صحة و جمال

د الدكتوره شيماء

أنا قاعد على كرسي جلد مقشر في مكتب رئيس المباحث، ملفوفة ببطانية تقيلة جابتهالي الدكتورة شيماء، وإيدي فيها كانيولا محطوطة على المحلول اللي ركبوه لي عشان يطهروا جسمي مبدئياً من المواد المجهولة. الحاجة تهاني كانت قاعدة في الزاوية الثانية، بتعيط بانهيار، طقم الفضة محطوط في كيس أدلة بلاستيك شفاف على مكتب الظابط، ومعاه الموبايل بتاعي اللي فيه الرسائل التهديدية.

الظابط شريف، بوشه القاسي ونظراته الفاحصة، كان بيبص في التقرير المبدئي اللي كتبته الدكتورة شيماء وارفقت معاه صور السونار.

“دكتورة شيماء.. أنتِ متأكدة من اللي مكتوب هنا؟” الظابط سأل بصوت جاد جداً.

الدكتورة وقفت بثبات وقالت: “سيادة المقدم، أنا استشارية النساء والتوليد بشتغّل بقالي عشرين سنة. اللي محطوط جوة رحم المدام ولاء ده مش شريط منع حمل ولا لولب عادي.. ده جهاز دقيق جداً مصنوع من مادة التيتانيوم، ومحشور بطريقة جراحية خبيثة بالقرب من القناة الشريانية للرحم.. الجهاز ده بيفرز كميات ميكروسكوبية من مادة مخدرة وبتقلص العضلات. ده غير المادة اللي لقيناها في الكوباية اللي تحاليها المبدئية طلعت مادة ‘الزرنيخ’ المخفف مع مركبات الهالوبيريدول.. يعني بيسممها بالبطيء وبيجيب لها هلاوس ونقص ذاكرة!”

أمي اللي جابوها من البيت وهي بتصرخ وتولول لما عرفت، كانت قاعدة جمبي بتعصر إيدي: “يا حبيبتي يا بنتي! يا ابن الحرام يا أحمد! ده كان بيجي يحط إيده على دماغي ويقولي ادعيلي يا أمي.. طلع بياكلك سم؟!”

أنا كنت ساكتة.. عيني كانت مركزة على الحاجة تهاني.

“ليه يا حاجة؟” صوته خرج مخنوق، زي صوت طفل مجروح.. “أنا عملت لك إيه؟ أنا كنت بمسح تحت رجليكِ.. كنت بعاملك زي أمي وأكتر.. ليه كنتِ بتسقيني السم بإيدك؟”

الحاجة تهاني رفعت وشها.. وشها كان دبلان وعينيها حمرا من العياط. رفعت إيديها وهي بتترعش وقالت: “والله العظيم ما كنت اعرف يا ولاء! والله العظيم يا بنتي على حافة القبر ما كنت اعرف! هو قال لي دي تقوية.. قال لي ولاء جسمها ضعيف والولد مش هيثبت إلا بالحبوب دي لما نذوبها في الشاي.. قال لي بلاش تعرفيها عشان هي عافية ومبتتحبش تاخد أدوية!”

الظابط شريف خبط بإيده على المكتب خبطة هزت الأوضة: “بس أنتِ لما هو حاول ياخد الكوباية منك برة العيادة قولتيله ‘أنت بتحط فيها إيه’.. يعني كنتِ شاكة!”

الحاجة تهاني انكمشت في نفسها وعيطت بأعلى صوتها: “كنت شاكة من أسبوع فات يا باشا! لما لقيت في زبالة أوضته زجاجات فارغة مكتوب عليها علامات خطر وحماجم.. ولما سألته اتعصب عليا وزقني وقالي ‘اسكتي يا جاهلة دي تركيبات أبحاث لجامعة القاهرة’.. أنا خفت منه! أحمد مابقاش ابني.. أحمد بقى حد تاني من ست شهور!”

“من ست شهور؟” أنا ردت الكلمة وراه.. “إيه اللي حصل من ست شهور؟”

هنا الحاجة تهاني حطت إيديها على وشها وقالت بصوت مكسور: “لما البنت السورية جت العيادة.. البنت اللي كانت بتشتغل ممرضة عنده واختفت فجأة!”

الأوضة كلها سكتت. الظابط شريف بصلها بتركيز شديد وقعد على الكرسي وأخد نفس طويل: “قصة إيه دي يا حاجة؟ اتكلمي وعدلي كلامك عشان كل كلمة هتتسجل في المحضر.”

الحاجة تهاني مسحت دموعها بكم جلابيتها وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش: “من ست شهور.. أحمد كان عنده ممرضة اسمًا ‘رغد’.. بنت غلابة شغال معاه في العيادة الخاصة بتاعة المهندسين. وفي يوم، رغد دي جتلي البيت وهيا بتبكي، قالتلي إن أحمد بيعمل عمليات غير شرعية في العيادة بالليل.. عمليات إجهاض للمراهقات والتجارب على أدوية غير معتمدة لحساب شركة أدوية أجنبية مقابل مبالغ ضخمة بالدولار.. وقالتلي إنها سجلت له فيديو وهو بياخد الرشوة وبيجري عملية خطيرة للبنت ماتت تحت إيده وتستر عليها!”

قلبي كان بيموت مع كل كلمة.. أحمد؟ جوزي؟ الطبيب الخدوم المحترم، بيعمل كدة؟

كملت الحاجة تهاني: “رغد قالتلي إنها مهدداه بالفيديو ده عشان يقفل العيادة ويسلم نفسه.. ثاني يوم، رغد اختفت تماماً. وأحمد جالي البيت ومعه شنطة فلوس تقيلة وقال لي ‘رغد سافرت بلدها خلاص، ومفيش حد يقدر يقف في طريقي’. ومن اليوم ده.. أحمد بقى يتصرف بغرابة.. بقى يقفل الأبواب، ويبص في السقف كأن حد بيراقبه، ولما ولاء حملت.. جنونه زاد!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى