روايات وقص

صفارات الانذار في اوضه الطوارئ

لم تتوقف صفارات الإنذار داخل ممر الطوارئ؛ بل تداخلت مع صرخات الممرضين وصوت أقدام تتراكض على البلاط الأملس. فتح الباب المعدني الكبير بدفعة قوية، وخرج الدكتور الشاب وهو ينزع قفازه المطاطي الملطخ بآثار طفيفة من المحاليل، وعلى وجهه شحوب لم يستطع إخفاؤه.

 

نظر الدكتور حافياً حوله، يتنفس ببطء كأنه يحمل خبراً يزن جبالاً، ثم ثبتت عيناه على مريم التي كانت تتشبث بحافة المقعد البلاستيكي، وخدها الأيمن قد انتفخ وتحول إلى اللون الأزرق الداكن.

— الدكتورة اللي شغال جوة قدرت ترجع النبض.. ندى عايشة.

سقطت مريم على ركبتيها في الممر، وحمدت الله بصوت بكاء يمزق الصدر، بينما أطلق مصطفى زفيراً طويلاً وهو يمسح وجهه بكفيه. أما الحجة ستيلا، فقد أغمضت عينيها لثانية واحدة، لا إشفاقاً، بل ارتياحاً لأن جثة لم تعد تنتظر التحقيق المباشر.

لكن الطبيب لم ينهِ كلامه بعد. تقدم خطوة ونظر إلى الحجة ستيلا بصرامة، ثم وجه حديثه لمريم بصوت خفيض وحاد:

— النبض رجع، بس البنت في حالة حارجة جداً.. العناية المركزة للحديثي الولادة استلمتها. الأزمة مش بس في خبطة الأرض يا مدام.. الأشعة القطاعية المبدئية والكسور اللي في جمجمة البت بتقول إن فيه حاجة تانية خالص.

توقفت مريم عن البكاء فجأة، ورفعت رأسها:

— يعني إيه يا دكتور؟

— يعني الجمجمة فيها شرخين.. شرخ جديد من وقعة النهاردة، وشرخ قديم بادئ يلتئم، عمره حوالي أسبوعين! غير نزيف قديم متجمع تحت الفروة! البنت دي اتعرضت لعنف شديد وارتجاج متكرر من وهي عندها أسبوع واحد!

وقع الكلام على الممر كالصاعقة. اتسعت عينا مريم برعب وشك، والتفتت بطبيعتها نحو زوجها مصطفى، ثم إلى الحجة ستيلا التي تجمدت مكانها، لكن عينيها بدأتا تلمعان بآثار التوتر.

صرخت مريم بصوت هز أركان المستشفى:

— شرخ قديم؟! البت مابتفارقش البيت! أنا طول الوقت بحميها وبغير لها.. مين اللي مسك بنتي؟! مين اللي عمل فيها كده؟!

في تلك اللحظة، دخل اثنان من أمناء الشرطة برفقة ضابط برتبة نقيب، يرتدي زيه الميري، وخطواته الثقيلة ترن في الممر. نظر الضابط حوله، ثم وجه نظره إلى مريم المنهارة والأم المنتفخة الوجنة، وقارن الوجه بالبلاغ الوارد.

— مين هنا مدام مريم؟ ومين الحجة ستيلا؟

تقدمت مريم بخطوات ترتجف، وأشارت بسبابتها نحو العجوز:

— أنا مريم يا باشا.. ودي حماتي. هي اللي ضربتني والقلم طير البت من إيدي.. والدكتور لسه طالع بيقول إن البت فيها كسور قديمة من أسبوعين! بنتي كانت بتتقتل في البيت ده وأنا مش دارية!

اقترب الضابط من الطبيب الذي سلّمه التقارير الطبية المبدئية ورسماً تخطيطياً للإصابات. قرأ الضابط الورق بعينين متمرستين، ثم التفت إلى الحجة ستيلا ومصطفى.

— الكلام ده مضبوط يا حجة؟ ضربتيها؟

ردت الحجة ستيلا بجمود وثبات مرعب، دون أن تهتز لها رمشة:

— كدابة يا باشا. البت دي مهملة، اتزجلت في السلك وهي ماشية وبنتها وقعت منها، ولما جيت ألحق البت، اتهجمت عليا وشتمني! القلم ده هي اللي ضربته لنفسها وهي بتخبط وشها في الحيطة عشان تتبلى عليا! وابني واقف وشاهد على كل حاجة!

التفت الضابط فوراً إلى مصطفى الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة، وعيناه تتنقلان بين أمه القاسية وزوجته المنهارة.

— اتكلم يا أستاذ.. إيه اللي حصل بالضبط في شقتكم؟ أمك ضربت مرتك والبت وقعت، ولا مرتك هي اللي وقعتها؟ ومن إيه الكسور القديمة دي؟

وقف مصطفى مشلول التفكير. الحجة ستيلا نظرت إليه بنظرة حادة تحمل تهديداً صامتاً؛ تهديداً بالشارع، بالحرمان من الميراث، بالطرد، وبأن يكون ابن حوارم لا يصون أمه. أما مريم، فنظرت إليه بعينين ترجوان الجواب الصادق، عينين تطالبان لأول مرة بحد أدنى من النخوة.

ساد الصمت لثوانٍ معدودة، كان صوت أجهزة التنفس الاصطناعي في الداخل هو الوحيد الذي يخترق الممر.

