Uncategorized

د وقف حسام في منتصف الغرفة

وقف حسام في منتصف الغرفة، يمسح بظهر يده عرقًا باردًا بدأ يتصبب من جبهته دون أن يفهم سببه. نبرة الراجل العجوز لم تكن نبرة أب مكسور، ولا رجل مذهول من صدمة الاعتداء على ابنته؛ كانت نبرة قائد يعطي أمرًا صامتًا بالتأهب.

وضع الحاج جودة الهاتف على أذنه، ولم تتغير ملامح وجهه الخشبية الصلبة. أتاه الصوت من الطرف الآخر بعد رنتين دقيقتين:

— “أوامرك يا فندم.”

رد الحاج جودة بصوت هادئ، حاد كالمشرط:

— “أهلاً يا سيادة العميد. أنا في مستشفى السلام الدولي بالمعادي، الدور الرابع، غرفة 408. عايز مسرح الجريمة يتثبت فوراً، وتحفظ على شخص اسمه حسام السعيد. تعدي صارخ وتلبس، وفي بلاغ رسمي بالاعتداء والاحتجاز. ابعتلي عربية النجدة ومعاها ضابط المباحث فوراً.”

ساد الصمت الغرفة لثلاث ثوانٍ كأنها دهر. أغلقت الممرضة الفم المفتوح بدهشة وهي تتراجع للوراء نحو الزاوية، بينما تراجع حسام خطوة إلى الخلف، تحولت نظرات الاستعلاء في عينيه إلى اضطراب مباغت، لكن كبرياءه الأعمى جعله يصرخ لمداواة رُعبه:

— “نجدة إيه وضابط إيه يا راجل يا خرفان انت؟! انت فاكر نفسك مين؟ دي مراتي وبأدبها! وأنا اللي هرفع عليها قضية زنا وأفضحها وأفضحك معاها بالعين الخضرا دي!”

لم يرد الحاج جودة بالكلمات. خطى خطوتين منتظمتين، ووقف بين حسام وبين السرير الذي ترقد عليه حسناء وهي تضم طفلها الباكي إلى صدرها والدم يجف على شفتها الممزقة. كان اللواء المتقاعد أطول قامة، وأعرض كتفًا رغم سنوات عمره السبعين، بظهر متسق لا ينحني، وعينين خضراوين صالبتين تشبهان تمامًا عيني الرضيع القابع على السرير.

رفع جودة إبهامه، وأشار به نحو الباب:

— “انت مش هتخرج من الأوضة دي غير على بوكس الشرطة يا حسام. والأرض اللي انت واقف عليها دي.. هتبقى آخر حتة تمشي عليها بحريتك لسنين طويلة.”

— “انت بتهددني؟!” صرخ حسام وهو يحاول التقدم نحو حسناء: “هاتي العيل ده هنا! والله ما طالع من هنا غير وأنا واخد البت دي ومربيها ومربيك!”

في أقل من ثانية، وقبل أن تمتد يد حسام إنشًا واحدًا نحو حسناء، تحركت يد الحاج جودة بسرعة خاطفة لا تتناسب مع سنه. أُمسك بساعد حسام، ولوِي لمفصل الكوع إلى الخلف بحركة ميكانيكية عسكرية محكمة، وجُذب جسد حسام بالكامل ليسقط على ركبتيه فوق أرضية سيراميك الغرفة بصوت اصطدام مدوٍّ.

صرخ حسام من الألم: “آه! إيدي! سيب إيدي يا مجنون!”

ضغط جودة بحذاء العسكري القديم على مفصل كتف حسام وهو مثبت على الأرض، وقال بنبرة خالية من أي انفعال:

— “أنا قديت أربعين سنة في الخدمة يا حسام.. اتعاملت فيها مع خائنين وأعداء ومرتزقة. بس ما شفتش أحقر من راجل يضرب واحدة لسه طالعة من أوضة العمليات وربنا جابلها حتة لحمة حمرا تحميها بيه. انت فاكر سكوت بنتي طول السنين دي كان ضعف؟ بنتي كانت صاينا بيتك ومربيا عيالك.. لكن من اللحظة دي، انت دخلت الحرب مع الشخص الغلط.”

خلال أقل من عشر دقائق، كانت طرقات المستشفى تهتز بأصوات أقدام عسكرية سريعة. دخل رئيس مباحث القسم ومعه ثلاثة أمناء شرطة، ينظرون حولهم بوجوم، وما إن وقعت عين رئيس المباحث على الحاج جودة، حتى وقف انتباه، وأدى التحية العسكرية برسمية شديدة:

— “تمام يا فندم! سيادة اللواء جودة، ألف سلامة على مدام حسناء.”

اتسعت عينا حسام وهو ملقى على الأرض، يحاول الارتفاع وكتفه يؤلمه.

— “لـ.. لواء؟!” زمجر حسام بصوت مبحوح وهو ينظر للضابط: “يا باشا الراجل ده اعتدى عليا! مراتي خايناني وجايبالي عيل مش ابني وأنا بطلب تحليل DNA!”

نظر الضابط إلى حسام بائشمزاز، ثم التفت لللواء: “أوامرك يا فندم؟”

قال جودة بثبات:

— “التقرير الطبي لبنتي بيتعمل حالياً. المحرر بلاغ ضرب وتعدي وإحداث إصابة، مع محاولة اختطاف طفل وتهمة القذف العلني والطعن في الشرف بدون دليل. استلم المتهم يا حضرت الضابط.”

اقترب أمناء الشرطة، وكلبتوا يدي حسام إلى الخلف بصرامة. بدأ حسام يصرخ ويرتعد، ونظرات الاستقواء تلاشت تمامًا لتحل محلها هيستيريا الذعر:

— “حسناء! قولي لأبوكي حاجة! حسناء إحنا بينا أربع بنات! حسناء انتِ هتهدي بيتنا؟!”

لم تنظر إليه حسناء. كانت تمسح دموعها بمهل، وتنظر إلى طفلها الصغير “ياسين”، ثم رفعت رأسها وأطلقت نظرة واحدة نحو حسام.. نظرة لم تكن تحمل كرهًا ولا غضبًا، بل خلوًا تامًا من أي شعور. نظرة امرأة مات الرجل الذي كان في حياتها إلى الأبد.

سُحب حسام مخفورًا عبر أروقة المستشفى وأمام أعين الأطباء والممرضين، وصرخاته تتضاءل كلما ابتعد البوكس عن البوابة الخارجية.

مواجهة الحقائق

في اليوم التالي، كانت شقة حسام في التجمع الخامس تشهد حركة غير معتادة. لم تكن الشقة كما تركها.

بناءً على أمر قضائي عاجل وبلاغ رسمي بتمكين الأم وأطفالها، وبحضور قوة من الشرطة والحاج جودة، دخلت حسناء لجمع أطفالها الأربعة: جودي، ورقية، وفريدة، وزينة. كانت البنات يرتعدن من الخوف، يتشبثن بفيست جدهن جودة، الذي كان يحتضنهن بحنان أسطوري لم يروا مثله قط من أبيهن.

— “جدو.. هو بابا زعلان مننا عشان إحنا بنات؟” سألت فريدة ذات الثماني سنوات وهي تبكي بكسرة.

جلس جودة على ركبتيه ليكون في مستوى طولها، ومسح على رأسها:

— “أبوكم هو اللي زعلان من نفسه عشان مش عارف القيمة اللي ربنا جابهاله. انتوا تاج رأسي، وانتوا العيلة، وانتوا الروح اللي هتعيش بيها أمكم.”

في هذه الأثناء، كان الفريق القانوني الخاص باللواء جودة يعمل على قدم وساق. لم يكن الأمر مجرد قضية ضرب وتعدٍّ، بل كان تفكيكًا كاملًا لأسطورة “حسام السعيد”.

خلال أسبوع واحد من التحقيقات، ظهرت الحقائق المخبأة تحت البدلات الماركة والعربية الفارهة:

* السيارات المشحونة بالتقسيط كانت مهددة بالسحب لعدم سداد الأقساط لثلاثة أشهر.

* الشقة الفخمة في التجمع كانت مرهونة للبنك مقابل قروض شخصية أخذها حسام للمضاربة في البورصة والعملات الرقمية وخسرها بالكامل.

* حسام كان قد اختلس مبالغ مالية من حسابات بعض العملاء في الشركة الاستثمارية التي يعمل بها للتغطية على ديونه، وكان على وشك الانكشاف.

حين تم تحويل حسام إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق في قضية الاعتداء، كان يحاول استخدام ورقة الضغط الوحيدة التي يملكها: المطالبة الرسمية بنسب الطفل وإجراء تحليل الـ DNA.

في جلسة التحقيق أمام وكيل النيابة، قال حسام بانهيار ومسكنة تصنعها:

— “يا فندم أنا مظلوم! أنا راجل شريف، وهي جابت عيل عيونه خضرا وأنا وأهلي عيوننا سود! أنا عايز أثبت إنه مش ابني عشان أطلقها للضرر وأحرمها من حقوقها!”

