
كريم بص لأبوه بكره يفوق الوصف وقال: “أبويا مسمحليش أخرج.. نده على الرجالة بتوعه.. التمرجية والبودي جاردات اللي بيحرسوا الفيلا. مسكوني من إيدي ورجلي. وهو.. أبوي الحنين.. مسك سكينة القطع من على المكتب، وقطعلي أوتار إيدي الشمال! وقاللي بصوت هادي: (عشان تتعلم إزاي ترفع إيدك عليا أو تفكر تخرج عن طاعتي. البت دي لو لمستها تاني، أو فكرت توصلها، قسمًا بالله هبعت ناس يخلصوا عليها وعلى الجنين اللي في بطنها وأمسحهم من وش الأرض.. وأنت عارف إن فلوسي تجيبلي أجدعها قاضي وأجدعها ظابط).”
السكوت حل على المكان زي الموت. النفس اتكتم في صدري. بصيت لمتولي الزيني وأنا مش مصدقة إن فيه بشر بالغل ده. متولي واقف، ملامحه باردة، مفيش في عينه ذرة ندم، كأنه بيسمع تقرير يومي عن شغل الشراكات بتوعه.
كريم كمل وهو بيبكي بالدموع: “أنا رموني في مصحة خاصة مقفولة بالترباس بقالي تسعة أشهر يا ندى! تسعة أشهر محبوس تحت حراسة مشددة، بياخدوا مني التليفون، وبيحقنوني بمخدرات ومهدئات عشان أفضّل غايب عن الوعي ومأذيش نفسي أو أهرب! إيدي اتعلمت فيها ثلاث عمليات عشان أعرف أحرك صوابعي تاني ومازالت مشوهة! أنا مهربتش منك.. أنا اتقفلت عليا زنزانة عشان أحميكِ وأحمي البنت من الشر ده!”
الدموع كانت نازلة من عيني مغمية رؤيتي. كل الغضب اللي كان في قلبي ناحية كريم اتقلب لكتلة وجع وعذاب لا يطاق. الراجل اللي حبيته لاتعرض للتعذيب والحبس عشان بيحبني، عشان رفض يبيعني زي ما أبوه فاكر إن كل حاجة تتباع وتتشترى.
متولي الزيني اتكلم بثبات : “خلصت دراما يا كريم؟ ها؟ ارتحت لما حكيتلها؟.. أظن دلوقتي يا شاطرة عرفتِ تمامك.. ابني مريض نفسي، ومسجل في المصحة إنه بيتعالج من هلاوس واعتداءات. لو فكرتِ تروحي للشرطة أو تفتحي بقك، الورق جاهز إن كريم غير مسؤول عن أفعاله، وأنك بتتبلي علينا عشان تاخدي قرشين. وأنتِ عارفة نفوذي كويس.. من غير شوشرة، خدي البت دي واطلعي برة حياتنا، وإلا قسمًا بالله هخلي الباقي من عمرك وعمر جدك كابوس مش هتصحوا منه.”
في اللحظة دي، مريم بنتي صرخت بالبكاء. صوت بكائها الرضيع كان بيشق سكوت الفيلا الكئيبة.
كريم خطى خطوة ناحيتي، وعينيه بتبتوسلني: “ندى.. اسمعي كلامه وغوري من هنا.. أنا مش مهم، أنا خلاص حياتي اتقضى عليها هنا، بس أنتِ والبنت لازم تعيشوا.. امشي يا ندى عشان خاطري!”
أنا بصيت لمتولي الزيني.. بصيت في عينيه الباردة. الشوفار اللي كان ماسكني طوال السنين اللي فاتت، والحرقة اللي كلت قلبي، اتقلبوا فجأة لحجر. افتكرت أمي الله يرحمها وهي شايالاني وطالعة تجري في الشارع تحت المطر وهي بتبكي من ظلم الراجل ده. افتكرت جوابات كريم وهو طفل بيحوش مصروفه عشان يبعتهولنا. افتكرت جدو إبراهيم وهو إيده بتترعش من الخوف عليا.
رفعت راسي، ومسحت دموعي بإيد واحدة وأنا ماسكة بنتي بالإيد الثانية بقوة.
“مش همشي يا متولي بيه.”
متولي ضحك بشر: “انتِ فاكرة نفسك بطلة في فيلم؟ أنا ممكن أرميكِ برة دلوقتي والكلاب تنهق وراكي ومش هتعرفي تطالي مني حق ولا باطل.”
“أنا مش جاية أطال حق من المحاكم بتاعتك..” قلتها وأنا ببتسم ابتسامة بس مليانة تحدي. “أنا جاية أقولك إنك خسرت.”
“خسرت إيه يا جربة؟”
“خسرت ابنك الوحيد.” بصيت لكريم وقلتله بصوت قاطع: “كريم.. لو أنت فاكر إنك محبوس هنا عشان تحميني، فأنت غلطان. الراجل ده عايش على خوفنا.. أمي خافت منه فدمر حياتها، وأنت خفت منه فحبسك وتسعة أشهر بياكلك السلك والمهدئات. بس أنا مش هخاف.”
طلعت تليفوني من جيبي.. التليفون كان شغال، والشاشة كانت بتنور ب مكالمة مفتوحة.
متولي جمد في مكانه: “أنتِ بتعملي إيه؟!”
“المكالمة دي مفتوحة مع عميد شرطة في مديرية أمن القاهرة، وصديق شخصي لجدو إبراهيم من أيام ما كان في الخدمة.. هو والرجالة سامعين كل كلمة من أول ما دخلت الباب، وعربيات النجدة برة على أول الشارع!”
متولي وشه اتحول لجمود مرعب، وعينيه اتسعت من الصدمة. في نفس اللحظة، اتسمعت سرينات عربيات الشرطة وهي بتهز الشارع الهادي في التجمع الخامس، وأصوات الفرامل وهي بتقف قدام السور الخارجي للفيلا.
كريم بصلي وهو مش مصدق، وأنا قربت منه وشديته من إيده السليمة ناحيتي.
لكن متولي الزيني مكنش من النوع اللي بيسلم بسهولة.. مد إيده في جيب جاكيتته، وطلع طبنجة صغيرة، ووجهها مباشرة لصدري وهو بيصرخ بجنون: “والله ما ه تطلعي من هنا عايشة أنتِ والبنت دي! لو مش هتكونوا تحت جزمتي، مش هتبقوا على وش الأرض!”
البيت اتملى بصوت الانفجار، والدخان ملى المكان، وكريم وقع في الأرض بين إيدي، والدم بدأ ينزف بغزارة من صدره، بينما الباب الرئيسي للفيلا بيتكسر تحت قوات الشرطة اللي اقتحمت المكان!
مسكت كريم وأنا بصرخ بانهيار: “كريم! كريم افتح عينك!”
كريم بصلي بالعين الزرقا والعين البني، وابتسم ابتسامة صفيحة والدم بيطلع من بقه، حط إيده المجبورة على وش مريم الصغيرة وقال بصوت بيهرب منه الحيوية: “شفتي يا ندى.. طلعت مش ندل..”
غمض عينيه، ونبضه بدأ بين إيدي، في الوقت اللي الشرطة كلبتش فيه متولي الزيني وهو بيصرخ زي المجنون، والمسعفين دخلوا بيجروا بالنقالة..
هل كريم هيعيش بعد ما فدى بنته وحبيبته بعمره؟ ولا متولي الزيني هينفد بنفوذه وفلوسه حتى وهو متكلبتش؟ والحقيقة المرعبة اللي متولي كان مخبيها عن سبب كرهه الشديد لأم ندى.. هل كانت مجرد رفض للزواج، ولا فيه سر أكبر مدفون في أوراق العيلة هيقلب كل الموازين؟!