ثم نطق مصطفى بصوت مبشوش وخائر:

— أ… أنا مكنتش واصل الممر يا باشا.. كنت جوة الأوضة. خرجت لقيت مريم واقعة والبنت على الأرض.. أمي… أمي ملمستهاش. مريم هي اللي وقعت عشان كانت دايخة من السهر.

انقبض قلب مريم كأن أحداً غرس فيه خنجراً مسموماً. لم تبكِ، بل ضحكت ضحكة هستيرية مكسورة وهي تنظر إلى الرجل الذي شاركته الفراش والوسادة.

— مش مستغرباك يا مصطفى.. طول عمرك جبان. بس بنتك؟ بنتك اللي دمها سايح جوة تبيعها عشان جزمة أمك؟

رد الضابط بصرامة:

— بس أنت وهو! التحقيق مش هنا. يا عسكري، هات الحجة والأستاذ على القسم. والدكتورة تحرر تقرير الإحداثيات الكامل. والمدام هتطلع معانا تعمل أقوالها وتتعرض على الطب الشرعي عشان خدها المورم ده.

قالت الحجة ستيلا وهي ترفع رأسها بكبرياء:

— أنا مش هروح أقسم بسلامتي! أنا ست حرة وبنت ناس، وماحدش يحط إيده عليا! ابن عمي لواء متقاعد وهتشوفوا كلكم!

الضابط ببرود:

— اللواء على عيني وعلى راسي يا حجة، بس القانون مابيعرفش لواءات في الشروع في قتل طفلة وضرب أفضى لإعاهة. اتفضلي من غير شوشرة.

في قسم الشرطة، كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً. الرائحة داخل الممر تتكون من دخان السجائر الرخيصة، والورق القديم، وصوت الآلات الكاتبة التي تضرب بحرقة.

جلست مريم أمام وكيل النيابة، رجل في الثلاثينيات من عمره، يرتدي نظارة طبية ويدقق في تقرير المستشفى. بجانبه كان يجلس ضابط المباحث.

— قولي لي يا مريم.. إيه اللي حصل من أول ما سكنتم في بيت الحجة ستيلا؟

بدأت مريم تسرد التفاصيل بصوت ثابت بشكل مرعب، كأن الصدمة جردتها من الخوف:

— يا بيه، من يوم ما مصطفى ساب شغل المقاولات وقعدنا عندها، وهي بتعاملني كإني خدامة بلقمتي. كل حاجة بحساب. لما خلفت ندى من 22 يوم، البت كانت بتعيط كتير من المغص. الحجة كانت بتدخل عليا الأوضة تأخد البت مني بالعافية وتقول لي “أنا هسكتها بطريقتي”، وتقل لي “انتي مش نافعة”. كانت بتاخد البت وتدخلي الأوضة وتقفل الباب بالسارينة!

توقف وكيل النيابة عن الكتابة، ورفع رأسه:

— كانت بتقفل الباب بالتعاسيد؟ وتعمل إيه جوة؟

— كنت أسمع صوت ندى بيصرخ صريخ مش طبيعي، وبعدها يسكت فجأة! كنت بفتكر إنها بتهزها جامد أو بتمشي بيها.. بس لما الدكتور قال النهاردة إن فيه شرخ قديم من أسبوعين… عرفت! عرفت كانت بتعمل إيه! كانت بتهز الرضيعة بعنف لحد ما يجيلها ارتجاج وتسكت من الصدمة!

سجل وكيل النيابة النقطة فوراً، ثم أمر باستدعاء الحجة ستيلا ومصطفى لمواجهتهما.

دخلت الحجة ستيلا الشاشة بثقة مزيفة، يتبعها مصطفى الذي كان وجهه كالميت.

قال وكيل النيابة بنبرة حادة:

— يا حجة ستيلا.. التقرير الطبي أثبت إن الطفلة ندى فيها شرخ في الجمجمة عمره أسبوعين، غير كسور متفرقة في الضلوع تحت الالتئام. ده معناه إن الطفلة بتتضرب أو بتتلقى هز عنيف جداً بصفة منتظمة. والأم بتتهمك إنك كنتِ بتاخدي البنت وتقفلي الأوضة على نفسك.

ارتبكت الحجة ستيلا لأول مرة، واهتزت نظرتها الحادة:

— ده كدب! أنا أضرب حتة لحمة حمرا؟ أنا كنت باخدها أهزها على رجلي عشان أنيمها! هي اللي أم مهملة، جايز تكون وقعتها في الحمام وخايفة تقول!

تدخل مصطفى بسرعة لينقذ أمه:

— أيوه يا بيه! مريم كانت بتدخل الحمام بالبت كتير.. جايز تكون وقعت منها هناك!

نظر وكيل النيابة إلى مصطفى بارهاب واشمئزاز:

— يعني أنت يا مصطفى متأكد إن مرتك هي اللي أذت بنتك؟ ومش أمك؟

— أيوه يا بيه.. أمي ست كبيرة وبتقرأ القرآن، مش هتعمل كده!

هنا، ابتسم ضابط المباحث الذي كان يجلس في الزاوية، ووقف وهو يمسك بمظروف بني كبير.

— يا سيادة النيابة.. إحنا بعتنا فرقة فحص للمكان في شبرا بناءً على إذنكم، وعملنا المعاينة. البيت فيه كاميرات مراقبة تركيب قديم، الحجة ستيلا كانت حطاها في الممر وعين السلم عشان ترقب البيت والشارع.

تغير لون وجه الحجة ستيلا فوراً، وأصبح أبيض كالملاءة. حاول مصطفى الحديث، لكن صوته انقطع.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى