
طارق مقدرش ينطق. المشهد كان أكبر من أي كلام. قرب منا بالراحة، وقعد على ركبته جنبي، ولأول مرة أشوف في عين جوزي، الراجل العصامي القاسي، نظرة انكسار وندم حقيقي. كان حاسس إن ربنا جاب الست دي لحد بيته بسببه، عشان يكشف حقيقة كانت مستخبية تحت أطنان من الكذب والفلوس.
في ظرف ساعتين، البيت كله اتقلب. طارق طلب دكتور العيلة الخصوصي، الدكتور هشام، يجري فوراً على الفيلا مع ممرضة وطاقم طبي مصغر. دخلوا نادية أوضة الضيوف الكبيرة في الدور الأرضي. أخدوا منها عينات دم، عملوا لها رسم قلب، وفحص كامل للجسم.
طول ما الدكتور هشام بيقيس ضغطها ويفحصها، أنا كنت قاعدة جنبها على السرير، ماسكة إيدها ومش راضية أسيبها ولا ثانية. خايفة أغمض عيني أصحى ألاقيها كانت حلم، أو ألاقيها اختفت تاني زي ما اختفت من عشرين سنة. نادية كانت خايفة من الأجهزة والأطباء، بس لما كانت تبص لإيدي وهي ماسكة إيدها، كانت بتهدى شوية، كأن جسمها فاكر الأمان اللي روحها نسيته.
بعد ساعة، الدكتور هشام خرج معايا ومع طارق في الصالون بره. كان وش الدكتور مشحوب وشايل هم كبير.
“خير يا دكتور هشام؟ أمي مالها؟”
الدكتور هشام حط إيده في جيبه وتنهد بتعب:
“شروق هانم.. الوالدة بتعاني من سوء تغذية حاد، وجسدياً هي ضعيفة جداً.. بس المشكلة الكبيرة مش هنا. المشكلة في الجمجمة.”
طارق قرب واهتم: “يعني إيه يا دكتور؟”
الدكتور هشام طلع صور أشعة مقطعية سريعة كان أخدها بجهاز محمول:
“فيه كسر قديم جداً في الجزء الخلفي من الجمجمة، وتحديداً في المنطقة المسؤولة عن الذاكرة طويلة المدى. الكسر ده ناتج عن ضربة آلة حادة وقوية جداً.. ضربة كانت المفروض تقتلها في ساعتها! الضربة دي هي اللي سببت لها فقدان ذاكرة انفعالي وعضوي، وخلايا معينة في المخ اتجلطت وقفلت على كل الذكريات القديمة.”
جسمي اتعصر من الخوف: “يعني.. يعني مش هتفتكرني تاني أبداً يا دكتور؟”
الدكتور بصلي بعطف: “مش شرط. الضربة قديمة، والجسم بدأ يتعافى بطريقته. اللي لاحظته إنها لما شافت الصورة وشافتك، حصل نشاط كهربائي غير عادي في الدماغ. الذاكرة عندها زي صندوق مقفول بقفل مصدي.. محتاج علاج مكثف بجرعات معينة عشان نذوب التجلطات القديمة دي، ومع المثيرات البصرية والنفسية، الذاكرة ممكن ترجع.. بس تدريجياً.”
طارق هز رأسه بثبات وقال للدكتور: “يعني فيه أمل؟ أي مصاريف، أي أدوية، أي مستشفى في العالم هنجيبها هنا يا هشام. الست دي لازم ترجع لها ذاكرتها.”
بدأت رحلة العلاج. أسبوعين كاملين مرت وأنا مش بخرج من الفيلا. نسيت كل النادي والصحبات والرفاهية الفارغة اللي كنت عايشة فيها. بقيت أصحى الصبح بنفسي، أعمل لأمي أكل صحي، أساعدها تلبس، وأقعد معاها بالساعات في جنينة الفيلا. أطلع لها صور قديمة، أحكيلها عن طفولتي، عن بيتنا القديم في شبرا، عن أبويا فرج الله يرحمه اللي كان راجل أعمال شديد وقاسي، وعن اليوم اللي صحيت فيه وأنا عندي عشر سنين وقيل لي فيه إن أمي هربت مع راجل تاني وسابتني!
كانت نادية بتسمعني وهي ساكتة، أحياناً عينيها تدمع من غير ما تفهم ليه، وأحياناً تمسك إيدي وتقولي: “قلبي ببيوجعني يا شروق.. حاسة إن فيه نار جوه صدري ومش عارفة أطفيها.”
في يوم من الأيام، وبعد أسبوعين من العلاج المكثف والأدوية اللي الدكتور هشام كان بيكتبها، حصلت المفاجأة.
كنا قاعدين في الجنينة بالليل. الجو كان هادي، وطارق كان راجع من شغله ومحضر معانا. نادية كانت بتشرب شاي بالنعناع، وفجأة، كوباية الشاي وقعت من إيدها واتكسرت على الأرض!
مسكت رأسها بإيديها الاثنين وبدأت تصرخ بصوت مكتوم، صوت طالع من القاع:
“لا! لا يا فرج! بلاش.. عشان خاطر شروق! بلاش تطلق النار!”
أنا وطارق اتنطرنا من أماكننا. جريت عليها ومسكتها من كتافها:
“أمي! أمي بصيلي! فيه إيه؟ شفتي إيه؟”
نادية كانت بعينيها الزايغة بتبص في الفراغ، وجسمها كله بيتفاض زي المكهرب. دموعها كانت بتنزل بغزارة، وصوتها بدأ يتغير.. ما بقاش صوت الست المكسورة بتاعة الشارع، بقا صوت واحدة بتواجه كابوس مريع!
“الحديد.. الصندوق الحديد اللي في المكتبة القديمة.. فرج كان بيخبيه ورا اللوحة كبيرة.. الورق.. الورق اللي بيثبت إن المصنع مش بتاعه.. إنه سرق عمي.. سرق عمي وقتله!”
أنا اتسمرت في مكاني. أبويا فرج؟ قتال قتلة؟ وسارق؟




