
“يعني الحساب فيه فلوس؟” صرخ فاروق من الناحية التانية والغل والجشع عموا عينه: “فيه كام يا بنت الـ…؟ الحساب فيه كام؟ أنطقي! دي فلوس أبويا، فلوس ورثنا! إنتي حتة عيلة جيبناها من الملجأ، مالكيش مليم في عيلة السيد!”
“الحساب فيه اللي يشتريك ويشتري عيلتك كلها يا فاروق.. بس إنت مش هتشوف منه مليم، وبالمناسبة.. ساعة جدي حسن القديمة، اللي فيها شرخ عند رقم تلاتة؟ أنا هاجي أخدها بنفسي، ومش هتقدر تمنعني، لأن البيت اللي إنت فيه دلوقتي.. بقى بتاعي أنا!”
قفلت السكة في وشه، وبصيت لأستاذ شريف وقولت له: “جهّز لي ورق تنشيط الحساب يا فندم، وعايزة كشف حساب رسمي ومختوم، وفك لي التجميد عن كل قرش.. الحرب يلا دوب بدأت.”
المدير بدأ يطبع الورق بسرعة، ودنيا كانت بتبص لي بنظرة إعجاب وذهول مش قادرة تخبيها. وقعت على الأوراق، وبصمة إبهامي حطيتها على خانة الاستلام.. الخمس سنين بتوع الذل والخدمة الشاقة في الجيش والعيشة على الكفاف انتهوا في لحظة واحدة. بقيت مليونيرة، بس الأهم من الملايين، إني بقيت حرة، ومعايا حق جدي وحقي اللي داسوا عليه سنين.
خرجت من البنك، والشمس كانت حامية في وسط البلد، الهوا كان محمل بتراب وعادم العربيات بس بالنسبة لي كان بريحة النصر. ركبت عربيتي الأجرة ورحت على مصر الجديدة، على بيت عيلة السيد. كنت عايزة أشوف الوجوه اللي ظلمتني وهي بتهوي وتنهار.
وصلت قدام العمارة الكلاسيكية القديمة، لقيت عربية نقل عفش واقفة، والناس لمت حوايجها في كراتين وشنط خيش مرمية على الرصيف. فاروق كان واقف بالقميص البنطلون، وشه أسود زي الطين، وأمه (ست الطيبة المصطنعة) قاعدة على كرسي بلاستيك في الشارع وبتصوت وتلطم على خدودها: “يا خراب بيتك يا فاروق.. يا فضيحتنا وسط المنطقة! حاج حسن يرمينا الرمية دي عشان حتة البنت الجربانة؟”
أول ما شافوا عربيتي بتقف ونزلت منها ببدلتي الميري وهيبتي، السكوت حل على الشارع كله. الجيران كلهم كانوا بيبصوا من البلكونات. فاروق جرى عليا، وعينه حمرا زي الدم، وكان هيمد إيده يمسك ياقة بدلتي، بس في ثانية واحدة، كنت لافة دراعه ورا ضهره ومثبتاه على كبوت العربية النقل، وضغطت على عصب إيده لدرجة إنه صرخ من الوجع.
“إيدك متلمسش ظابط في القوات المسلحة يا فاروق.. وإلا هبيتك في التخشيبة النهاردة قبل بكرة!” قولتالهاله بصوت واطي وناشف مسمعهوش غيره.
“سيبيني يا نادية.. سيبيني يا فاجرة! الفلوس دي حقتنا! أنتي سرقتينا.. سرقتي شقا أبويا!” كان بيتحمق وهو بيحاول يفلفص من إيدي.
زقيته بعيد عني، فوقع على الأرض وسط كراتين عفشه الدبلان. بصيت له من فوق لتحت وقولت: “شقا أبوك؟ أبوك ده اللي إنت حطيته في دار مسنين في آخر ست شهور في عمره ولولا إني كنت بروح أزوره وأدفع له مصاريفه مكنش لقى حد يغسله؟ أبوك ده اللي كنت بتستخسر فيه لقمة نضيفة؟ جدي حسن مكنش مغفل يا فاروق، كان عارف إنك هتاكل ورثه وتصرفه على القمار والنسوان، فقرر يسيب الفلوس للي تصونها.. للي شالت اسمه بجد.”
مراته وبناته جم يجروا، وبنات عمه اللي كانوا زمان بيقدموني للناس بـ “البنت اللي اتبنوها” وبيمشوني وراهم زي الخدامة، بقوا واقفين يبصولي برعب ويترجوني. واحدة منهم قربت وبدأت تعيط: “نادية.. إحنا ملناش ذنب، فاروق هو اللي كان بيتحكم في كل حاجة.. أرجوكي متطردناش في الشارع، ملناش مكان نروحه!”
بصيت لهم بقلب ميت، القسوة اللي زرعوها فيا خمس سنين طلعت كلها في اللحظة دي. “أنا مش هطردكم.. القانون هو اللي بيطردكم. الأرض والبيت والفلوس بقوا بتوعي، وأنا مش هسكن في المكان ده.. أنا هبيعه وهعمل بتمنه دار أيتام باسم جدي حسن السيد، عشان الأطفال اللي زيي يلاقوا مكان يحميهم من ناس شبهكم.”
مشيت خطوتين ناحية كرتونة قديمة كانت مفتوحة، ولمحت فيها علبة قطيفة زرقاء مغبرة. مديت إيدي وفتحتها.. كانت ساعة جدي حسن. الساعة القديمة، بسيرها الدايب، والشرخ اللي عند رقم تلاتة. خدتها وحطيتها في جيب جاكت الميري، وبصيت لفاروق اللي كان لسه واقع في الأرض ودموعه نازلة من القهر والغل.
“الساعة دي.. بقت في إيد صاحبة الشأن.. عيلة دمه بجد.”
ركبت عربيتي ومشيت، وأنا شايفة في المراية صورتهم وهم بيصوتوا والعفش بيترمى وراهم. حسيت بنشوة نصر ملوش مثيل، النصر اللي جدي خطط له ووعدني بيه لما كتب على المنديل: “كلمتك تبقى زي السيف.”
رجعت شقتي الجديدة، قعدت على السرير، وطلعت المنديل الورق القديم المنسل من المحفظة، وحطيته جنب الساعة وجنب كشف الحساب اللي فيه الملايين. نمت ليلتها وأنا حاسة إن روحه بتحوطني، وإن كابوس خمس سنين انزاح عن صدري.
ثاني يوم الصبح، تليفوني رن تاني، بس المرة دي المتصل كان أستاذ شريف، مدير البنك.
“ألو.. آنسة نادية؟” صوته كان متغير وفيه نبرة قلق غريبة ومختلفة عن امبارح.
“أيوة يا فندم، فيه حاجة في الحساب؟”
“آنسة نادية.. إحنا بنراجع الملفات الورقية القديمة اللي جِدك سابها في الخزنة الحديدية الخاصة بالبنك، ولقينا ظرف مغلق مكتوب عليه (لا يفتح إلا بعد تنشيط الحساب بواسطة نادية).. أنا فتحت الظرف بناءً على التعليمات، وجواه ورقة رسمية تانية خالص.. شهادة ميلاد حقيقية، وتقارير طبية من مستشفى حكومي يرجع تاريخها لـ ٢٥ سنة فاتوا.”
قلبي بدأ يدق تاني بعنف، وقولت له بصوت متحشرج: “شهادة ميلاد مين يا فندم؟ وتقارير إيه؟”
المدير سكت ثانية، وحسيت بصوت أنفاسه المرعوبة عبر الخط، قبل ما يقول الجملة اللي هزت كياني كله ووقفت الدم في عروقي:
“آنسة نادية.. التقارير بتقول إن فاروق حسن السيد عنده عقم كامل ومبيخلفش من صغره.. وشهادة الميلاد الحقيقية بتقول إنك مش بنت بالتبني.. أنتي بنته الشرعية ومن دمه ولحمه، وأمك الحقيقية ماتت وهي بتولدك، وفاروق ومراته زوروا ورق التبني عشان يحرموكي من ورث أمك الشرعي ويفهموكي إنك بنت شوارع عشان تعيشي طول عمرك مكسورة العين وتخدميهم ببلاش!.. والظرف جواه كمان اسم أمك الحقيقية وعيلتها.. وأنتي تطلعي حافيدة عيلة تانية تعتبر من أكبر وأخطر عائلات المال في مصر.. وجدك حسن كتب في الورقة: (يا نادية، دلوقتي تقدري تروحي تاخدي حق أمك اللي فاروق بالقهر).”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




