
الناس في الصوان كانت بتعزي ومصطفى واقف على الباب بياخد العزا بوشه البارد، والحجة فوزية بدأت ترفع صوتها بالولولة والندب عشان تلم الناس حواليها وتعمل اللقطة، بس فجأة صوان العزا كله سكت.. السكوت مكنش طبيعي، كأن في كبسة أو مصيبة داخلة من باب الصوان. الصوت اللي قطع الولولة دي كان صوت تكة مايك الساوند سستم بتاع القاريء، بس الشيخ مكنش بيتكلم، السماعات الكبيرة اللي متعلقة في كل ركن في صوان السيدة زينب طلعت صوت خشخشة، وبعدها علطول ظهر صوت الحجة فوزية وهي بتقول بنبرة فحيح الأفاعي: “ربنا خد عيالك منك عشان عارف إنك متعرفيش يعني إيه أمومة، ومستأمنكيش عليهم!”
الناس كلها اتسمرت في مكانها، الشيخ نفسه شال إيده من على ودنه وبص للسماعات بذهول، الصوت كان نقي وواضح لدرجة ترعب، وفجأة طلع صوتي وأنا بقول مخنوقة بالدموع: “اسكتي.. وحياة غلاوتهم عندك، اخرسي النهاردة بس”، ووراها علطول صوت اللطمة، قلم طير برج وعي الصوان كله، وصوت هبدة راسي في الخشبة، وبعدها الفحيح المرعب تاني: “لمي لسانك ده واكتمي خالص.. بدل ما تحصلي عيالك وندفنك جنبهم”، وأخيراً قفلة الجريمة بصوت مصطفى البارد: “جرى إيه يا مونيا؟ خلاص بقا مش عايزين فضايح قدام الناس”.
الصوت اتعاد تاني وتالت على أعلى فوليوم في السماعات، كأنه حكم إعدام بيتذاع على الهواء مباشرة، الوجوه كلها اتقلبت، نظرات الحزن والتعاطف اللي كانت موجهة للحجة فوزية ومصطفى اتحولت في ثانية لنظرات رعب وقرف، الناس بدأت تتبادل نظرات مذهولة، والهمس بقا زي خلية النحل، الحجة فوزية وشها جاب ألوان، الأحمر اللي على شفايفها بقا كأنه دم هارب من وشها اللي اصفر زي الليمونة، وبقت تلتفت حواليها زي المجنونة وهي بتزعق في عمال الفراشة: “اقطعوا الصوت! اقطعوا الزفت ده! مين اللي بيلعب في الأجهزة؟” بس مكنش في فايدة، اللاب توب اللي متوصل بالسيستم مكنش حد واقف جنبه، ده كان متهكر بالكامل عن طريق “الواي فاي” من موبايل زميلي إيهاب في الرقابة، اللي كان قاعد في عربية ميكروباص على أول الشارع ومستني الإشارة مني.
مصطفى جرى على مهندس الصوت وزقّه وهو بيصرخ: “اقفل السلك يا حمار! اقفل الفيشة!”، ولما السلك اتشد والصوت انقطع، كان الأوان فات، الصوان كله كان باصص ليهم كأنهم جثث ماشية على الأرض، في اللحظة دي أنا وقفت، نفضت التراب من على فستاني الأسود، ومسحت دموعي بكمي، مكنتش المونيا المكسورة بتاعة من شوية، عيني الساحرة المكسورة اتحولت لعيون صقر، مشيت بثبات لحد نص الصوان، وبصيت للحجة فوزية اللي كانت بترتعش من الغضب والخوف، وقولتلها بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين: “المسرحية خلصت يا فوزية هانم.. والست بمية راجل طلعت هي اللي دبحاهم”.
مصطفى قرب مني وعينيه حمرا وزعق: “أنتِ اتجننتي يا مونيا؟ أنتِ بتفضحينا في عزا عيالنا؟ أنتِ إيه مابتفهميش؟”، ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع وقرف وقولتله: “عيالي أنا يا مصطفى.. عيالي اللي أنت قبضت ثمنهم قبل ما يتلفوا في كفنهم، عيالي اللي أمك كانت بتحط لهم السم في قطرة العين والرضعة وأنت بتمضي على ورق المستشفى وأنت عارف!”، الكلمة نزلت على الصوان زي الصاعقة، الناس بدأت تصرخ، وخالتي صرخت ولمت الناس حواليا، ومصطفى جه يهجم عليا عشان يسكتني، بس فجأة دخل من باب الصوان أربعة رجالة ببدل سودا، ملامحهم حادة وجادة جداً، وفي مقدمتهم المقدم أحمد، زميلي السابق ورئيس مباحث الأموال العامة والجرائم المنظمة.




