
— “أخوكي وباباكي وأمك وزوجته المستقبلية قاعدين دلوقتي في قاعة الأفراح، بيجهزوا للترتيبات النهائية وفرحانين فاكرين إن الشقة بقت في جيبهم وإنك مرمية ومش قادرة تتكلمي.”
مريم ضحكت ضحكة مكسورة مليانة وجع وسخرية: “فاكرين إنهم أذكياء.. ما يعرفوش إن شركتي اللي باعتها من 3 سنين مكانتش مجرد شركة برمجيات، دي كانت شركة أمن ومعلومات. أنا مسجلة كل قرش دخل وخارج، وكل مكالمة اتعملت، وكل تحويل بنكي أبويا وإسلام حاولوا يعملوه من ورايا بفيزات مزورة.”
طلعت مريم فلاشة صغيرة كانت ربطاها في سلسلة فضة حولين رقبتها، ومدت إيدها للضابط:
— “الفلاشة دي عليها كل حاجة يا باشا. تسجيلات الفيديو من كاميرات السقف المستخفية اللي في صالة الشقة، واللي أختهم بنفسي. فيها لحظة ما إسلام مسكني من شعري وهبدني، ولحظة ما أبويا وأمي مشيوا وسابوني بأمر منه. وفيها الدليل إن شركة ‘المتحدة’ دي مجرد غطاء لغسيل أموال بيعمله المحامي مراد مع أخويا إسلام من سنة.”
الضابط أحمد مسك الفلاشة باندهاش وذهول من ثبات هذه المرأة وحرصها: “أنتِ كنتِ واثقة إنهم هيعملوا كده؟”
مريم بصت للسقف ودمعة واحدة نزلت على خدها: “كنت أتمنى من قلبي إني أطلع غلطانة.. كنت بتمنى أمي تحن، أو أبويا يفتكر إنه يخاف عليا.. بس هما اختاروا الفلوس والطمع. ودلوقتي، أنا هختار ابني وحقي.”
الساعة كانت 9 بالليل.
قاعة الأفراح الكبيرة في فندق شهير على النيل كانت متزينة بأفخم الورد والإضاءات. الصوت كان عالي بالفرقة الموسيقية، والدفوف بتضرب، والمعازيم مالين القاعة.
إسلام كان واقف بعريس البدلة التوكسيدو السودا، ماسك إيد ندى اللي كانت لابسة الفستان الأبيض، ووشه منور بالضحكة وهو بيسلم على الناس وبيعزمهم: “منورين يا جماعة! عقبال عندكم! وعلى فكرة، العزومة الجاية هتبقى في بيتي الجديد في المعادي!”
صابر وصفية كانوا واقفين جنبه، لابسين أفخم الهدوم ومتبسطين جداً، وبيتقبلوا التهاني من قرايبهم وناس ندى.
وفجأة…
الصوت العالي للموسيقى انقطع مرة واحدة.
الأنوار البيضا الكبيرة بتاعة القاعة اشتغلت كلها في وقت واحد، والناس بدأت تتوشوش بذهول.
من باب القاعة الرئيسي، دخل العقيد هشام ومعه الملازم أحمد، ووراهم قوة مكونة من 8 ظباط وعساكر بملابس الشرطة الرسمية. القاعة كلها سكتت تماماً، ومفيش غير صوت جزم الضباط وهي ماشية بثبات على السجاد الفخم.
إسلام اتجمد مكانة، والضحكة اختفت من وشه فوراً. صابر رجع خطوة لورا ووشه اصفر، وصفية مسكت في دراع جوزها برعب.
العقيد هشام وقف في نص القاعة، وبص بجمود لإسلام وصابر: “أستاذ إسلام صابر؟ وأستاذ صابر المحمدي؟”
إسلام بلع ريقه بالعافية وتقدم خطوة وهو بيحاول يتصنع الشجاعة: “أيوه يا فندم.. أنا إسلام. فيه إيه؟ فيه مشكلة ولا إيه؟ ده فرحي يا باشا!”
العقيد هشام طلع من جيبه إذن النيابة العامة وقرأ بصوت جهوري هز أركان القاعة كلها أمام كل المعازيم وأهل العروسة اللي وقفوا مصدومين:
— “صادر أمر من النيابة العامة بضبط وإحضار كل من: إسلام صابر، وصابر المحمدي، وصفية عبد السلام.. بتهمة الشروع في قتل المواطنة مريم صابر، والإجهاض العمدي، والتزوير في محررات رسمية، والاستيلاء على أموال عن طريق النصب والتزوير، والامتناع عن إغاثة شخص في حالة خطر داهم!”
القاعة انفجرت بالصراخ والهمس! أم العروسة سقطت على الكرسي بذهول، وأبو ندى قرب بغضب عارم: “إيه الكلام ده؟! تزوير إيه وشروع في قتل مين؟! أنت كداب يا إسلام؟!”
إسلام بدأ يعرق بغزارة وصوته يترعش: “يا باشا فيه فاهم غلط! مريم أختي بخير وتلاقيها بتتبلى علينا! دي شقتي وهي…”
الملازم أحمد قرب منه وطلع الكلبشات الحديدية، وقرّبها من إيد إسلام: “أختك كانت هتموت هي وابنها يا محترم! أختك في العناية المركزة وابنها في الحضانة بين الحياه والموت بسبب هبدتك لها على الأرض! وكل حاجة متسجلة صوت وصورة بالدقيقة والثانية!”
أبو ندى قرب من إسلام وبكل قوته ضربه بالملم على وشه قدام كل الناس: ” يا زبالة! كنت عايز تتجوز بنتي وتلبسنا في جرائمك ونصبك؟! الفرح ده ملغي! وبنتي ملهاش دعوة بيك ولا بأهلك المجرمين!”
ندى بدأت تعيط وتصرخ وتقلعت الطرحة ورمتها في وش إسلام: “أنت بني آدم مريض! أنا كنت حاسة إنك مجرم! الحمد لله إن ربنا كشفك قبل ما أتجوزك!”
العسكري أخد إسلام وركب الكلبشات في إيديه وهو بيصرخ ويدافع عن نفسه، وعسكري تاني كان بيركب الكلبشات في إيد صابر اللي كان رجليه مش شايلاه وبيبكي بهستيريا، وصفية كانت بتصرخ وبتبكي وهي بتتجر برضه مع القوة: “يا لهوي يا ناس! احنا مظلومين! دي بنتي العاقة هي اللي عملت فينا كده!”
بس محدش من المعازيم كان بيبصلهم برحمة. الكل كان بيبصلهم بالقرف والاشمئزاز، وهما بيتسحبوا بالمباشر قدام كاميرات الموبايلات اللي المعازيم كانوا بيصوروا بيها الخزي والعار اللي هما فيه.
بعد مرور شهرين…
الشمس كانت طالعة ومنورة صالة الشقة الفخمة في المعادي.
مريم كانت قاعدة على الكنبة، لابسة فستان أبيض هادي، وشايلة بين إيديها طفل صغير زي الفل، لابس كافية أبيض ونايم في حضنها بهدوء. كان اسمه “حازم”.
جنبها كان قاعد المحامي بتاعها، وبيراجع معاها الأوراق الأخيرة.
— “يا مدام مريم، القاضي اليومين دول بيقفل ملف القضية. المحامي مراد اتكمش وفضح كل شبكة غسيل الأموال والتزوير. أبوكي وإسلام أخدوا مشدّد 15 سنة بتهمة الشروع في الققتل والتزوير، وأمك أخدت 3 سنين بتهمة التستر والامتناع عن الإغاثة. الشقة والشركة وكل حسابتك البنكية ورجعت لك بالكامل، والقانون رد لك اعتبارك وزيادة.”
مريم بصت للطفل الصغير اللي في حضنها، وابتسمت ابتسامة هادية مليانة راحة. حطت شفايفها على راسه وبستها بحنان.
— “الحمد لله يا أستاذ.. الحق عمره ما بيضيع، حتى لو جالك الغدر من أقرب الناس ليك. ربنا أخد لي حقي وحق ابني من غير ما أوسخ إيدي.”
المحامي قام وقف واستأذن عشان يمشي، ومريم قامت وقفت معاه ووصلته للباب.
بعد ما قفلت الباب، مشيت في الصالة الكبيرة، بصت للرخام اللي كانت مرمية عليه من شهرين بدموعها ووجعها.. دلوقتي المكان ده مليان بدفء صوت تنفس ابنها.
وفجأة…
جرس الباب رن خبطات متقطعة وخفيفة.
مريم استغربت. مين ممكن يجي دلوقتي؟
قربت من الباب وبصت من العين السحرية..
قلبها دق بسرعة، وشهقتها اكتتمت في زقزقة حنجرتها.
برة الباب، كانت واقفة ندى.. خطيبة إسلام القديمة.
وشها كان شاحب، وفي إيديها ظرق أبيض كبير، وكانت بتبص للعين السحرية وهي بتترعش وبتبكي.
مريم فتحت الباب نص فتحة وبصت لها بريبة: “ندى؟ خير؟ جاية ليه هنا؟”
ندى نزلت دموعها وصوتها طلع مخنوق بالخوف: “مريم… أنا أسفة إني جيت هنا… بس أنا محتاجة أساعدك.. ومحتاجة تحميني!”
مريم كشرت حواجبها بذهول: “أحميكي من إيه؟ إسلام وأهلي كلهم في السجن!”
ندى قربت منها وشوشتها بصوت مرعوب خلى شعر جسم مريم يقف:
— “إسلام وأبوكي مجرد عرائس ماربونيت يا مريم… الظرف ده فيه أوراق لقيتها في الشقة القديمة بتاعة إسلام بالصدفة بكرة الصبح.. إسلام مكانش عاوز الشقة دي عشان يعيش فيها معايا.. إسلام كان بايع الشقة دي من ورائك لشخص تاني خالص، شخص خطير جداً… والشخص ده برة العمارة دلوقتي، وجاي ياخد الشقة بالقوة، وقال لي لو ما طلعتلكش الظرف ده… هيقتلني ويقتل ابنك!”
وفجأة، وقبل ما مريم تنطق كلمة واحدة…
النور اتنفي عن العمارة كلها مرة واحدة.
وصوت خطوات جزم تقيلة جداً بدأت تطلع على السلم الهادي.. خطوة.. ورا.. خطوة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




