
اقتربت مريم من المحامي بخطوات بطيئة.
أخذت دفتر الشيكات وورقة التنازل من يده. المحامي ابتسم بتشفي، وظن أن القضية حُسمت.
لكن مريم، وبكل هدوء، قامت بتمزيق الورق والشيك إلى قطع صغيرة جداً، وألقتها في وجه المحامي الأنيق.
— فلوسكم ملطخة بدم بنتي. والشقة اللي اتبنت على القهر والذل، أنا مش هدخلها تاني ولو هعيش في الشارع. قول للحجة ستيلا ومصطفى إن دم بنتي مش للبيع، وإن السجن هو المكان الوحيد اللي يليق بيهم.
ارتبك المحامي وتغيرت ملامحه:
— أنتِ مجنونة؟! أنتِ فاكرة إنك هتغلبيهم؟ دول عندهم نفوذ وفلوس! هيطلعوا بخلل في الإجراءات أو ثغرة قانونية، وتطلعي أنتِ من المولد بلا حمص!
ردت مريم بنبرة جعلت المحامي يتراجع خطوة للخلف:
— يتطلعوا بأي ثغرة؟ القاضي شاف الفيديو.. والبلد كلها شافت الفيديو. اخرج برة قبل ما أطلب الأمن!
خرج المحامي وهو يتمتم بالتهديد والوعيد.
في اليوم التالي، بدأت جلسات المحاكمة العاجلة التي أُحيلت إليها القضية تحت بند جنايات الطفل والاعتداء العمدي.
جلسات المحاكمة كانت مشهودة. ظهرت الحجة ستيلا خلف القفص الحديدي، وقد زال كل جلالها، وكانت ترتدي الملابس البيضاء الخاصة بالحبس الاحتياطي، وجهها شاحب وجسدها يرتجف. بجانبها كان مصطفى يقف مطأطأ الرأس، لا يجرؤ على رفع عينيه في عيني مريم التي كانت تجلس في الصف الأول في قاعة المحكمة، تحمل ندى بين ذراعيها بعد أن تحسنت صحتها.
حاول محامو الدفاع استغلال نقطة “كبر سن المتهمة” و”الاضطراب النفسي”، لكن تقارير الطب الشرعي وشهادة أطباء المستشفى الجامعي كانت حاسمة: الكسور القديمة والجديدة تشهد على تعذيب منهجي ومتكرر لرضيعة لا تملك من أمرها شيئاً.
وقف القاضي، وساد القاعة صمت كصمت المقابر.
رفعت الحجة ستيلا عينيها ترجو الرحمة، ونظر مصطفى إلى القاضي يتضرع.
بدأ القاضي كلمته بنبرة تهتز لها القلوب:
— إن الرحمة إذا نُزعت من قلب الأم، فلا خير في الحياة. وإن الجرم الذي ارْتُكِبَ في حق هذه الرضيعة التي لم تبلغ شهرها الأول، هو جرم تشمئز منه الإنسانية وتتبرأ منه كل الأديان. لقد تناست المتهمة الأولى كل معاني الأمومة والكهولة، واستغلت ضعف المجني عليها الأولى، وقسوتها على الثانية، بينما وقف المتهم الثاني سلبياً، يبيع أُبوّته ونخوته من أجل مصلحة دنيوية زائلة.
رفع القاضي الأوراق، ونطق بالحكم المدوي:
— حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بمعاقبة المتهمة ستيلا… بالسجن المشدد لمدة أربع عشرة سنة عما نسب إليها.
ثانياً: بمعاقبة المتهم مصطفى… بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات لشهادة الزور والتستر والمشاركة بالامتناع.
ثالثاً: إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة مع إلزام المتهمين بالمصاريف.
رفعت الجلسة!
ضجت القاعة بالصياح. سقطت الحجة ستيلا مغشياً عليها داخل القفص، بينما انهار مصطفى وهو يصرخ ويضرب رأسه بالحديد: “سامحيني يا مريم! سامحيني يا ندى!”.
لكن مريم لم تلتفت. قامت بخطوات ثابته، وربطت الكوفية البيضاء حول طفلتها الرضيعة، وخرجت من باب المحكمة إلى ساحة الشمس المشرقة.
كانت أمها تنتظرها بالخارج. أخذت مريم نفساً عميقاً من الهواء النقي، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أنها تتنفس بحرية كاملة.
مرت ستة أشهر..
استقرت مريم مع بنتها في مدينة طنطا. افتتحت بمساعدة والدتها مشروعاً صغيراً لإعداد الطعام المنزلي وتوصيله، وبدأ المشروع ينجح ويكبر بفضل إصرارها وروحها الجديدة. كانت ندى قد كبرت، وأصبحت طفلة جميلة ذات عينين واسعتين، تبتسم وتضحك كلما رأت وجه أمها.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وبينما كانت مريم تجلس تقرأ كتاباً بجانب ندى التي تنام بسلام في سريرها الصغير الجديد، رن هاتفها برقم غريب.
ردت مريم بالتردد:
— السلام عليكم.. مين معايا؟
جاءها صوت من الطرف الآخر، صوت ضعيف، مبشوش، يتحدث من داخل أحد الهواتف العمومية في السجن:
— مريم… أنا مصطفى.
تجمدت مريم مكانها لثانية، لكن عينها لم تفارقا وجه بنتها النائمة.
— عايز إيه يا مصطفى؟ إزاي بتتكلم من هناك؟
— مريم.. أمي… أمي حاطينها في مستشفى السجن من أسبوع.. جالتها جلطة ومش قادرة تتكلم ولا تتحرك. وأنا… أنا هموت هنا يا مريم.. الشبان هنا بيعاملوني بقهارة لما عرفوا أنا عملت إيه في بنتي.. ابوس إيدك تنازلي عن القضايا.. سامحيني وأنا هكتب لك كل حاجة تملكها أمي لما تخرج!
سكتت مريم لثوانٍ. كان الصوت الباكي لمصطفى يذتكرها بكل لحظة ضعف مرّت بها، بكل كلمة إهانة كانت تتلقاها وهي صامتة.
ثم قالت بصوت هادئ، ناضج، وثابت كالجبل:
— العقاب اللي أنت فيه يا مصطفى مش مني أنا.. ده عقاب ربنا وعقاب بنتك اللي كنت عاوز تضيع حقها. الشقة والفلوس والدنيا كلها ماتلزمنيش.. أنا وبنتي عايشين في خير ونعمة من غيركم. متتصلش بالرقم ده تاني.
وقبل أن ينطق مصطفى بكلمة أخرى، أغلقت الخط في وجهه، وقامت بمسح الرقم وحظره تماماً.
التفتت إلى ندى، وزادت غطاءها الدفء، ثم قسّمت قبلة حنونة على خدها الناعم.
لكن، في تلك اللحظة بالذات…
سمعت مريم صوت جرس الباب يرن بصوت خفيف جداً.
استغربت.. الساعة كانت قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل! أمها كانت نائمة في الغرفة المجاورة، والمكان هادئ تماماً.
قامت مريم بخطوات حذرة، وقتربت من باب الشقة. نظرت من العين السحرية.
الممر خارج الشقة كان مظلماً، لكن كان هناك ظل لشخص يقف أمام الباب مباشرة.. رجل يرتدي معطفاً أسود داكناً، ويحمل في يده ظرفاً أصفر كبيراً.
ترددت مريم، وسألت بصوت خفيض من خلف الباب المغلق:
— مين؟ مين برة في الوقت ده؟
لم يرد الشخص بالكلمات. بل وضع الظرف الأصفر تحت الباب، ودفعه ببطء حتى دخل نصفه إلى داخل الشقة، ثم استدار وسار بخطوات سريعة واختفى في عتمة السلم!
وقفت مريم ونبضات قلبها تتسارع.
سحبت الظرف الأصفر ببطء شديد، وفتحته بأيدٍ ترتجف.
داخل الظرف، لم تكن هناك رسالة تهديد، ولا فلوس..
كانت هناك مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة حديثة الطباعة، صور لالتقاطات من داخل بيت الحجة ستيلا في شبرا، ولكن من زوايا مختلفة تماماً عن الكاميرات التي فحصتها الشرطة! زوايا مخفية داخل أوضة النوم الخاصة بالحجة ستيلا نفسها!
وفي أسفل الصور، كانت هناك ورقة مكتوبة بخط اليد بمداد أسود:
“المحاكمة لم تنتهِ يا مريم.. الجريمة اللي اتسجنت بسببها الحجة ستيلا النهاردة، مجرد نقطة في بحر سر كبير كانت مخبياه في البيت ده من 20 سنة.. والسر ده يخص اسم العيلة الحقيقي، ويخص والدتك أنتِ شخصياً! افصحي الظرف التاني اللي مستنيكي تحت بلاطة الصالة في شبرا قبل ما يهدوا البيت بكره الصبح…”
اتسعت عينا مريم برعب شديد وهي تنظر إلى الصور، ثم التفتت نحو غرفة أمها النائمة… لتكتشف أن أبسط ما كانت تعرفه عن حياتها وعن عائلتها، كان مجرد كذبة كبيرة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




