
— طب هو عايز إيه؟! — سامح كان بينهج والدموع في عينيه.
— عايز الصندوق اللي تحت.. الصندوق اللي طارق مات وهو بيحاول يوصل لملفاته من سنة ونص. ملفات تهريب سلاح ومعدات تشويش إلكتروني كانت بتدخل عبر خطوط الطيران المدني تحت غطاء “قطع غيار طائرات”!
شديت العصاية بقوة، ورفعت وش الطيارة لارتفاع 35 ألف قدم فجأة.
الطيارة كلها اتهزت، والناس بره صرخوا بصوت هز أركان الصالة. كراسي الطيارة اتزاحت، والأمتعة اللي فوق بدأت تقع.
العداد: 10.. 9.. 8…
— اقبض على الدريكسيون يا سامح! — زعقت فيه — أول ما الباب يتفتح، أنا هقلب زاوية الهجوم لصفر! الجاذبية هتقل داخل الكابينة، أي حد واقف على رجليه هيطير في الهوا!
— أنتِ مجنونة؟! الركاب!!
— الركاب رابطين الحزام! اللي بره واقفين على رجليهم مستنيين الباب يتفتح!
3.. 2.. 1.. كليك!
الباب اتفتح بقوة!
ظهر شريف وفي إيده مسدس تكتيكي أسود، ووراه اثنين من أمن الرحلة المأجورين. وش شريف كان مليان غضب وجنون، عينيه جت في عيني، وابتسم ابتسامة مريضة:
— أهلاً يا سيادة المقدم.. كنت عارف إنك مش هتقاومي تلعبي دور البطلة للمرة الأخيرة!
قبل ما يرفع المسدس ويوجهه لدماغي، شديت عصاية الطيران لورا بأقصى قوة وضربت بدال التوجيه الشمال، وفي نفس الوقت نزلت القلابات (Flaps) لمقدار 30 درجة!
الطيارة 737 ضخمة وزنها عشرات الأطنان، اتنفضت في الهواء زي ما تكون طيارة مقاتلة!
منظر ارتداد الجاذبية (Zero-G) حصل في ثانية!
شريف ورجالته طاروا في الهواء، أرجلاهم سابت الأرض، والمسدس طار من إيد شريف وضرب في سقف الكابينة!
صرخات مكتومة وكركبة مرعبة بره الكابينة. رجعت ضغطت العصاية لقدام بقوة (Negative G)، الأجسام اللي كانت طايرة اترزعت في الأرض بكل قسوة! شريف اترزع على ظهره وشه اتخبط في القائم الحديدي للباب، والدم سال من مناخيره وعينيه زغللت.
— دلوقتي يا سامح! — صرخت.
سامح، اللي كان رابط حزامه جامد، نط من كرسيه ورمى نفسه فوق شريف، ضربه بقبضة إيده في وشه وكتف إيديه لورا بسلك التوصيل بتاع ماسك الأكسجين الاحتياطي!
أحد المسلحين حاول يقوم وهو بيترعش ويسحب خنجر من جزمته، بس الدكتور اللي جوه الكابينة مسك طفاية الحريق الثقيلة ورزعها في دماغه، وقع غرقان في دمه!
كل ده حصل في سبع ثواني!
رجعت للوحي القيادة بسرعة، الطيارة كانت نازلة في غطس حلزوني ناحية سطح البحر! الارتفاع كان بينزل بسرعة مرعبة: 18 ألف قدم.. 15 ألف قدم.. 12 ألف قدم!
شاشة الإنذار بتتكلم بصوت آلي مرعب: PULL UP! PULL UP! TERRAIN! TERRAIN!
— ندى! الطيارة بتسقط! — صرخ سامح وهو بيحاول يمسك شريف.
أصابعي كانت بتتحرك على اللوحة كأنها بكتف أوركسترا. عرق جبهتي كان بينزل على عينيا بيحرقها، بس مكنتش رامة.
— مش هتقع.. طارق مش هيخليني أقع المرة دي!
فصلت الفيوز الرئيسي لـ (Flight Management Computer) بالكامل. الطيارة ظلمت لحظة، وبعدين أنوار الطوارئ البيضاء ونظام الملاحة اليدوي البحت اشتغل.
مسكت عصاية الطيران بكتفيين، وضربت المحركات لأقصى طاقة (FULL THROTTLE).
صوت المحركات المروحية بره زمجر كأنه أسد مجروح. الهيكل المعدني للطيارة كان بيصرخ من شدة الضغط الجوي، بس أنا كنت حاسة بكل مليمتر في الجناح، كأنه امتداد لدراعي.
عند ارتفاع 3 آلاف قدم بس فوق سطح البحر المتوسط، والمية سودا وتحتنا بتلمع تحت ضوء القمر.. وش الطيارة بدأ يترفع.
السرعة ثبتت.
الطيارة استقرت!
صمت رهيب حل في الكابينة، مفيش غير صوت أنفاسنا العالية وصوت إنذار الأكسجين.
سامح قعد على الأرض وهو بيلهث، وبصلي بذهول مش طبيعي:
— أنتِ.. أنتِ ازاي عملتي كده بصرخ طيارة مدنية؟!
ملفتاش ليه. مشيت عيني على شريف اللي كان ملحمي على الأرض والدم مغطي وشه، بس عينيه كانت لسة فيها شر.
وطيت عنده، ورفعت راسه من شعره:
— طارق.. أنت اللي قفلت عليه النظام يوم ما وقع، صح؟
شريف ضحك بصوت مكتوم ماليان دم:
— طارق.. كان فاكر نفسه شريف ومثالي زيّك.. افتكر إنه يقدر يوقف شبكة بتبدأ من مصانع السلاح في أوروبا وبتنتهي في جيوب كبار المسؤولين.. طارق مات عشان كان غبي يا ندى.. وأنتِ.. أنتِ جيتي لحد عندنا عشان تدفني السر معاه.
— السر مش هيدفن — ردت عليه وانا بسحب من جيبه الفلاشة السودا الصغيرة اللي كانت مربوطة بسلسلة في رقبة ميداليته — السر هنا.. والفلاشة دي هي اللي طارق مات عشان يحميها، وأنت كنت مستني الطيارة دي تقع في المية عشان تاخدها وتختفي.
شريف وشه اصفر فجأة لما شاف الفلاشة في إيدي.
التفت لسامح وقلتله بصوت حاسم كأني لسة برتبة مقدم في القوات الجوية:
— سامح.. اطلب القوات الجوية المصرية حالا. قولهُم: “النسر الأزرق بيكلمكم.. افتحوا الممر الجوي رقم 4، ومحتاجين إرجاع اضطراري لقاعدة شرق القاهرة الجوية تحت حراسة مقاتلات!”.
سامح هز رأسه بسرعة وبدأ يتصل بالتردادات الحربية.
بعد عشر دقائق، والهدوء بدأ يرجع لركاب الطيارة بعد ما الطاقم أمن الصالة وربط بقية العصابة، سمعت الصوت اللي كنت مشتاقة ليه طول 18 شهر..
صوت زئير محركات الجيل الرابع!
بصيت من شباك الكابينة الشمال، لقيت طيارتين مقاتلتين من طراز “رافال” تابعين للقوات الجوية المصرية، طالعين من السحاب، وجايين يحتضنوا طيارتنا المدنية من الجانبين.
الطيار في المقاتلة الشمالية قرّب من شباكنا، شغل كشافاته، وضرب التحية العسكرية!
دمعة واحدة نزلت من عيني.. دمعة مسحت معاناه 18 شهر من الذنب والخوف.
لكن.. الفرحة مكملتش.
سمعت صوت شريف بيضحك تاني من على الأرض، ضحكة واطية ومسمومة.
التفتت له بنظرة حادة:
— بتضحك على إيه؟ أنت خلاص انتهيت.
شريف بصلي بعينيه الحمرا، ورفع صباعه المشلول كأنه بيشير على حاجة ورايا على لوحة التحكم..
— أنتِ فاكرة إن الأستاذ شريف هو الراس الكبيرة؟ — قالها بصوت بيحتضر — الفلاشة اللي في إيدك دي مش عليها أدلة التهريب بس يا ندى.. الفلاشة دي فيها أمر تفجير تلقائي للشحنة المتهربة اللي تحت في مخزن البضائع.. أول ما تحطي الفلاشة في أي جهاز أو أول ما الطيارة تنزل تحت ارتفاع ألف قدم عشان تهبط في القاعدة.. الصندوق اللي تحت.. هيتفجر.
اتجمّدت في مكاني.
بصيت للرادار.. القاعدة الجوية المصرية بقت على بعد 15 ميل بس! ولزوم الهبوط، إحنا بننزل بالارتفاع بسرعة: 3 آلاف قدم.. 2500 قدم.. 2000 قدم…
والصندوق اللي في بطن الطيارة.. فيه شحنة متفجرات تكتيكية كافية إنها تمحي الطيارة بالـ 300 راكب اللي فيها، وتمحي القاعدة الجوية نفسها!
العداد الارتفاع كان بينزل بسرعة..
والشاشة الصغيرة في الفلاشة اللي في إيدي بدأت تنور بأرقام تنازلية باللون الأحمر: 00:59.. 00:58.. 00:57…
مفيش وقت نطلع تاني.. الأجهزة معطلة، والمحرك اليمين بدأ يخرج منه دخان أسود!
بصيت لسامح، وبصيت للمقاتلتين اللي طايرين جنبنا.. وعرفت إن القرار اللي هتاخده ندى في الخمسين ثانية الجايين، مش بس هيحدد مصير الرحلة.. ده هيحدد هل السر ده هينفجر في السما، ولا إحنا اللي هنكون الثمن!




