روايات وقص

داده فاطمه

اضغطت دادة فاطمة على كتافي وهي بتدعي بصوت واطي وبتعيط، أما مازن فكان باصص لشاشة التابلت وعينيه بتلمع بذكاء حاد ومخيف. سحبت نفسي من السرير، الوجع في دماغي كان لسة بيلسع زي الكهربا، بس الغضب كان أقوى من أي . مشيت خطوتين ورجلي ، بس سندت على كتف ابني.

 

— «مازن، جهزلي عربية. دادة فاطمة، افتحي الدولاب الصغير المخفي اللي ورا الساتر الخشب.. هاتيلي الطقم الأسود الكلاسيك، والبروش الماس اللي على شكل صقر اللي أبويا الله يرحمه سابهولي.»

دادة فاطمة بصتلي بذهول وقالت وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها: «يا بنتي إنتي لسة تعبانة، بلاش تروحي هناك، طارق ونادين مابقاش في قلبهم رحمة، وممكن يعملوا فيكي حاجة قدام الناس!»

ضحكت ضحكة قوية، ضحكة طالعة من وسط الوجع والكسرة اللي اتولدت من جديد على شكل جمر: «اللي يخاف من الساحر يموت من السحر يا دادة. نادين دخلت الحفلة بفستاني، بس أنا هروح هناك بكياني. يلا يا دادة، مفيش وقت.»

ارتديت البدلة السودا، كانت حادة وكأنها درع حربي. حطيت البروش الماس اللي كان أبويا بيلبسه في أهم اجتماعاته، رفعت شعري لفوق بتسريحة صارمة، وحطيت روج أحمر غامق بلون الدم، لون يداري شحوب وشي ويدي انطباع بالسطوة. بصيت لنفسي في المراية، مكنتش شايفه الست المكسورة اللي نامت مغدورة، كنت شايفة شاهندة السيوفي، الوريثة الحقيقية لأكبر صرح معماري في البلد.

مازن كان مستنيني عند باب الفيلا، السواق كان مجهز العربية المرسيدس السودا. ركبنا، وطول الطريق للزمالك، كان مازن شغال على التابلت كأنه جنرال بيوزع كتائب الحرب.

— «أمي، اسمعيني كويس».. قالها مازن وهو بيلف الشاشة ناحيتي: «المزاد الخيري اللي شغال دلوقتي ده غطاء. بابا ونادين متفقين مع مستثمر أجنبي مشبوه اسمه “ألبيرتو”، المزاد ده هيدخل فيه لوحة فنية مزيفة هيدفعوا فيها 68 مليون جنيه تحت بند التبرع، والفلوس دي ه تخرج برة مصر لحساب شركة وهمية مسجلة باسم نادين في جزر البهاما. يعني ببساطة: بيغسلوا أموال شركة أبوكي قدام عيون علية القوم وباسم “عمل الخير”.»

سندت راسي على ضهر الكرسي وحسيت بنار قايدة في صدري: «وطارق؟ طارق للدرجة دي بقا رخيص؟ يبيع اسم العيلة اللي كبرته؟»

— «طارق مضى على كل الأوراق بصفته رئيس مجلس الإدارة التنفيذي بعد ما زور توقيعك على تفويض كامل بالتصرف في أصول الشركة. نادين أقنعته إنك كبرتي، وإنك مريضة نفسياً وبتتعالجي في السر، وهيخلوا المستندات دي تطلع للعلن بكرا الصبح لو حاولتي تتكلمي. بس اللي هما ميعرفوهوش.. إني كنت مخترق تليفون نادين من ست شهور. كل مكالمة، كل شات، كل اتفاقية، معايا بالصوت والصورة.»

سألته وعيني على شوارع القاهرة اللي بتجري برة الشباك: «والناس اللي في الحفلة؟»

مازن ابتسم ابتسامة باردة مفيهاش أي رحمة: «الشاشات الكبيرة اللي في القاعة الملكية، اللي المفروض تعرض تفاصيل المزاد وصور اللوحات.. أنا هسيطر عليها بالكامل بعد خمس دقائق بالضبط. العرض مش هيبقى مجرد كشف حقيقة.. ده هيكون إعدام علني لسمعتهم.»

وصلت العربية قدام الفندق الفخم في الزمالك. الأنوار كانت بتلعلع، والبودي جاردات واقفين على البوابات بالبدل السودا. نزلت من العربية، ووقفت لثواني أخد نفس عميق. الهوا البارد بتاع النيل خبط في وشي وفوقني تماماً.

— «جاهزة يا أمي؟».. سألني مازن وهو بيعدل ياقة قميصه.

— «جاهزة يا قلب أمك. الليلة دي هنرجع كل شبر اتسرق منا.»

مشينا خطوات ثابتة باتجاه المدخل الرئيسي. أول ما البوابين والمنظمين شافوني، اتسمروا في مكانهم. علامات الذهول والرعب ظهرت على وشوشهم. الكل عارف إن شاهندة السيوفي هي صاحبة الليلة، بس الكل شاف نادين داخلة على دراع طارق من ساعة وهي لابسة فستان شاهندة ومجوهراتها!

واحد من رجال الأمن حاول يقف قدامنا بتردد: «شاهندة هانم.. أهلاً بحضرتك.. بس.. بس المدعوين جوة، وطارق بيه قال إن حضرتك تعبانة ومش هتقدري…»

قاطعته بنظرة حادة خلت الكلمات تقف في زوره: «وسع من طريقي يا بني. أنا صاحبة المكان ده، وصاحبة الشركة اللي دافعة تمن الحفلة دي بالقرش. مفيش حد في الفندق ده كله يقدر يمنعني من الدخول.»

تنحى الرجل جانباً وهو بيبلع ريقه وبيرتعش. مشيت في الممر الطويل المؤدي للقاعة الملكية، وصوت كعب جزمتي كان بيرن في المكان كأنه دقات ساعة الحساب. مازن كان ماشي جنبي وعينه في التابلت، صباعه كان معلق فوق زرار “النشر والتحكم”.

وصلنا للباب الضخم المؤدي للقاعة. كان مقفول، وصوت الموسيقى الكلاسيكية والمهمهمات وصوت الضحكات طالع من جوة.

— «مازن.. ابدأ.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى