
قعدت على الكرسي ومش حاسس برجلي. الصوت اللي حواليا بقى مكتوم، زي ما أكون تحت المية. أمي واقفة قدامي ببرود يرعب، وعمتي صباح باصة في الأرض ومش قادرة تحط عينها في عيني، ورنا ماسكة في دراعي بكل قوتها وجسمها كله بيتراشف.
“مالوش لازمة أعرف؟”… الكلمة كانت بتتعاد في دماغي ألف مرة.
زقيت إيد رنا عني وقمت وقفت. حسيت إن حيطان الشقة بتطبق على صدري.
“يعني إيه مالوش لازمة أعرف يا أمي؟ ده ابني! انتي متخيلة انتي عملتي إيه؟ انتي حرمتيني من ابني خمس سنين؟”
أمي قربت مني وهي بتحاول تتكلم بهدوء بس صوتها كان فيه حدة: “ابنك؟ ومين قالك إنه ابنك أساساً؟ انتوا كنتوا مطلقين وراميين ورقكم عند المأذون! كانت جاية تتبلى عليك وتدبسنا عشان ترجعك، وأنا حميتك! حميت مستقبل حياتك من واحدة كانت هتضيعك!”
“تضيعني؟” صرخت فيها لدرجة إن صوتي اتنشر في العمارة كلها. “دي مريم يا أمي! مريم اللي كانت عايشة معانا هنا سنتين! هو أنا كنت متجوز واحدة من الشارع عشان تشكي فيها كده؟”
رنا اتدخلت وصوتها بيترعش من الخوف والدموع في عينها: “علي… ارجوك اهدى، طنط فاطمة كان قصدهـا مصلحتك، أنت مكنتش شايف الظروف وقتها و…”
قطعتها وأنا بجهر فيها بغضب عمرها ما شافته مني: “انتي تسكتي خالص! انتي من امبارح عارفة كل حاجة! لما شفتيها في المطار ووشك جاب ألوان، مكنش عشان صور شفتيها عند أمي… انتي عارفة موضوع الحفيد ده من زمان، صح؟ عشان كده اتخضيتي لما شفتيها شغالة هناك!”
رنا هربت بعينيها وبدأت تعيط من غير ما تجاوب. الصمت بتاعها كان اعتراف صريح. كل الناس كانت عارفة، كل الناس اتآمرت عليا، وأنا العريس المغفل اللي راجع من سفر خمس سنين عشان يلبس الجلباب اللي تفصلوهوله على مزاجهم.
سحبت مفاتيح العربية من على الترابيزة.
أمي صرخت: “علي! استنى هنا! رايح فين؟”
“رايح أجيب الحقيقة اللي انتوا دفنتوها.”
نزلت على السلم جري، ورنا وأمي بيصرخوا ورايا. ركبت العربية وطلعت بيها بأقصى سرعة على مطار القاهرة. المطر كان نازل على الإزاز زي الدموع، ومسّاحات العربية مش قادرة تلحق عليه. طول السكة ودني بتزن، ورجلي بتضغط على البنزين وأنا مش شايف قدامي. خمس سنين… خمس سنين من عمري ضاعوا في كذبة. كنت فاكر إني بنيت حياة جديدة، فاكر إني نجحت في شغلي وخطبت وجاهز أعمل عيلة، واكتشفت إن ساسي كله مبني على رمل.
وصلت صالة الوصول في المطار. نزلت أجرى وسط الناس، أدور على الزي الكحلي المبهوق. أفتش بين عمال النظافة. الناس كانت بتبصلي باستغراب؛ واحد ببدلة وشكله مش بتاع المكان، بيجري ويفتش في الوجوه بلهفة مجنونة.
أخيراً شفتها… كانت واقفة قريب من سير الشنط، بتلم الزبالة من الأرض وظهرها متني.
قربت منها وأنا بنهج، أنفاسي مقطوعة: “مريم!”
لتفتت بصدمة، وأول ما شافت وشي والدموع اللي في عيني، أيدها سابت المقشة اللي في أيدها ووقعت على الأرض.
“علي؟ انت إيه جابك هنا تاني؟”
مسكت دراعها وشدتها بعيد عن زحمة الناس، وراء عامود ضخم في الصالة: “مين اللي كان حامل يا مريم؟ ابن مين اللي أمي طردتك بسببه؟”
مريم غمضت عينها بوجع، وأخدت نفس طويل، وفتحت عينها وهي بتبصلي بمرارة: “انتا عرفت؟”
“عرفت نص الحقيقة… ومحتاج أعرف النص التاني حالاً. ابن مين يا مريم؟ وليه سكتي؟ ليه سبتيني خمس سنين عايش في الميه الباردة وأنا فاكر إننا اتطلقنا عشان ما اتتفقناش بس؟”
مريم ضحكت ضحكة مكسورة، ضحكة فيها كمية قهر تكفي بلد: “اتفقناش؟ أنت مشيت يا علي! مشيت السفرية الأولى للخليج وسبتني مواجهة أمك لوحدي. وأول ما حصلت مشاكل صغيرة، أمك اقنعتك إننا ينفعش لبعض، وأنت زي العبيط صدقتها وطلقتني في التليفون! ولما اكتشفت إني حامل بعد الطلاق بـ 3 أسابيع، جيت لـ “حاجة فاطمة” برجلي… ترجيتها، قلتلها يا طنط علي ابنك وأنا حامل في ابنه، بلاش نضيع العيلة.”
دموعي نزلت: “وأمي قالتلك إيه؟”
“قالتلي إن الطفل ده مش هيمنعك تبني مستقبلك، وإنك لو عرفت هتضطر ترجعلي عشان العيل، وهتعيش طول عمرك مكسور ومجبور. وقالتلي إنها مش معترفة بالحمل ده أساساً وشكت في أخلاقي… طردتني يا علي. طردتني من الشقة ورمت شنطة هدومي في الشارع ورزعت الباب في وشي.”
مسكت رأسي بإيدي الاتنين من كتر الصداع والوجع: “وليه ما كلمتنيش؟ ليه ما دورتبش عليا في السفر؟”
“كلمتك!” صرخت مريم وهي بتبصلي والدموع مغرقة وشها. “كلمتك مية مرة! مين اللي كان بيرد عليا؟ أمك! غيرت خطك، وقالتلي إنك مش عايز تشوفني ولا عايز تسمع صوتي وإنك خطبت رنا خلاص ومش فاضيلك! رنا اللي هي بنت أختها وصاحبتها، اللي كانوا مجهزينها لك من قبل ما تطلقني أساساً!”
كل قطعة في اللغز كانت بتركب في مكانها ببطء مرعب. رنا… بنت خالة أمي، اللي ظهرت في حياتي فجأة بعد الطلاق بست شهور، وكانت حنينة ومتربية وبتحبني. كل حاجة كانت متخططة. كل حركة كانت تمثيلية.
مسكت مريم من كتافها: “هو فين يا مريم؟ الطفل فين؟ ولد ولا بنت؟”
سكتت مريم، وبصت في الأرض.
“مريم! انطقي! فين ابني؟”
“بنت…” قالتها بصوت واطي جداً. “اسمها فريدة.”
قلبي دق بسرعة جنونية: “هي فين؟ هي عايشة؟ انتي شغالة هنا عشان تصرفي عليها؟”
مريم هزت رأسها بالأنفاس المقطوعة: “فريدة عندها أربع سنين وشوية… عايشة مع أختي في المقطم. أنا شغال ورديتين، هنا وفي مستشفى بالليل، عشان أقدر أدفع ثمن علاجها وثمن مدرستها.”
“علاجها؟ علاج إيه؟”
“فريدة عندها ثقب في القلب من يوم ما اتولدت… محتاجة عملية كبيرة في المستشفى الجوي، وأنا معنديش جنيه. بعت كل دهبي، وسبت شغلي في الشركة لما الشركة أفلست وما عرفتش ألاقي شغل تاني بسرعة… نزلت اشتغلت في النظافة عشان أسدد ثمن الجلسات والأدوية!”
كنت حاسس إني قزم. قزم حقير واقف قدام ست جبل شالت شيلتي وشيلة بنتي خمس سنين وأنا عايش في التكييف وبشتري ورد لفرحي الجديد!
“قومي معايا.” مسكت إيدها بقوة.
“أروح فين؟ أنت مجنون يا علي؟ ورضيعتك وشغلك و…”
“قلتلك قومي معايا!”
سحبتها من إيدها وسط ذهول زمايلها في المطار، وخرجنا للعربية. فتحت لها الباب وركبتها، وطلعت على المقطم فوراً. طول السكة مريم كانت ساكتة وبتبص من الشباك، وأنا إيدي على الدركسيون بتترعش. كنت خايف… خايف أقابل بنت بقالها أربع سنين في الدنيا ما تعرفش إن ليها أب، خايف أكون متأخر أوي.
وصلنا بيت قديم في المقطم. طلعت السلم ورا مريم وعلية درجاته وكأنها جبل. فتحت الباب بالمفتاح، ودخلنا شقة بسيطة جداً بس نظيفة.
خرجت واحدة ست من المطبخ—أخت مريم—وأول ما شافتني اتجمدت مكانها ورجعت لورا بصدمة.
وفي الصالة… كانت قاعدة بنت صغيرة على السجادة، ماسكة عروسة قماش قادمة وبتلعب بيها.
شعرها أسود كيرلي، وعيونها… نفس عيوني ونفس عيون أمي.
أول ما شافتنا، قامت وقفت، وجريت على مريم: “ماما! جيتي بدري ليه؟”
مريم نزلت على ركبتها وحضنتها بقوة، والدموع نازلة من عينها: “جيت يا حبيبتي… جيت وجبتلك معايا حاجة.”
البنت بصتلي بعيونها الواسعة النظيفة. خطوت خطوة ناحيتها، وركبت على الأرض قدامها. إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها عشان ألمس وشها الصغير.
“أنتي فريدة؟” قلتها وصوتي مخنوق بالبكاء.
البنت بصلتي ببراءة واستغراب، وبصت لمريم: “ماما… مين ده؟ ده العمو اللي صورته في الدولاب؟”
الكلام نزل عليا زي الخنجر. مريم كانت حاطة صورتي في الدولاب؟ رغم كل اللي عملته فيها وفي حياتها؟
ما قدرتوش أمسك نفسي، حضنت البنت بقوة وبكيت بصوت عالي. البنت اتخضت في الأول، بس بعدين حطت إيدها الصغيرة على ظهري وطبطبت عليا ببراءة الأطفال: “ما تعيطش يا عمو… بابا في السفر وهيرجع، ماما قالتلي كده.”
الكلمة دي قطعت قلبي حتت.
قمت وقفت وبصيت لمريم: “جمعي هدومها وهدومك… انتوا ماشيين معايا.”
“على فين يا علي؟ انت اتجننت؟ أنت عريسك كمان أسبوعين! أمك ورنا هيعملوا إيه؟”
“يلعن الفرح ويلعن كل حاجة!” صرخت بتصميم. “أنا حياتي الحقيقية هنا. فريدة هتتعالج في أكبر مستشفى في مصر بكرة الصبح، وانتي مش هتمسكي مقشة ولا تمسحي أرضية تانية في حياتك. أنا اللي هشيل الشيلة دي.”
ساعتها، تليفوني رن. كانت أمي.
رديت وبصوت هادي ومسموم: “أيوة يا أمي.”
“علي! أنت فين يا بني؟ رنا منهارة وأنا دم دمى محروق! أنت فين وتلفونك مقفول ليه؟”
“أنا مع بنتي يا فاطمة هانم.”
السكوت حل في التليفون.
“بنتك؟ علي… بلاش هبل، الست دي ضحكت عليك و…”
“البنت نسختي.” قطعتها بصرامة. “فريدة نسختي ورسمة عيني وعينك. البنت اللي انتي رميتيها في الشارع عشان تستريني، كانت محتاجة عملية في القلب وأنتي عايشة في خيرك ورغدك! أنا راجع البيت دلوقتي… وحسابنا هيبقى هناك.”
قفلت الخط في وشها.
أخدت مريم وفريدة، ونزلنا. ركبتهم العربية وطلعت على بيت أمي في المعادي.
طول السكة فريدة كانت ماسكة إيدي ومبهورة بالعربية والتكييف، ومريم بتبصلي بذهول مش مصدقة إن الكابوس ده ممكن يخلص.
وصلنا العمارة. طلعت الشقة وفتحت الباب بالمفتاح.
أول ما دخلت، لقيت أمي ورنا قاعدين في الصالة، ووشوشهم أصفر زي الليمون. أول ما شافوا مريم والطفلة في إيدي، أمي وقفت على حيلها.
“علي! أنت جنيت؟ جايبهم هنا تعمل بيهم إيه؟”
رنا قامت وقربت مني وهي بتصرخ: “يعني إيه يا علي؟ وفرحنا؟ والناس؟ والقاعة اللي اتدفعت ثمنها؟ أنت هتضيع كل ده عشان واحدة كدابة؟”
مسكت إيد فريدة ورفعتها لفوق: “بصي للبنت دي يا رنا! بصي في وشها كويس! شايفاني فيها ولا لأ؟”
رنا سكتت وبصت للبنت ورجعت لورا بخطوات مرعوبة.
بصيت لأمي: “أنتي حرمتيني من بنتي أربع سنين. خليتي أمها تمسح جزم الناس في المطار عشان تعالجها، وأنتي رايحة تحجزي ورد القاعة بـ 50 ألف جنيه! أنتي مش أمي… أنتي شيطانة تفصل حياتي على مزاجها!”
أمي ضربت على صدرها: “أنا عملت كده عشانك! عشان ما تتدبسش في جوازة فاشلة!”
“الجوازة الفاشلة دي هي الحقيقة الوحيدة اللي خرجت بيها من الدنيا!” صرخت فيها.
طلبت من مريم وفريدة يقعدوا في الصالون، ودخلت الأوضة. سحبت شنطتي الكبيرة، وبدأت ألم هدومي كلها.
خرجت رنا ورايا وهي بتعيط بهستيريا: “علي! ارجوك! أنا ماليش دعوة! أنا عرفت بالموضوع ده قريب من طنط فاطمة وهي اللي قالتلي نسكت وما نفتحش الكلام! أنا بحبك يا علي!”
بصيت لها بالقرف: “اللي ترضى تبني سعادتها على طفل محروم من أبوه وأم بتتذل عشان لقمة العيش، ما تلزمنيش. أنتي وأمي شبه بعض… وأنا قرفت منكم أنتوا الاتنين.”
سحبت شنطي وخرجت للصالة.
أمي وقفت في وشي وبكت: “أنت رايح فين وسايبني؟ هتسيب أمك عشان دي؟”
“أنا مش سايبك عشانها… أنا سايبك عشان نفسي. عشان أعرف أصلح القرف اللي انتي عملتيه. العملية بتاعة فريدة بكرة الصبح، وده حساب بنكي هتحولي عليه كل القرشين اللي حاططهم معاكي من فلوس شغلي في الخليج. ولو مفيش فلوس ات حولت، هرفع عليكي وعليها قضايا وأفضحكم.”
خرجت من الشقة ومسكت إيد مريم وإيد فريدة. أمي كانت بتصرخ ورنا بتصرخ، وأنا قفلت الباب ورايا لأول مرة وأنا حاسس إني راجل حر.
أخدتهم على شقة مفروشة في مكان هادي. جبت لدكاترة كبار، وحجزت لفريدة في المستشفى الجوي.
الـ 48 ساعة اللي بعد كده كانوا أصعب أيام حياتي.
فريدة دخلت غرف العمليات للعملية المفتوحة في القلب. كنت واقف بره الغرفة، مريم على يميني بتدعي وتبكي، وأنا إيدي في إيدها. محاولناش نتكلم في اللي فات، كل تركيزنا كان على النفس اللي طالع ونازل للطفلة اللي جوه.
بعد 6 ساعات… خرج الدكتور وهو مبتسم وبيفرد ظهره: “الحمد لله… العملية نجحت، والتقب اتقفل تماماً. فريدة بطلة وزي الفل.”
مريم إنهارت على الأرض من السجدة والشكور، وأنا أخدتها في حضني وبكينا إحنا الاتنين زي الأطفال.
مرت الأسابيع.
فريدة صحتها بقت ممتازة، ورجعت ضحكتها تنور البيت. أنا فسخت خطوبتي من رنا رسمياً، ورجعت الفلوس للناس، والفضيلة كانت على كل لسان في العيلة، بس مكنش يهمني كلام حد.
أمي حاولت تتصل بيا مية مرة، بس كنت بصل أرد ببرود وأطمنها على فريدة وبس. العلاقة بيننا اتكسرت، وحاجات كتير محتاجة سنين عشان تتصلح، إذا اتصلحت اصلاً.
في يوم، كنا قاعدين في جنينة النادي… فريدة بتجري ورا الفراشات بتضحك، ومريم قاعدة جنبي بتشرب القهوة.
بصيت لمريم وقلت لها: “مريم… تفتكري ينفع نبدأ من جديد؟ مش عشان فريدة بس… عشاننا إحنا كمان؟”
مريم بصتلي باهتمام، وابتسمت ابتسامة هادية: “علي… الجروح مش بتموت في يوم وليلة. بس فريدة رجعتلنا، والدنيا أديتنا فرصة ثانية… خلينا نمشي خطوة خطوة.”
مسكت إيدها، وهزيت رأسي بالموافقة.
فجأة… تليفوني رن برقم غريب.
رديت: “ألو؟”
صوت راجل غريب ورسمي جه من الناحية الثانية: “حضرتك الأستاذ علي؟”
“أيوه أنا… مين معايا؟”
“أنا المقدم هشام من مباحث الأموال العامة… إحنا بنحقق في قضية اختلاس وتزوير كبيرة في الشركة اللي كانت شغالة فيها المدام مريم من سنتين، ولقينا أوراق خطيرة جداً باسم الأستاذة مريم… وفيها توقيعات باسمك أنت كمان يا أستاذ علي، والمحكمة أصدرت أمر بضبط وإحضار لليوم!”
التليفون كان هيقع من إيدي، وبصيت لمريم اللي كانت بتبصلي بابتسامة ناعمة وهي بتشرب القهوة… ابتسامة غريبة، أول مرة أشوفها في عينها!




