
ساد الصمت في لحد ما بقى له صوت، صوت نَفَس شريف العالي المتوتر، ضربات قلب نورا اللي كانت باينة في هزّة إيدها وهي بتمسك شنطتها، وصوت مكيف الهواء اللي بيزنزن في السقف.
الأستاذة ماجدة حطت القلم الجاف على المكتب بصوت رنان، سندت ظهرها لورا، وبصت لمحامي شريف بنظرة شفقة.
شريف بلع ريقه بالعافية، حاولت نبرة الصراخ ترجع لوشه عشان يداري الخوف، فزعق بصوت مهزوز: “إيه التسجيل ده؟ ده تسجيل متفبرك! وبعدين أنتِ بتسجليلي بدون إذني؟ دي يعاقب عليها القانون يا أستاذة ماجدة! أنتِ محامية وعارفة إن دي قضية تنصت وإفشاء أسرار زوجية!”
ابتسمت ماجدة ابتسامة خفيفة، هادية، الابتسامة اللي بتسبق الضربة القاضية في المحاكم: “جريمة تنصت؟ لما تبقى تهديدات بالخطف والتزوير وإيذاء طفل رضيع، التسجيل بيبقى دفاع شرعي عن النفس يا أستاذ.. لكن مش ده الموضوع، موكلتك مش جاية هنا عشان تهدد بالتسجيل ده بس.. ندى جاية تنهي اللعبة.”
ندى مالمستش التسجيل، سابت التليفون شغال بصوت واطي بيُعد الثواني على الترابيزة. إيدها كانت ثابتة على راس مالك، اللي كان نائم في حضنها، وكأن جسمها اللي كان بيتألم من جرح القيصرية قبل ساعة، اتملى طاقة غريبة ومفاجأة.. طاقة أم بتدافع عن جحرها.
فتحت الدوسيه الأزرق تاني، وطلعت منه أوراق جديدة، حزمتها شريط أحمر من بتوع مكاتب السجلات التجارية.
رمتها على الترابيزة قدام محامي شريف.
“اقرأ يا أستاذ كمال.. اقرأ كويس عشان تشرح لموكلك هو واقف على إيه بالظبط.” ندى قالتها بصوت هادي، بس كل كلمة كانت نازلة زي المرزبة على دماغ شريف.
المحامي كمال مد إيده بالراحة، مسك الأوراق، وأول ما فتح الصفحة الأولى، عينيه اتوسعت، ونظارته نزلت على طرف مناخيره. بدأ يقلب الأوراق بسرعة، ووشه بيتحول من اللون الأبيض للون الأصفر، لحد ما صوابعه بدأت تترعش.
“إيه ده؟” شريف زأر وهو بيمد إيده يشد الورق من محاميه. “ورق إيه ده يا ندى؟ إيه الهبل ده؟”
“ده ورق شركتك يا شريف..” ندى ردت ببرود مرعب. “أو بمعنى أصح.. الشركات اللي أنت فاكر إنك بتملكها لوحدك.”
نورا قامت وقفت فجأة، وبصت لشريف بتوتر: “شريف.. هو في إيه؟ ورق إيه ده؟”
ندى بصت لنورا بنظرة سريعة، من فوق لتحت، نظرة مفيهاش حتى كره، فيها بس احتقار صافي: “اقعدي يا نورا.. اقعدي عشان الكلام ده يخصك أنتِ كمان.. أصل الدفاتر القديمة لما بتتفتح، بتجيب الكل.”
شريف كان بيقرأ الورق وعينيه رايحة جاية بين السطور، ركبه بدأت تخبط في بعضها تحت الترابيزة. “أنتِ.. أنتِ جبتي الورق ده منين؟ دي عقود التأسيس الأصلية! دي التوكيلات العامة اللي بيني وبين المرحوم والدك!”
“والدي..” ندى نبرة صوتها اتغيرت، بقى فيها حزن عميق بس تحته صلب زي الحديد. “أبويا الله يرحمه اللي أنت استغليت مرضه في آخره، وخليته يوقعلك على تنازلات وعقود بيع وشراء وأنت مستغل إنه كان في غيبوبة الكبد.. فاكر يا شريف؟ فاكر لما كنت بتيجي المستشفى وتخليه يبصم وأنت بتقولي ده ورق مستحقات الشركة؟”
شريف عرق، جبهته اتملت قطرات عرق نازلة على حواجبه: “أبوكي هو اللي كتبلي كل حاجة برغبته! هو اللي كان عايزني أدير الحلال ده كله عشان أنتِ مابتفهميش في السوق!”
“أبويا ما كانش هيكتبلك قشة واحدة لو كان يعرف إنك هترميني وأنا بأولد ابنه عشان تجيب السكرتيرة وتقعدها على الكرسي اللي هو كان بيقعد عليه!” ندى صوتها يعلي لأول مرة، بس ما كانش صراخ، كان صوت فيه حزم يخوف.
الاستاذة ماجدة اتكلمت بصوتها الرزين: “الورق اللي قدامك ده يا أستاذ كمال، هو تقرير اللجان الفنية وخبراء التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي، على التوقيعات اللي أخدها الأستاذ شريف من المرحوم والد ندى في أخر ست شهور قبل وفاته. التقرير بيثبت رسمياً إن التوقيعات والبصمات أُخذت تحت تأثير انعدام الإرادة والسيطرة الطبية، وفي تاريخ سابق لتاريخ تسجيل العقود في الشهر العقاري.. وده معناه جريمة تزوير في أوراق رسمية واستيلاء على ممتلكات بدون وجه حق.. عقوبتها بالسجن المشدد لا تقل عن سبع سنين.”
شريف اتسمر في مكانه. بص لمحاميه بعيون مليانة رجاء: “كمال! قول حاجة! الورق ده مالوش قيمة، صح؟ ده كلام فارغ!”
كمال نزل الورق على الترابيزة وبص للأرض، صوته كان واطي وجاف: “لو التقرير ده حقيقي ودخل النيابة العامة اليومين دول يا شريف بيه.. إحنا مش بس بنتكلم عن طلاق وحضانة، إحنا بنتكلم عن تحفظ على أموال الشركة والفيلا والعربيات، وقرار ضبط وإحضار ليك شخصياً.”
نورا صرخت: “ضبط وإحضار إيه؟! أنا ماليش دعوة بالحوارات دي! شريف أنت قايلي إن كل حاجة باسمك وإن كل حاجة قانونية ومفيش أي مشكلة!”
“اخرسي يا نورا!” شريف زعق فيها وهو بيمسح عرقه بمنديل، بس المنديل أتقطع في إيده من كثر التوتر.




