روايات وقص

صفارات الانذار في اوضه الطوارئ

تابع ضابط المباحث:

— الحجة لما طردت مريم وراء التوكتوك، افتكرت تمسح التسجيلات بتاعة النهاردة.. بس الفنيين بتوعنا جابوا وحدة التخزين (DVR) واسترجعوا التفاصيل، مش بس بتاعة النهاردة.. بتاعة الأسبوعين اللي فاتوا كلهم!

عرض الضابط شاشة جهاز “اللاب توب” أمام وكيل النيابة.

ظهر في الفيديو، بتاريخ قبل أسبوعين، الممر الضيق. تخرج الحجة ستيلا من أوضتها، تأخذ الرضيعة ندى بالقوة من يد مريم التي كانت نائمة من التعب على الكنبة. تدخل الحجة الأوضة، وتترك الباب مفتوحاً بضعة سنتيمترات. الكاميرا تظهر انعكاس المرآة داخل الغرفة: الحجة ستيلا تقوم بهز الرضيعة بصفعات متتالية على ظهرها وجسدها الصغير بكل قسوة لكي تتوقف عن البكاء، ثم ترزعها على السرير بقسوة جعلت رأس الصغيرة يرتطم بالحافة الخشبية!

ثم ظهر فيديو الليلة الأخيرة:

الحجة ستيلا تخرج، تتلايف مع مريم، ثم ترفع يدها وتصفع مريم بكل قوتها على وجهها. مريم تترنح، تقع على الأرض، والرضيعة تطير من يدها وتصطدم بالأرضية الصلبة.. بينما الحجة تقف تنظر إليها دون أن تحرك ساكناً لتفقد الطفلة!

ساد صمت قاطر في غرفة التحقيق.

كانت الصور أبلغ من كل كلام. لم يكن هناك مجال للإنكار، ولا للمماطلة، ولا للادعاء بالبراءة.

نظر وكيل النيابة إلى الحجة ستيلا بنظرة تقزز شديدة، ثم وجّه كلامه لمصطفى:

— وأنت يا مصطفى.. الفيديو كاشف إنك كنت واقف في الممر وشفات أمك وهي بتضرب مرتك وتوقع البنت، ووقفت تتفرج! وبعدها لما النيابة سألتك، شهادتك كانت شهادة زور لإنقاذ الجاني والتغطية على جريمة بتهدد حياة بنتك!

انفجر مصطفى في البكاء الهستيري، وسقط على أرض النيابة يتوسل:

— سامحني يا بيه! أمي هي اللي قالت لي قول كده! قالت لي لو اتكلمت هترميني في الشارع وهتحرمني من كل حاجة! أنا أهبل يا بيه! سامحيني يا مريم!

مريم لم تنظر إليه حتى. كانت عيناها مثبتتين على شاشة اللاب توب، على صورة بنتها وهي تطير من يدها. تمتمت بصوت خفيض:

— أنت مش أهبل يا مصطفى.. أنت مش راجل أصلاً.

ضرب وكيل النيابة بيده على الطاولة بقوة أحدثت صدى مدوياً:

— قررنا نحن وكيل النائب العام:

أولاً: حبس المتهمة ستيلا… أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة تجديد الحبس، بتهمة الشروع في قتل طفلة رضيعة، واستعمال العنف والتسبب في إعاهة مستديمة، والاعتداء بالضرب على المجني عليها مريم.

ثانياً: حبس المتهم مصطفى… أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق بتهمة التستر على جريمة، وتقديم شهادة زور، والتعدي على سلامة طفل بالامتناع عن الحماية.

ثالثاً: نقل الطفلة الرضيعة ندى إلى المستشفى الجامعي التخصصي تحت الرعاية الطبية الفائقة وحراسة الشرطة.

أشار الضابط للأمناء:

— كلبش المتهمين وهاتهم على التخشيبة!

عندما وضعت الكلبشات في يدي الحجة ستيلا، بدأت تصرخ وتسب وتصيح بأسماء لواءات ومعارف، لكن أحداً لم يستمع إليها. كانت تُساق كما يُساق المجركون في منتصف الليل، وجلالها القاسي انكسر تحت ثقل الحديد. أما مصطفى، فكان يُسحب وهو يبكي كالأطفال، يرجو أمه أن تنقذه، بينما هي تدفعه بعيداً عنها وتلعنه لأنه لم يحسن الكذب!

خرجت مريم من قسم الشرطة مع أذان الفجر.

كان الهواء بارداً، والسماء بدأت تتلون باللون الأزرق الخفيف قبل شروق الشمس. لم تكن تملك في جيبها سوى بضعة جنيهات، ووجهها كان يؤلمها بشدة، لكن قلبها لأول مرة منذ أشهر كان يشعر بنوع من الحرية الممزوجة بالخوف على طفلتها.

ركبت مواصلة عودة إلى المستشفى الجامعي.

ذهبت مباشرة إلى دور العناية المركزة للحديثي الولادة. من خلال الزجاج الثخين، كانت ترى ندى.. الجسد الصغير جداً، الملفوف بالأسلاك والأجهزة، ومظلة الأكسجين فوق رأسها الصغير الملفوف بالشرائط البيضاء.

اقتربت الدكتورة المسؤولة عن الحالة، وابتسمت لمريم بطفيف من الأمل:

— مدام مريم؟ النزيف المسبق في المخ بدأ يستقر، والضغط جوة الجمجمة نزل. ندى بطلة حقيقية.. هي بتعافر عشان تعيش عشانك.

وضعت مريم يدها على الزجاج الدافيء، وقربت شفتيها منه وهي تهمس:

— سامحيني يا ندى.. أمك كانت ضعيفة، بس والله العظيم ما هسيب حقك ولا حق نفسي تاني أبداً.

مرت ثلاثة أيام..

استعادت ندى وعيها الكامل، وزالت مرحلة الخطر الشديد، وإن كانت لا تزال تحت الملاحظة الدقيقة. ومريم لم تفارق المستشفى لحظة واحدة. كانت تنام على الكراسي، وتأكل ما يجود به أهل الخير أو ممرضات المستشفى اللاتي تعاطفن مع قصتها التي هزت وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية تحت عنوان: “مأساة شبرا: جدة تعذب رضيعة وزوج يبيع بنته”.

في اليوم الرابع، جاءت والدة مريم من طنطا، امرأة بسيطة طيبة الملامح، احتضنت ابنتها وبكت طويلاً، ووعدتها بأن البيت في طنطا مفتوح لها ولندى، وأن مصطفى وأمه لن يريا ظلها بعد اليوم.

لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.

مساء اليوم الخامس، بينما كانت مريم تجلس بجانب سرير بنتها في الغرفة العادية بعد خروجها من العناية المركزة، دخل محامي جديد، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل حقيبة جلدية فخمة.

— السلام عليكم يا مدام مريم.. أنا الأستاذ فريد، المحامي الموكل من عائلة الحجة ستيلا.

قامت مريم من كرسيها، ووقفت بينه وبين سرير بنتها:

— خير يا أستاذ؟ أظن النيابة قالت كلمتها، والتسجيلات موجودة.

خفّض المحامي صوته، وابتسم ابتسامة عملية باردة:

— يا مدام مريم، إحنا نهمنا المصلحة. الحجة ستيلا ست كبيرة ورجلها والقبر، ومصطفى ابنك… قصدي جوزك، مستقبله هيروح في داهية ويدخل السجن سنين. إحنا معترفين إن اللي حصل غلطة وساعة غضب.. عشان كده العيلة عرضت عليكِ تسوية.

أخرج المحامي من حقيبته دفتر شيكات وورقة تنازل جاهزة للطباعة:

— الشقة بتاعة شبرا تتكتب باسم ندى بنتك للزمن. وغير كده، شيك بمليون جنيه كاش باسمك أنتِ، عشان تؤمني مستقبلك ومستقبل البت. كل المطلوب منك.. تنازل عن الشق الجنائي ضد الحجة ومصطفى، وقولي إن اللي حصل في التلفزيون ده كان سوء فهم وإن الواقعة كانت حادثة غير مقصودة.

نظر المحامي إلى مريم بثقة، كأنه يعلم أن امرأة فقيرة، بلا عمل، وبلا مأوى ثابت، لن ترفض المليون جنيه والشقة الفخمة في شبرا.

نظرت مريم إلى الشيك، ثم إلى ورقة التنازل، ثم التفتت إلى ندى التي كانت تنام بسلام وصوت أطرافها الصغيرة يتحرك تحت الغطاء.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى