صحة و جمال

د الدكتوره شيماء

الدكتورة شيماء جابت كرسى وقعدتني عليه بالراحة لما شافتني برتعش وزي ما أكون هغمى عليا. صوات الشارع برة والدبدبة على باب العيادة كان زي ما يكون جايلهم هسس، بس الصوت اللي كان بيلف في دماغي زي السكينة هو صوت حماتي وهي بتصرخ في اللاسلكي: *”أنت كنت بتحط فيها إيه يا أحمد؟!”*

الجملة دي فتحت أبواب جهنم في دماغي. يعني الحاجة تهاني، السيدة الشريفة العفيفة اللي كانت بتدخل عليا كل يوم الصبح بإبتسامة حنونة وتطبطب على كتفي وتقول لي “اشربي يا حبيبتي عشان ضناكِ يشوف النور”، كانت بتقدم لي الموت أو العجز بإيديها وهي فاكرة إنه علاج؟ ولا دي تمثيلية متفقين عليها؟

الممرضة إيمان جرت على الباب الحديد الداخلي وقفلته بالترباس الفولاذي، ورجعت وهي ماسكة الموبايل وبتقول للدكتورة بصوت واطي: “النجدة قريبة يا دكتورة، قالوا خمس دقائق وتكون البوكسات عند العمارة.. بس الدكتور برة شكله اتجنن، ده بيكسر زجاج الصالة!”.

في شاشة المراقبة الصغيرة، شفنا أحمد وهو بيتحول لحيوان مفترس. نظرة الدكتور الرزين، صاحب البدل الكلاسيك والابتسامة الساحرة اللي بتدوّخ العيانين في المهندسين، طارت وتبخرت. مسك أمه من دراعها بعنف وشاددها ناحية المصعد، بس هي كانت متسمرة، الكوباية الفضة المانعة للصدأ محشورة في حضنها كأنها طفل صغير.

وفجأة، شفته بيطلع من جيب جاكيته الفرواني حاجة صغيرة.. شريط دواء مطحون أو أنبولة زجاجية صغيرة، وحاول يخبيها في إيده وهو بيحاول يشد الكوباية منها بالقوة. الحاجة تهاني صرخت، والكوباية طارت من إيديها ووقعت على السيراميك.. الشاي الأسود الثقيل اندلق، وبقعة سودة كأنها حبر سالت على الأرض.

الدكتورة شيماء اتسعت عينيها وهي تبص للشاشة: “إيمان! انزلي هاتي عينة من السائل ده فوراً قبل ما يمسحوه! دي الأدلة اللي هتقطم رقبته!”.

“بلاش يا دكتورة!” أنا صرخت والدموع نازلة تغرق وشي.. “أحمد ممكن يؤذيها.. أحمد مابقاش هو البني آدم اللي أنا اتجوزته!”

الدكتورة مسكت إيدي بقوة ودفا: “ولاء.. استجمعي قوتك. اللي حط جسم غريب جوة رحمك بدون علمك، وبيعطيكِ سموم يومية تحت مسمى ‘أعشاب تقوية’، ده مش جوزك.. ده مجرم. وأنتِ دلوقتي مش بتدافعي عن نفسك بس، أنتِ بتدافعي عن الروح اللي جواكِ اللي فاضلها أسابيع وتشوف الدنيا. فاهمة يعني إيه؟”

الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. مسحت دموعي بإيد بتترعش بس قلب بدأ يتصلب. افتكرت الثمانية أشهر اللي فاتوا.. افتكرت لما كان بيمنعني ألمس المطبخ، لما كان بياخد مني بطاقة الرقم القومي ويقول لي “ضايعة وهعملك غيرها”، لما كان بيكتب لي على أدوية ويصر إنه هو اللي يفرغها في علبة بلاستيك بيضاء من غير اسم.. أنا كنت عمياء؟ ولا هو كان شاطر في لغوصة العقول لدرجة إني صدقت إني مجنونة؟

صوت سرينة النجدة ضرب في الشارع تحت العمارة. الصوت كان زي طوق نجاة اترما لي في بحر ظلمات.

على الشاشة، شفنا أحمد بيتراجع خطوتين ورا لما شاف أنوار البوكس الأحمروالأزرق بترفرف على زجاج العمارة من برة. ساب أمه مرمية على الكرسي وجري ناحية السلم الخلفي للعمارة.. هرب! هرب وساب أمه مع الكوباية المندلقة وسابني أنا والدكتورة جوة العيادة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى