صحة و جمال

د بيت العيله

أمي نزلت وهي لابسة أفضل ما عندها، وشيماء كانت حاطة ميك أب كامل وكأنها رايحة فرح. سحبوا أمل من إيدها بقلة أدب، وزقوها في العربية الزيرو اللي كانت مركونة بره.. العربية اللي اتشرت بفلوس شقايا.

وصلنا لمكتب توثيق الشهر العقاري. المكان كان زحمة، بس أنا كنت مجهّز كل حاجة. المحامي بتاعي كان مستنينا جوه، ومعاه ثلاث موظفين كبار ورجل قانون.

أمي وشيماء دخلوا بثقة وعنجهية، فاكرين إن أمل رايحة تبصم على تنازلها عن الأربعة مليون عشان ينزلوا في جيبهم.

قعدنا في مكتب الموثق. أمي حطت أوراق البيت والعربية على الترابيزة وقالت بتكبر: “أهو يا أستاذ، سجل التنازل وخلي البت دي تبصم بسرعة عشان ورانا مشاوير!”

الموثق بص للأوراق، وبعدين بص لأمي بجمود، ورفع سماعة التليفون: “ادخل يا حضرة الضابط.”

الباب اتفتح.. ودخل ضابط المباحث ومعاه اتنين عساكر.

الصدمة نزلت على وش أمي زي الصاعقة. شيماء وقفت ووشها اصفر زي الليمونة: “إيه ده؟! فيه إيه يا إبراهيم؟! مين دول؟!”

قمت وقفت بالراحة، وبصيت في عين أمي وأنا ببتسم ابتسامة الموت.

“إيه يا أمي؟ مش عايزة تعرفي الأربعة مليون جنيه فين؟”

المحامي فتح شنطته وطلع ملف أسود تقيل، ورمى الأوراق قدام أمي وشيماء على الترابيزة.

“الأوراق دي..” المحامي قال بصوت جهوري: “أولًا: بلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة الشروع في القتل العمد للزوجة أمل، والامتناع عن تقديم الرعاية الطبية لمريضة سرطان، والاحتجاز دون وجه حق، والتعذيب البدني والنفسي.”

“ثانيًا: محضر سرقة بالنصب والاحتيال وتبديد أموال المغترب، مثبت بجميع التحويلات البنكية من كندا لمصر على مدار أربع سنين، والبالغ قيمتها 102 ألف دولار أمريكي.”

“ثالثًا: تسجيلات صوتية وفيديوهات مثبتة من كاميرات المراقبة للبيت ومحلات الصاغة، بتثبت بيع الممتلكات وشعر المجني عليها بغير إرادتها!”

أمي إيديها اترعشت، والغوايش الدهب بقت بتخبط في بعضها بصوت جنوني. زقت الترابيزة وصرخت بانهيار: “انت بتعمل إيه يا إبراهيم؟! انت بتبيع أمك عشان البت الشحاتة دي؟! أنا أمك يا خاين! أنا اللي ربيتك!”

صرخت فيها بصوت هز أركان القاعة، صوت طالع من قعر جهنم: “أمي؟! الأم ما بتاكلش لحم عيالها! الأم ما بتسيبش مراتي تموت بالسرطان وتبيع شعر رأسها عشان تأكلكم دهب! انتوا مش بني أدمين.. انتوا وحوش أشرار من التراب!”

شيماء انهارت على الأرض، ومسكت في رجلي وهي بتبكي بهستيريا: “والنبي يا إبراهيم! رودي خطيبي حيسيبني! والله أمي هي اللي قالتلي! والله هي اللي كانت بتاخد الفلوس وتطرد أمل!”

أمي بصت لشيماء بغل وصرخت: “يا بت الكلب يا خاينة! بقى أنا اللي قولتلك؟! ده انتي اللي كنتي بتمسكي الموس وتحلقي لها شعرها وتضربيها!”

المشهد اتحول لملحمة من القذارة والرخص.. الأم والأخت بياكلوا في بعض قدام الضابط والموظفين، بيكشفوا قذارة بعض عشان يهربوا من السجن. الكل كان بيبصلهم بقرف واشمئزاز.

الضابط قرب وكلّبش إيدين أمي وإيدين شيماء.

“يلا قدامي على القسم..” الضابط قال ببرود.

وأمي بتتجر من إيدها والدهب بينزل من معصمها على الأرض، بصتلي بعينين مليانة غل ودموع طمع، وصرخت: “مش هسامحك يا إبراهيم! ربنا يفقرك! الفلوس فين؟! الأربعة مليون فين؟!”

رديت عليها بصوت هادي، وأنا ماسك إيد أمل اللي كانت واقفة ورايا بتعيط: “الأربعة مليون كانوا كدبة يا أمي.. كدبة صنعتها عشان ألم القمامة اللي زيكم في مكان واحد وأرميها في السلة اللي تستاهلوها!”

البيت الكئيب اتباع بالكامل بأمر المحكمة لرد الأموال المبددة. العربية تم التحفظ عليها، والصاغة والدهب اتصادروا لصالح علاج أمل. أمي وشيماء أخدوا أحكام مشددة في قضايا النصب والاحتجاز والتعذيب، وبقوا يلبسوا البدلة الزرقا ويغسلوا بلاط السجن بنفس الأيدي اللي كانت بتلبس الدهب.

أنا أخدت أمل، وسافرنا للقاهرة. دخلتها أكبر مستشفى متخصص، وبدأنا رحلة العلاج الكيميائي والإشعاعي بكل طاقتنا ورجاءنا في ربنا.

بعد سنة كاملة..

كنت واقف في جنينة المستشفى، الجو كان ربيعي والشمس دافية. أمل كانت واقفة قدامي، الوش الشاحن اصفر بجي بياض وردي، وجسمها بدأ يرد فيه الروح.. وشعرها الأسود الناعم بدأ ينبت تاني ويتفرد زي الحرير على قفاها.

ابتسمتلي، ابتسامة نقية رجعتلي الأربع سنين شقى في ثانية واحدة.

“إبراهيم..” أمل همست وهي ماسكة إيدي: “الدكتور طلع دلوقتي.. وقال إن المسح الذري طلع نضيف تمامًا.. أنا خفيت يا إبراهيم! السرطان راح!”

حضنتها بقوة، ودموع الفرحة نزلوا من عيني لأول مرة من سنين. حسيت إن الدنيا أخيرًا ابتسمت، وإن الحق رجع لأصحابه.

وفجأة.. التليفون في جيبي رن.

كان رقم غريب من السجن المركزي.

رديت بالراحة: “ألو؟”

جالي صوت مأمور السجن، صوته كان جاد ومستعجل: “حضرتك إبراهيم محمود؟”

“أيوة أنا.. خير يا فندم؟”

“والدتك، الحاجة كرمة.. تعبت فجأة ونقلناها مستشفى السجن في حالة حرجة جداً.. الدكاترة بيقولوا إنها في لحظاتها الأخيرة بسبب الفشل الكبدي، وهي بتبكي وطالبة تشوفك انت ومراتك فوراً قبل ما تموت.. بتقول عندها سر خطير ولازم تقولهولك، سر هيغير مجرى حياتك كلياً ويخص أصل الفلوس وأصل العيلة!”

سكتّ.. الهواء اتجمد في صدري، وأمل بصتلي باستغراب وهي شايفاني ببهت.

السر ده إيه؟! وإيه اللي ممكن تكون أمي مخبياه طول السنين دي وعايزة تقوله وهي على فراش الموت؟!

بصيت لأمل.. وبصيت للتليفون.. وعرفت إن القصة.. ما انتهتش، وأن الباب اللي افتكرت إني قفلته بيدي.. يلا فتح على كابوس جديد!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى