
“أنا أباكي بالدم والروح يا فريدة!” صرخ بصوت متبح. “أنا اللي حميتك ٢٨ سنة! غيرت اسمي، هربت من الخدمة، سكنت في أطراف القليوبية والفيوم، وجوزت وفاء عشان أعمل غطاء اجتماعي كامل.. كل ده عشان يوم ما تدوري على أصلك ما تلاقيس غير السد المنيع ده!”
وفاء اتكلمت فجأة وصوتها بترتعش: “إسلام ابني.. إسلام مش صايع يا فريدة.. إسلام اتكشف أمره لما لقى أوراق أصلية في الخزنة القديمة، ولما حاول يبيعها عشان يسدد ديونه، المريديان طالتوه.. هددوني بذبح ابني لو ما مثلتش دور الأرملة اللي سرقت كل حاجة عشان أطفشِك وما تدوريش ورانا!”
صوت مكبر الصوت بره قطع كلامها: “قدامكم ٣٠ ثانية.. الاقتحام حتمي!”
أبويا اتجه للترابيزة، شد الكارت الميموري وربطه في سلسلة فضة كانت في رقبته، وقلعها ورماها عليا. مسكتها في الهوا تلقائياً.
“الكارت ده عليه كل حاجة يا فريدة.. فك شفرة الملفات اللي أمك ماتت بسببها، والأسماء الحقيقية لجواسيس ‘المريديان’ جوه البلد.. بما فيهم الزيني.” أبويا وطي وقعد على كرسي مكسور، كأنه خلاص سلم نمر. “اخرجي.. سلمي نفسك.. بس إوعي تديهم السلسلة. الشفرة مش هتتفك غير بأسلوب أمك.. وأنتِ الوحيدة اللي ورثتي طريقة تفكيرها.”
“مش هسيبك!” صرخت وأنا بحاول أجرّه.
“لو طلعت معكي هيقتلونا إحنا الاتنين في السكة ويقولوا تبادل إطلاق نار!” زقني بقوة باتجاه الباب الخلفي للكوخ اللي كان مستخفي تحت جدار خشب. “انزلي من النفق ده.. ده بيعدي تحت الأرض وبيطلع على الملاحة القديمة.. اجري يا فريدة! كملي اللي أمك بدأته!”
الرصاص بدأ يخترق الخشب. صوت ضرب النار الحي ملأ المكان، والزجاج اتنثر في كل حتة. وفاء صرخت وهي بتترمى على الأرض. أبويا مسك كرسي خشب ورماه على الشباك عشان يشغلهم، وصرخ فيا بآخر ما عنده: “اجرييي يا فريدة!”
فتحت الفرغة الخشبية في الأرض ونزلت في الضلمة. الرطوبة وريحة الطين ضربت في وشي. مشيت أزحف وأجري في النفق الضيق، وأنا سامعة فوقي صوت تكسير الأبواب وصراخ وفاء، وصوت هادي وبارد بيتردد في الكوخ فوق: “فين البنات؟ فين الشريط؟”
بعد خمس دقايق من الجري في ضلمة كاحلة، وضربات قلبي بتسمع في ودانى زي الطبول، طلعت من فتحة ضيقة مستخبية بين الغاب في منطقة الملاحة بالفيوم. الهواء الساقع ضرب وشي، والهدوء هنا كان يرعب بالمقارنة مع الجحيم اللي سبته ورايا.
بصيت ورايا، شفت نيران ولعة في الكوخ من بعيد، والدخان طالع للماضي كأنه بيكتب نهاية حياتي القديمة.
وقفت في وسط الهاموش والطين، ماسكة السلسلة الفضة في إيدي. الرتبة اللي على كتفي بقت هدف، واسمي بقى تهمة، والبلد اللي خدمت فيها بكل جوارحي بقت فيها قيادات عايزة رقبتي.
طلعت تليفوني الميداني الطوارئ اللي محدش يعرفه غير شبكة خاصة جداً. فتحت الجهاز وكتبت كود مشفر ما يعرفهوش غير زميل واحد بس.. الرائد حازم، الشخص الوحيد في المخابرات الحربية اللي أقدر أثق فيه، أو ده اللي كنت فاكراه.
بعتله: “الغطاء اتكشف. المريديان مخترقة القيادة. محتاجة نقطة التقاء أمنة.”
بعد ثانيتين بالضبط، التليفون جاله إشعار بشاشة حمرا.. إشعار إن الرسالة ما راحتش لحازم.. الرسالة تم اعتراضها وتحويلها لعنوان تاني خالص.
وعلى الشاشة، ظهرت رسالة نصية واحدة من رقم مجهول:
“شكراً يا نقيب فريدة.. كنتِ فاكرة إنك بتجري بعيد عننا؟ النفق اللي خرجتي منه.. بيصب مباشرة في عربيتنا.”
قبل ما ألحق أرفع السلاح، نزل ضوء ليزر أحمر على صدري، وصوت تحشير سلاح ألي أتقفل ورا ضهري مباشرة، وصوت ناعم ومألوف جداً قال من ورايا:
“سلمي السلسلة يا فريدة.. كفاية لحد كده.”
لتفت ببطء.. والدم اتجمد في عروقي لما شفت اللي واقف ماسك السلاح ورايا!




