
الفيديو كان تقرير فني صادر من خبير استشاري معتمد لدى محكمة الاستئناف ومباحث الإنترنت.
— “التسجيلات دي يا أستاذ فريد..” أحمد وجه الكلام لمحامي أمي. “..مفبركة بنسبة 100% باستخدام برنامج اسمو ElevenLabs. وإحنا تتبعنا الـ IP address اللي اتعمل منه الداونلود وتدريب موديل الصوت.. وعارفة طلع منين يا مدام هدى؟ طلع من الراوتر بتاع الشقة دي! من التليفون بتاعك أنتِ شخصياً بالـ MAC Address بتاعه!”
أمي اتسمرت مكانها.
فريد المحامي بص لأمي بذهول ووشه اصفر، وبدأ يرجع بكرسيه لورا.
— “أنتِ استغفلتي يا مدام؟” فريد زق الورق بعيد عنه. “أنا ماليش دعوة بالكلام ده! دي قضايا تزوير واستخدام ذكاء اصطناعي في التشهير وجرائم إلكترونية فيها سجن مش أقل من 7 سنين مع الشغل والنفاذ!”
أمي صرخت في فريد:
— “أنت هربت يا جبان؟”
وبعدين التفتت لي وهي بتترعش من الغل:
— “فاكر إنك كسبت يا طارق؟ فاكر إنك تقدر تحبس أمك؟ أنت لو حبستني هتبقى عاق! هفضحك قدام الدنيا كلها وأقول ابن هدى حبس أمه عشان بت!”
أنا قمت وقفت.
قربت منها، وحطيت إيدي في جيبي.
— “أنا مش هحبسك يا هدى.”
أمي اتفاجئت، وعينها وسعت:
— “مش هتحبسني؟”
— “أنا مش هحبسك عشان حاجة واحدة بس.. عشان البنت اللي في بطن ندى، لما تكبر، مش عايزها تعرف إن أبوها دخل جدهاتها السجن. بس ده مش معناه إنك كسبتي.. ده معناه إنك خسرتي كل حاجة.”
طلعت من جيبي ورقة تانية.
— “دي دعوى حجر برفعها عليكي بسبب عدم الأهلية النفسية والسلوك الإجرامي.. ودي ورقة تنازل تام وصريح منك عن أي حق أو مطالبة أو توكيل تخصني أو تخص مراتي أو شقتنا. وده قرار عدم تعرض موثق في النيابة.. لو قربتي من الشارع اللي فيه الشقة، أو اتصلتي برقم ندى أو رقمي، أو حاولتِ تظهري في حياتنا تاني، الملف الأسود ده بالكامل هينزل في مباحث الإنترنت والنيابة العامة فوراً. وهتقضي باقي عمرك في لومان النساء.”
أمي بصت للورق، وبعدين بصتلي أنا.
شافت في عيني حاجة عمرها ما شافتها: راجل انتهى زمن السيطرة عليه. راجل اختار بيته ومراته وبنته، ومسح أي تأثير للابتزاز العاطفي اللي عاش فيه طول عمره.
— “أنت.. أنت بتبقيع أمك يا طارق؟” صوتها كان بيترعش، والدموع المرة نزلت من عينها.
— “أنتِ اللي بعتيني من يوم ما افتكرتي إن الحب ملكية، وإن الجواز استعباد، وإن ابنك مجرد أداة لتفريغ أحقادك. امضي يا هدى.. امضي واخرجي من حياتنا.”
فريد المحامي زق القلم في إيدها:
— “امضي يا مدام هدى.. الموقف قفش، ولو القضايا دي اترفت أنتِ مش هتشوفي النور تاني.”
مسكت القلم بكتف مكسور.
إيدها كانت بترعش وهي بتبصم وبتوقع على الورق.
كانت بتوقع على نهايتها في حياتي.
أول ما خلصت التوقيع، أحمد سحب الورق وتأكد منه.
أمي قامت وقفت بالعافية. بصت لندى اللي كانت قاعدة ساكتة وبتبصلها بنظرة شفقة مش خوف.
أمي قربت من الباب، ولما جيت أقفل الباب وراها، لفت لي وقالت بصوت مكسور:
— “هتيجي في يوم وتندم يا طارق.. لما بنتك تكبر وتعمل فيك زي ما عملت فيا.”
رديت عليها وأنا بمسك إيد ندى اللي جت وقفت جنبي:
— “بنتي هتكبر في بيت فيه حب واحترام.. مش بيت فيه دم وسجلات تعذيب وخزائن مقفولة بالسر. مع السلامة يا هدى.”
وقفلت الباب في وشها.
سمعت صوت خطواتها وهي نازلة على السلم، خطوات ثقيلة، مكسورة، خطوات ست أدركت إنها خسرت كل حاجة بسبب طمعها وغلها.
عدت ست شهور.
الشقة رجعت هادية. الريحة البخور اللي كانت بتخنقني اتغيرت بريحة ورد وبودرة أطفال.
ندى كانت قاعدة على الهزاز، في حجرها “ليان”.. بنتنا اللي نورت دنيتنا.
الشفة بتاعة ندى التأمت، والندبة الصغيرة اللي فاضلة كانت مجرد تذكير بالمعركة اللي عدت منها.
الفولدر اللي كان فيه 412 سجل تعذيب مسحناه تماماً من على التليفون، بس حطينا هارد ديسك مشفر في مكان أمين.. مش عشان نستخدمه، بس عشان يفضل شاهد على اليوم اللي اخترت فيه الحق.
أنا استقلت من شركتي القديمة، وفتحت شركة البرمجة الخاصة بيا مع أحمد، والشقة بقت ملك خالص لندى وليان.
في يوم، وأنا قاعد جنب ندى بالليل وبشرب شاي، التليفون رن.
رقم غريب.
فتحت الخط:
— “ألو؟”
صوت راجل غريب، صوته جاد ورسمي:
— “حضرتك المهندس طارق؟”
— “أيوة أنا.. مين معايا؟”
— “أنا المقدم هشام من شرطة النجدة.. بنبلغ حضرتك إن الحاجة هدى اتوجدت من ساعة تقريباً مغمى عليها في شقة مقفولة في إمبابة، وحالتها الصحية حرج جداً..”
أنا اتسمرت مكانى. بصيت لندى.
الظابط كمل كلامه بنبرة غريبة خلت شعر جسمي يقف:
— “..بس المشكلة مش بس في حالتها الصحية يا باشمهندس. المشكلة إننا لما دخلنا الشقة، لقينا الحيطان كلها مكتوب عليها اسمك واسم ندى بالدم.. ولقينا صندوق حديد كبير مقفول بجنزير، وجواه حاجة غريبة جداً لازم تيجي تستلمها بنفسك فوراً لأنها تخصك أنت شخصياً!”
بصيت لندى، والتليفون اترعش في إيدي مرة تانية..
الكابوس اللي افتكرت إنه انتهى بدمغة محامي وقرار عدم تعرض.. كان يادوب بيغير شكله وبيستعد يفتح باب ألعن وأشد ضلاماً!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




