ورميت النوتة في الباسكت.. الأمان مش كلام، الأمان أفعال، والراجل اللي يبيع مراته وهي بتموت عشان يشتري رضا أخته المدمنة على القمار، ملوش مكان حتى في الزبالة.
تليفوني رن.. كان المحامي حازم الحديدي.
“ألو.. أيوة يا متر.. في جديد في القضية؟” سألته وأنا براجع تصميم جديد على اللابتوب.
صوت المحامي كان متغير، مش النبرة المنتصرة بتاعة كل مرة، كان فيه نبرة قلق وغموض غريب: “مدام مريم.. في حاجة حصلت في السجن النهاردة الصبح ولازم تعرفيها فوراً.. أحمد متبهدلش بس في الحجز.. أحمد اتعرض لحادثة جوة”.
قلبي انقبض فجأة، مش خوف عليه، بس صدمة: “حادثة إيه يا متر؟”
المحامي أخد نفس طويل وقال: “الناس بتوع مكتب المراهنات اللي دعاء كانت مديونة لهم.. اتضح إن الـ 430 ألف جنيه اللي أحمد حولهم مكنوش كل المديونية، ده كان جزء صغير جداً من مبلغ يوصل لـ 5 مليون جنيه.. الناس دول ليهم رجالة جوة السجن، والنهاردة الصبح وصلوا لأحمد في طابور التمام.. أحمد اتنقل المستشفى في حالة حرجة جداً بين الحياة والموت بعد ما اعتدوا عليه بآلات حادة.. بس المشكلة مش هنا يا مدام مريم”.
وقفت من على الكرسي وجسمي كله سقع: “أمال المشكلة فين؟”
المحامي حازم قال بصوت واطي جداً وكأنه خايف حد يسمعه: “قبل ما أحمد يدخل في الغيبوبة، اعترف للنيابة اللي راحت تحقق في المستشفى.. وقال إن كل التصاميم الهندسية والـ ‘رندرات’ اللي إنتي كنتي بتعمليها لشركات المقاولات الكبيرة السنة اللي فاتت.. هو كان بياخد نسخ منها ويبيعها لشركات منافسة لحساب نفس شبكة المراهنات دي عشان يسدد ديون أخته القديمة.. والشركات دي دلوقتي رفعت قضية تجسس صناعي وسرقة أسرار تجارية بمليارات الجنيهات.. والنيابة دلوقتي مطلعة أمر باستدعائك إنتي شخصياً كمتهمة أولى لأن العقود والتصاميم طالعة من جهازك وبإمضاءك الإلكتروني.. البوليس في طريقه لمكتبك دلوقتي يا فندم.. لازم تتحركي حالاً”.
وقفت مكانى مذهولة.. اللابتوب قدامي، وصوت سارينة عربية الشرطة بدأ يظهر بوضوح من الشارع تحت مكتبي.. أحمد مكنش بس بيستغلني.. أحمد سابلي لغم هيفجر حياتي كلها دلوقتي..




