
مرت الأيام، وبدأت . شريف مكنش بيكدب في حاجة واحدة: هو فعلا عنده علاقات. في التجديد الأول، محامين كبار من بتوع الشركات ورجال الأعمال حضروا معاه، وبدأت أشم ريحة تلعيب في القضية. التقرير الطبي الأصلي اللي في المستشفى الحكومي “اختفى” فجأة من الملف! والمحضر جاله “توجيه” إنه يتكيف على إنه جنحة مشاجرة وتبادل ضرب، مش جناية تعذيب وابتزاز.
عرفت إن اللعب تقيل، وإن في حيتان في ضهره خايفة على مصالحها مع شركته. مريم بدأت تخاف تاني، وجالها حالة من الإحباط وهي شايفة إن شريف ممكن يخرج بكفالة في أي لحظة.
قعدت في مكتبه وسط أوراق القضايا القديمة، وفتحت الدفاتر المقفولة. أنا مكنتش مجرد محامية أحوال شخصية عادية؛ أنا على مدار تلاتين سنة كنت بكتب “مذكرات” لكل قضية تلمسني، وبشيل نسخ من مستندات ورجال أعمال حاولوا يذلوا ستاتهم. بدأت أدور في علاقات شريف وفي اسم شركته “أرياجا للخدمات والاستشارات القانونية والتجارية”.
وفجأة، عيني وقعت على اسم شريك شريف في الشركة.. رجل أعمال معروف اسمه “كامل بيه يكن”. كامل يكن ده كان عندي قضية طلاق لمراته القديمة من سبع سنين، وكنت ممسكاه من إيده اللي بتوجعه في قضايا تهرب ضريبي وغسيل أموال، بس القضية خلصت وقتها بتسوية ودية بناء على رغبة موكلتي.
“آه.. يا شريف. وقعت ومحدش سمى عليك.” قلتها ونظرة انتصار لمعت في عيني.
طلبت تليفون كامل يكن مباشرة. الراجل أول ما سمع اسم “نادية علام” صوت أنفاسه اتهزت على الناحية الثانية من الخط.
“أهلا يا نادية هانم.. خير؟ إيه اللي جابنا على بالك بعد السنين دي كلها؟”
قلت له بنبرة هادية وقاتلة:
“خير يا كامل بيه. شريكك في الشركة، شريف، محبوس في قضية ضرب وابتزاز لبنتي مريم. وعرفت إن في أطراف تابعة ليك بتحاول (تظبط) ورقة القضية عشان يخرج في التجديد اللي جاي بكرة. أنا بس حبيت أقول لك إن لو شريف ده شم الهوا بكرة، أنا هقدم بلاغ رسمي للنائب العام بالبند القديم والجديد.. بمستندات التهرب الضريبي لشركتكم اللي شريف نفسه مايعرفش عنها حاجة، والنسخ لسه معايا في الخزنة ومنورة. شريف هيروح في داهية، بس هياخد شركتك واسمك وفلوسك معاه في السكة. تفتكر شريف يستاهل تضحي بكل ده عشانه؟”
الخط سكت لثواني، ثواني كانت كأنها دهر. بعدين كامل يكن اتنفس ببطء وقال:
“شريف غلط.. واللي يغلط يستحمل نتيجة غلطه يا نادية هانم. إحنا مالناش دعوة بالقضايا الشخصية لموظفينا أو شركائنا. القانون ياخد مجراه.”
قفلت السكة وأنا عارفة إن الغطاء السياسي والقانوني اللي كان بيحمي شريف ارفع تماما.
في جلسة التجديد، شريف دخل المحكمة وهو واثق إن محامينه مخلصين كل حاجة، وإن التقرير المخفي هيطلعه بريء. بس الصدمة كانت لما المحامي الكبير بتاعه اعتذر عن القضية فجأة الصبح قبل الجلسة! ودخل محامي تاني صغير ميعرفش حاجة عن اللعب اللي تحت الترابيزة.
أنا وقفت قدام قاضي التجديدات، وقدمت نسخة تانية طبق الأصل من التقرير الطبي، كنت مطلعاها ومختومة بختم النسر من مديرية الصحة مباشرة قبل ما التقرير الأول يتسرق، وقدمت كمان شهادة تفريغ الموبايل من مباحث الإنترنت اللي أثبتت وجود الفيديوهات والابتزاز.
القاضي بص لشريف بنظرة احتقار، وخبط بالشاكوش:
“استمرار حبس المتهم خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق.”
شريف انهار تماما في قفص الاتهام. وبدأ يصرخ ويشتم ويهدد، وأمه، الحاجة إلهام، قعدت على الأرض في صالة المحكمة تصوت وتلطم على وشها بعد ما برستيج العيلة كله اتمسح ب بلاط المحكمة.
بعد شهرين كاملين من التحقيقات والضغط، القضية اتحولت لمحكمة الجنايات بتهمة الضرب المفضي إلى عاهة مستديمة (بسبب كسر الفك والآثار النفسية) والابتزاز الإلكتروني.
مريم بدأت تسترد عافيتها، وبدأت تنزل معايا المكتب، تتعلم إزاي الست متسيبش حقها. في يوم الجلسة النطق بالحكم، المحكمة كانت زحمة جدا. شريف كان واقف في القفص، دقنه طولت، وشكله بقى ذليل، مفيش أي أثر للراجل اللي كان بيتمرع في شقته بالوجاهة والكدب.
القاضي اعتلى المنصة، وساد الصمت التام في القاعة. بدأ يقرا أسباب الحكم، وكلامه كان زي البلسم على قلبي وقلب بنتي:
“وحيث إن المتهم قد خان الأمانة، واستقوى على من جعلها الله تحت رعايته، واستخدم وسائل دنيئة لابتزازها وإذلالها.. حكمت المحكمة حضوريا على المتهم شريف أرشيف بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، ومصادرة الأجهزة المضبوطة.”
صوت الزغاريد ملا القاعة من الستات الغلبانة اللي أنا كنت بساعدهم والاقارب اللي جوم يدعموا مريم. مريم رمت نفسها في حضني وهي بتعيط، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة، دموع كأنها بتغسل سنتين من الذل والخوف.
رجعنا البيت بالليل. الجو كان هادي، صبينا كاسين عصير ليمون وقعدنا في البلكونة اللي بتبص على شوارع مصر الجديدة. مريم كانت بتبتسم، ولأول مرة أشوف سنانها وهي بتضحك من قلبها.
“أنا مش مصدقة يا ماما..” مريم قالتها وهي بتتنهد. “أنا حاسة إني اتولدت من جديد. شريف خلاص انتهى، وأمه سابت الشقة والتمكين طلع، وكل حاجة رجعت صح.”
طبطبت على إيدها وقلت لها: “العدل دايما بينتصر يا مريم، لما نكون قويين ومابنخافش.”
في اللحظة دي، تليفوني المحمول اللي كان محطوط على الترابيزة رن. الرقم كان غريب، مش متسجل عندي.
رديت وفتحت الاسبيكر: “ألو؟ مين معايا؟”
جالي صوت نفس عميق، بعدين صوت راجل غريب، صوته كان حاد وهادي جدا، لدرجة تخلي الدم يتجمد في العروق.
“نادية علام؟” الراجل قالها ببرود مرعب.
“أيوا أنا.. مين حضرتك؟”
الراجل ضحك ضحكة قصيرة ومكتومة وقال:
“مبروك الحكم على شريف.. يستاهل الخايب. بس أنتِ فاكرة إنك كده خلصتي؟ شريف كان مجرد عيل شغال عندنا، بس اللعب التقيل مع كامل يكن وشركاه مابيموتش بالبساطة دي. النسخ والمستندات اللي في خزنتك اللي هددتي بيها كامل بيه؟ ياريت تروحي تشيكي عليها دلوقتي في مكتبك.. عشان مكتوب في دفاترنا إن اللي بيلعب مع الكبار، لازم يستحمل لما بيته وولاده هما اللي يولعوا.”
السكة اتقفلت فجأة.
بصيت لمريم، لقيت وشها رجع يصفر تاني من الخوف وهي باصة لي وعينيها مبرقة. قمت بسرعة جنونية، دخلت الأوضة وفتحت كاميرا المراقبة المربوطة بموبايلي واللي متثبتة جوه مكتبي في وسط البلد..
الشاشة كانت سودة تماما، وبعد ثواني، ظهر وميض نار أحمر مرعب، وبدأت ألسنة اللهب تطلع من شباك المكتب وتغطي الكاميرا كلها. مكتب تاريخي وتعب تلاتين سنة ومستندات بتهز رؤوس كبار في البلد.. كله بيتحرق قدام عيني في لحظة واحدة، وصوت الراجل لسه بيرن في ودني: “اللعب التقيل يادوب لسه هيبدأ”.