وقف محامي حسناء، وبجانبه الحاج جودة، وقدم ملفًا أزرق للنيابة.

قال المحامي بوقار:

— “سيادة وكيل النيابة، الموكلة مدام حسناء لا تعترض إطلاقاً على إجراء تحليل الـ DNA، بل تطالب به رسمياً لقطع دابر الشك وزيادة في إهانة هذا الرجل أمام نفسه وأمام المجتمع. ولكن قبل إجراء التحليل، بنقدم لسادتكم شهادة شجرة العائلة للسيادة اللواء جودة، وشهادة القيد العائلي الخاصة به، والتي تثبت أن العيون الملونة – وتحديداً الخضراء والزرقاء – هي جين سائد في عائلة (الهواري) التي ينتمي إليها سيادة اللواء، وأن أخت الموكلة الكبرى وأعمامها يمتلكون نفس لون العيون.”

وأضاف المحامي بابتسامة سخرية:

— “كما نطلب ضم التقرير الطبي للطفل ياسين حسام السعيد، والذي أثبت مطابقة الفصيلة والصفات الوراثية الأولية.”

سقوط الأقنعة

بعد أسبوعين، صدرت نتيجة تحليل الـ DNA من الطب الشرعي.

كانت النتيجة صدمة زلزلت ما تبقى من عقل حسام داخل سجنه الاحتياطي:

نسبة المطابقة الجينية بين حسام السعيد والطفل ياسين: 99.99%.

الطفل ابنه شرعاً وقانوناً ووراثة.

سقطت ورقة التوت التي كان يتستر بها. لم يكن الأمر خيانة ولا شكاً مشروعاً؛ كان مجرد جهل مريض، ورغبة مريضة في السيطرة، وحقد دفين على زوجه لم تنجب له الولد إلا بعد أن سحق شبابها، وعندما أتاه الولد بصفات جدها العظيم، لم يتحمل عقله الصغير أن يكون للطفل أي انتمائه لغير سلالته البائسة.

لكن المصائب لم تأتِ فرادى على حسام.

بمجرد انتشار خبر التحفظ عليه والتحقيق معه في قضية اعتداء وطعن في العرض، بدأت الشركة الاستثمارية التي يعمل بها بمراجعة دفاتره. اكتشفت اللجان المالية ثقوباً واختلاسات تجاوزت الثلاثة ملايين جنيه.

رفعت الشركة دعوى قضائية عاجلة بتهمة خيانة الأمانة والاختلاس.

رُفعت عليه دعاوى نفقة للأطفال الأربعة والرضيع، مصحوبة بأوامر حبس لعدم السداد.

قام البنك بالحجز على الشقة والسيارة لعدم سداد الأقساط والرهونات.

في غضون ثلاثة أشهر فقط، تحول المهندس المالي الأنيق الذي كان يتباهى بالاسم والعز المزيّف، إلى سجين بملابس بيضاء، مطارد بقضايا لا حصر لها، يسكن خلية معتمة، لا يملك فيها حتى ثمن سجارة.

بداية جديدة

على الجانب الآخر، كانت الحياة تعود لمجراها الطبيعي بطريقة مختلفة تماماً.

انتقلت حسناء وأطفالها الخمسة للعيش في فيلا الحاج جودة في بنها. الفيلا الواسعة ذات الحدائق الخضراء، التي كانت فيما مضى هادئة وموحشة بعد وفاة والدة حسناء، أصبحت الآن تضج بالحياة.

صوت ضحكات البنات الأربع: جودي ورقية وفريدة وزينة، وهن يجرين في الحديقة، يلعبن مع جدهن الذي خلع عباءة اللواء العسكري وصار أباً حنوناً يذاكر لهن ويصطحبهن للمدارس.

أما حسناء، فقد استعادت بريق عينيها. لم تعد تلك المرأة الخائفة الصامتة التي تستأذن قبل أن تتنفس. بدعم من والدها، قامت بتأسيس مشروعها الخاص في مجال التصميم والديكور الداخلي، وهو المجال الذي كانت قد درسته وتخلت عنه من أجل حسام.

وفي أحد أيام الربيع الدافئة، كانت حسناء تجلس في حديقة الفيلا، تحمل “ياسين” بين يديها. كان الطفل قد بلغ عامه الأول، بعينين خضراوين ساحرتين تتلألأن تحت أشعة الشمس، وابتسامة بريئة تملأ وجهه.

اقترب الحاج جودة، يحمل كوبين من الشاي بالنعناع، وجلس بجوارها.

— “بتفكري في إيه يا حسناء؟” سألها بابتسامة هادئة.

نظرت حسناء إلى أبنائها يلعبون حولها، ثم إلى والدها وقالت بنبرة ملؤها الامتنان:

— “بفكر في السنين اللي ضاعت من عمري وأنا فاكرة إني ضعيفة وماليش حد.. بفكر كيف كنت خايفة من بكرة، وكت اكتشفت إن ربنا كان شايللي كل الخير ده بعد العاصفة.”

ابتسم جودة وقال:

— “الراجل القوي يا بنتي مش اللي بيزعق ويضرب؛ الراجل القوي هو اللي بيحمي بيته ولاده ويحترم الست اللي شايلة اسمه. وحسام ما كانش راجل.. كان مجرد شكل مجوف، والعيشة معاه كانت هي الخسارة الحقيقية.”

النهاية والمفاجأة

مرت ثلاث سنوات.

صدر الحكم النهائي ضد حسام السعيد: السجن المشدد لمدة سبع سنوات في قضايا الاختلاختلاس وخيانة الأمانة، بالإضافة إلى حكم بالسجن لمدة سنة مع الشغل في قضية الاعتداء والضرب، وتغريمه مبالغ طائلة للتعويض.

تم طلاقه رسمياً من حسناء بطلقة بائنة للضرر، وحرمانه من ولاية الأطفال، مع فرض نفقة أجر حضانة ورعاية تُسدد من أي ممتلكات قد تؤول إليه مستقبلاً.

في أحد الأيام، تلقت حسناء خطاباً من إدارة السجن. كان حسام يتوسل لرؤيتها ورؤية أطفاله ولو لمرة واحدة.

رفضت حسناء الذهاب، لكن الحاج جودة قرر أن يذهب هو.. لمرة أخيرة ونهائية.

ورا كواليس الزيارة المغلقة في سجن طرة، جلس حسام خلف السلك الفاصل. كان قد فقد نطفة من وزنه، شعره شاب بالكامل، يرتدي البدلة الأزرق الداكنة الخاصة بالمساجين، وعلى وجهه انكسار وهوان لا يُوصف.

نظر حسام للواء جودة ببكاء وندم:

— “يا حاج جودة.. عشان خاطر ربنا سامحني. أنا اتدمرت. الشقة راحت والعربية راحت، وعيلتي اتبرت مني.. أنا عايز بس أشوف ياسين والبنات.. عايز أقولهم إن أبوهكم آسف.”

نظر إليه الحاج جودة بجمود تام، ولم تظهر على وجهه أي شفقة.

قال جودة بصوت خافض وثابت:

— “انت مش جاي تتأسف يا حسام.. انت جاي عشان حاسس بالهوان. البنات دلوقتي في أفضل مدارس، بيطلعوا الأوائل، وبيكبروا في بيئة نظيفة مفيهاش إهانة ولا تقليل. وياسين كبر، وما يعرفش أب غيري.. وما يعرفش عنك غير إنك كابوس وانتهى.”

وقف اللواء جودة، وعدل ياقة معطفه، ثم اقترب من السلك الفاصل وقال جملة أخيرة جعلت جسد حسام يقشعر بالكامل:

— “على فكرة يا حسام.. نسيت أقولك حاجة مهمة قبل ما أمشي. أنت طول عمرك كنت فاكر إن ربنا ما ادالكش ولد عشان حسناء بتجيب بنات.. بس التحاليل الفحوصات الطبية الكاملة اللي اتعملت في قضايا النسب والجينات، أثبتت حاجة الدكاترة قالوها للمحامي بوضوح…”

توقف جودة لحظة، ثم التقت عيناه بعيني حسام المنكسرتين:

— “… الحيوانات المنوية المسؤولة عن تحديد نوع الجنين بتخرج منك انت مش من الست. يعني انت اللي كنت بتجيب البنات بطبيعتك الجينية.. وحسناء هي اللي تحملت جليتك وعقدك النفسية تسع سنين. ربنا رزقك بالولد في الآخر معجزة عشان يكشف مرضك، ويطلع برحمة ولادي من جحيمك.”

استدار الحاج جودة ومشى بخطوات واثقة ونظامية نحو الخارج، يتردد أصل أقدامه في الممر الطويل.

في حين بقي حسام السعيد مقيداً إلى كرسيه، يصرخ وينتجش ويدق جبهته في السلك الحديدي الفاصل، صوت صراخه يضيع بين جدران السجن الصامتة، بينما كان العالم في الخارج يكمل مسيرته ناصعاً، طاهراً، وخالياً تماماً من وجوده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى